الثلاثاء , يوليو 27 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..بر الوالدين طريق التوفيق وملاذ الأمان في الدنيا والآخرة

د. أحمد البصيلي يكتب..بر الوالدين طريق التوفيق وملاذ الأمان في الدنيا والآخرة

 

إن الإسلام جعل حق الوالدين بعد حق الله مباشرة، كما جعل “عقوق الوالدين” أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله.. ومعظم المسلمين يحفظون قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ والفعل “أحْسَنَ” في اللّغة العربيّة يتعدَّى بإلى، يُقال: أحْسنَ إليه ، إلا أنّ هذا الفِعْل في القرآن الكريم يتعدَّى بِحَرْفٍ آخر، هو الباء، كما في الآية السابق ذكرها.

أيْ إحْسانًا بالوالدين، ولا يخفى على كلّ ذي فهْمٍ أنّ هذه الباء تفيد الإلْصاق ، وقد اسْتَنْبطَ علماء التفسير من حرْف الباء أنَّ الإحسان للوالدين لا يُقْبَلُ إلا إذا كان شخْصِيًّا، بمعنى أن بر الوالدين يكون بك لا بغيرك، كما أن الإحسان بوالديك لا يقبل الوساطة أو الإنابة أو الوكالة، لا عن طريق الهاتف ، ولا عن طريق الواسطة ، ولا عن طريق الرسالة ، لا بدّ من أن تحضر إليه ، ولا بدّ من أن تقدِّمَ إليه الخِدْمةَ بِنَفْسِكَ ، لا تُقْبَلُ إلا أن يكون هذا شخصيًّا منك .
أخرج الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله قال :”أحب الأعمال إلى الله سبحانه الصلاة على وقتها ، ثم بر الوالدين ، ثم الجهاد في سبيل الله”.

فَبِرُّ الوالدين من خِلال هذا الحديث هو أعظمُ الأعمال في الإسلام بعد حق الله (الصلاة) التي هي عِماد الدِّين ، وعِصام اليقين ، وسيّدةُ القربات ، وغرّة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى ربّ الأرض والسموات .

ثمّ يقول الله عز وجل :﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ وكلمة “عندَكَ” ، أي هم عندك، لا في دار المسنين ولا عند غيرك.. بعدَ أن كنْتَ أنت عندهم طفلا، نعم سيدي القارئ الكريم.. لقد كنت عند والديك مكانًا ومكانة، ونفقَةً ورِعايَةً وتربِيَةً ، تقدَّمَتْ السِنّ بوالديك أو أحدهما ، فأصبحَا عندك مكانًا ومكانة ونفقَةً ورِعايَةً وترْبِيَةً، فعليك أن ترْعاهما ، وعليك أن تنفق عليهما ، وعليك أن تُعْطِيَهُما أثْمَنَ ما عندك.

وهنا لفتة: ربّما لا يجد الإنسان مشقَّةً في برّ والدِه الشابّ ، ولكنّ الأب إذا تقدَّمَت به السنّ أصْبحَتْ حاجاتهُ كثيرة ، وقد يُصبحُ كلامه كثيرًا ، وقد يصبحُ تدخُّلُه كثيرًا ، فإذا بلغَ من الكِبَر وهو عندك هو في أمسّ الحاجة إليك ، إلى عطْفكَ ، وإلى حِلْمِكَ ، وإلى رحمتك ، وإلى رعايتك ، وإلى ترْبيَتِكَ.

إن برّ الوالدين تكليف حاسم لا يقبل التهاون أو التنازل، وربّما شعرَ الإنسان البعيد عن الله عز وجل أنّ أباهُ عبءٌ عليه ، أو أنَّ أُمّه عبءٌ عليه ، ومصْلحتُهُ مع زوْجتهِ ، مصْلحتُه مع رفاقه ومع أصدقائه ، فهذا الأب الذي تقدَّمَتْ به السنّ ، وهو في أمسّ الحاجة إليك ربّما أصبحَ عبئًا عليك ، لذلك جاء الأمر الإلهي ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

ولفظة (أفّ) ليسَتْ كلمة تقال، إنَّها زفيرٌ بصوت مَسْموع ، وردَ في بعض الآثار أنّه لو كان في اللّغة كلمة أقلّ من أفّ لذكرها الله عز وجل، وكلمة “أُفّ” اسم فعل مضارع ، بِمَعنى أتضجَّر ، والإنسان إذا تضجَّر قال : أفّ ، أو تنفَّسَ بِصَوٍت مَسْموع ، أو أرْجَعَ الهواء من رئتَيْهِ بِصَوتٍ مَسْموع أيْ كان زفيرهُ مَسْموعًا .

ونقرر هنا أن القرآن فيه منْطوق ، ومفهوم ، فكَلِمَة ولا تقل لهما أُفٍّ يُساويها أنْ تشُدّ نظرك إلى أبيك ، يُساويها أن تغلق الباب بِعُنْف ، يُساويها أن تحرِّك يدَيْك تضجُّرًا ، أيّ فِعْلٍ ، أو أيَّةُ كلمة ، أو أيَّةُ إشارة، أو أيّة عبارة ، أو أيّة حركة ، أو أيُّ تصرُّفٍ يُساوي كلمة أفّ فهي تأخذ حكمها ، لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :”رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه – أيْ خابَ وخسر – من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثمّ لمْ يدخُل الجنّة ” أما معنى قول الله عز وجل :﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ مِن النَّهْر أيْ الزَّجْر والغلظة ، ثم قال تعالى :﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾.

أخرج البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – في حق الأب: “لا تمش أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له “. أي لا تكن سببًا في سبِّه.

وما دُمنا قد وصلنا إلى كلمة : ولا تسْتَسِبَّ له، فقد أكَّدَ العلماء أنّ من العقوق أن يشْتم الرجل والدَيْه ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر : “إن من الكبائر شتْم الرجل والديه.. الحديث”.

إن من العقوق – كما قال ابن عباس رضي الله عنهما – أن يَنفُضَ الرَّجُلُ ثوبَه أمامهما فيصبهما غبارُه، وإن من أحْزَنَ والِدَيْه فقد عقَّهما. وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال :”ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور”. متفق عليه.

وقد يقول قائلٌ: والديّ ليسا على الحق ، والدِي ليس مستقيماً ، لا يصلّي ويفعل المنكرات…الخ، يقول العلماء : لا يختصّ بِرُّ الوالدين بأنْ يكونا مسلمين ، ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت :”قدمت عليّ أمي وهي مشركة ، في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فاستفتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قلت وهي راغبة (عن الإسلام): أفأَصِلُ أمي ؟ قال : نعم صلي أمك.

وفي الصحيح عن أبي هريرة: “مَن أحقّ الناس بحُسن صحابتي ؟ قال : أمّك ثلاث مرات ..” فحقُّ الأمّ ثلاثة أمثال حقّ الأب ، وسئل صلى الله عليه وسلّم من أعظم الناس حقًّا على الرجل ؟ فقال : أمّهُ ، فلما سئل : من أعظم الناس حقّا على المرأة ؟ قال : زوجها .
وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يستأذنهُ في الجهاد فقال : أحَيٌّ والدك؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهِد ، فَبِرُّ الوالدين يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، وهذا يذكّرني بِحَديث لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما جاءتْهُ امرأة تشتكي أنّ الرجال أخذوا كلّ الخير ، فالجهاد لهم ، والأعمال الطيّبة لهم ، والدعوة إلى الله لهم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ” اِعْلمي أيّتها المرأة وأعْلِمي من دونك من النّساء أنّ حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ” دقّقوا في هذين الحديثين :” حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ” أنْ ترْعَى بيْتَ زوْجها ، أن ترْعى زوْجها ، أنْ ترْعى أولادها ، هذا عند الله جهادُ المرأة ، وأن يبرَّ الرجل والِدَيه ؛ هذا عند الله يعْدلُ الجهاد .

وقد روَتْ الكُتب أنّ رجلاً خاصمّ امرأتهُ على ولدٍ لهما ، أيّهما أحقّ بِحَضانته ، فقالتْ المرأة للقاضي : أنا أحقّ به لأنّني حملْتهُ تسْعة أشهرٍ ثمّ وضَعْتهُ ، ثمّ رضّعته إلى أن ترعْرع بين أحضاني ، فقال الرجل : أيها القاضي أنا حملْتُ قبل أن تحملهُ ، ووضعْتُهُ قبل أن تضعهُ ، فإن كان لها بعض الحقّ فيه ، فَلِيَ الحقّ كلّه أو جلّه ، فقال القاضي : أجيبي أيّتها المرأة قالت : لئِنْ حَمَلَهُ خِفًّا ، فقد حمَلْتُهُ ثقلاً ، ولئِنْ وضَعَهُ شهوةً فقد وضَعْتهُ كُرْهًا ، فقال القاضي : اِدْفَع إلى المرأة غلامها ودَعْني من سَجْعك .

وقد يقول قائلٌ : ما دام أبي حيًّا فأنا أسْعى لِبِرِّهِ ، فإذا أخذ صاحب الأمانة أمانتهُ فماذا بقيَ عليّ من بِرِّه ؟ لكن أحكام الشريعة السّمْحاء دقيقة، فقد جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله هل بقي عليّ من بِرِّ والديّ مِن بعد موتهما شيءٌ ؟ فقال : نعم ؛ الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهْدِهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرّحِمَ التي لا رَحِم لك إلا من قبلهما ، أما الصلاة عليهما ففي بعض الآراء هي صلاة الجنازة ، لكنّ بعض العلماء وسَّعَ هذا المفهوم وقال : الصلاة عليهما هي الدعاء لهما بالرحمة ، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال :﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾

“إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ….ولد صالح يدعو له “. (متفق عليه).

فقد أكَّدَ العلماء أنّ دعاء الولد المؤمن الصالح لأبيه بعد موته اسْتمرار لِعَمله بِشَرْط أنْ يُرَبِّيَهُ تربيَةً ترضي الله تعالى ، إذا أسْهَمَ الأب في إيمانه وتربيَتِهِ ، وجَهِدَ الليالي في تربيته ، وإذا راقبهُ ، وإذا ضبطهُ ، وإذا درسَ سُلوكهُ ، وقدَّم له النصيحة ، إذا أعانه على أمر دينه ، إذا زوَّجَهُ خوفًا أن يقعَ في الفاحشة ، إذا فعلَ كلّ هذا إلى أن استقام عودهُ وأصبح هذا الابن صالحًا مؤمنًا، الآن هذا الابن إذا دعا لأبيه بعد موته فَدُعاؤُهُ اسْتِمرارٌ له .

وقد قال بعض التابعين : من دعا لِوَالِدَيه في اليوم خمْس مرات فقد أدَّى حقّهما في الدعاء ، أيْ لا بدّ أن تدْعُوَ لِوَالديك في الصلوات الخمس : ربّ اغفر لي ولِوَالديّ ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا . قبل أن تُسلِّم من الصلاة قُلْ : ربّ اغفر لي ولوالِديّ ، ربّ ارْحمهما كما ربَّياني صغيرًا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ إنّ الرجل لَتُرْفعُ درجتهُ في الجنّة، فيقول : يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك.

ومن أراد البركة في كل شيء.. في علمه وعمله وماله وعمره وزوجته وولده.. فليقرأ هذا الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عَنْ أنس بن مالكٍ: “مَن سرَّه أن يُمَدَّ له من عُمره ، ويُزاد له في رزقه فليبرّ والديه”.

وإذا أثبتنا في هذا المقال أن حق الأم ثلاثة أمثال حق الأب بشهادة سيدنا رسول الله، فيطيب لي أن أوجّه رسالة إلى كل أم من خلال أمي رحمها الله..

أقول في هذه الرسالة: إلى بؤرة النور التي عبرت بي نحو الأمل وأرشدتني إلى المعاني والأماني الجميلة، واتسع قلبها ليحتوي حلمي حين ضاقت الدنيا، فروّضت الصعاب من أجلي، وسارت في حركة الدرب لترسم معاني النور والصفاء في قلبي، وعلمتني أن نعيش من أجل الحق والعلم لنظل أحياء حتى لو فارقت أرواحُنا أجسادنا، لقد آثرَتْ مَن تحب على ما تحب، من أجل أن نعيش حياة كريمة في بيت كريم، وفي أحضان علم نافع، أمثُلُ الآن بقلبي الذي تعترف كل نبضة فيه بأن أمي سر وجودها ومَظهَر إمداَدِها بحنانها وعطفها، لقد كان إرضاؤك يا أمي جزءا من طموحي وهدفا لسيري في طريق العلم والعمل حتى جنينا ثمرةَ جهدك وطيبَ غرسِك فكنتِ معنَى الحياة لي وقد أرضاني الله فيكِ يا أمّي فهلّا رضيتي عني!

تتسابق الكلمات لتخرج معبرة عن مكنون ذاتها إلى التي تغزل الحب، وتبذل الأمل عصفورا يرفرف فوق ناصية الأحلام، فتبقى روحي متلألئة ومشرقة طالما كانت دعواتُها عنوانَ دربي، وطَوْقَ أمنياتي التي تتحقق طالما يدها في يدي، إلى أمي الحبيبة التي كثيرا ما تسهر لتصطاد لي الراحة وتخطف التعب والألم من قلبي، وعندما تكسوني الهموم أسبح في بحر حبها وحنانها فيخف بلائي وأستريح من آلامي..

إلى أمي التي مهما كبرت فسأبقى طفلها الذي يكتب اسمها على دفتر قلبه ساعة حزنه ويهتف بفضلها حين يتقدم في علمه وعمله، لك يا والدتي الحبيبة يا سيدة القلب والحياة أهديك دعائي وقُرُباتي وفوقها قلبي لتهديني الرضا والمعية في جنة الله العزيز الرحيم.

إن الله قد جعل الأم مثالا لتجلي مظاهر الرحمة الإلهية في الأكوان وفي الإنسان.. رحمات الله عليك يارحمة الله ياأمي.. وسلاما إلى يوم ألقاك في ضيافة وكفالة سيدنا سيدنا رسول الله.

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. الشيخ مصطفى الحاروني: من نال المحبة لم تفتْهُ حبة