الثلاثاء , يوليو 27 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..نعمة الماء وضرورة المحافظة عليها

د. أحمد البصيلي يكتب..نعمة الماء وضرورة المحافظة عليها

ينظر الإسلام إلى الماء على أنه أساس قوام الحياة، إذ لا يُتصوَّر في منطق العقل أن تقوم حياة من أي نوع بدونه، فهو مصدر العمران ومبدأ الأحياء، ومنه بداية الخلق، وانعدامه بمثابة الهلاك العام والدمار الشامل لكل مكونات كون الله. فلا جرم أن كانت قضية الأمن المائي على رأس قضايا الأمن القومي لأي دولة؛ إذ لا قرار ولا استقرار بل لا حياة ولا أحياء بدون ماء.

ولقد تحدّث القرآن الكريم عن الماء بأبلغ الكلام، ووصفه الله -تعالى- في كتابه بأوصاف عدّةٍ، منها: الطهور، والمبارك، والغدق، وغيرها، فممّا جاء في القرآن الكريم حوله إخبار الله -عزّ وجلّ- فيه أنّ المخلوقات كلّها من الماء، كما أخبر أنّ حياة الأرض وما عليها من كائنات كان بالماء، ولو ذهب الماء لماتت الأرض وماتت الكائنات جميعاً، كما كرّر القرآن الكريم حقيقةً مهمةً حول الماء، وهي أنّ أنواع الثمرات المتكاثرة كلّها تخرج من ماءٍ واحدٍ لا اختلاف فيه، وممّا ورد في القرآن الكريم حول الماء أيضاً امتنان الله على عباده بنعمةٍ جعله الماء طهوراً لهم، فبها أصبح الماء منظّفاً ومزيلاً للأوساخ والنجاسات، فصلحت بذلك حياة الإنسان، أمّا في السنة النبوية فقد جعل الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- الماء من الأمور المشتركة بين المسلمين، والتي يحرُم على أحدهم امتلاكها إذا ألحق ذلك ضرراً بهم، وتوعّد فاعل ذلك بوعيدٍ شديدٍ، كما جاءت السنة النبوية حاثّة للمسلمين على ترك الإسراف بالماء، حتى وإن كان ذلك خلال الوضوء والاغتسال الشرعي.

وثمة إشارات عدة في القرآن الكريم إلى المياه وما يتصل بها من ظواهر، فعلى سبيل المثال تتكرر فيه كلمة (ماء) ثلاثا وستين مرة، وكلمة (نهر) و(أنهار) اثنين وخمسين مرة، وكذلك فإن كلمات مثل (العيون) و(الينابيع) و(المطر) و(البرَد) و(الغيوم) و(الرياح) ترد مرارا عديدة وإن بدرجة اقل.

أما الجنة – وهي الدار الأبدية للذين آمنوا وعملوا الصالحات -، فإنها تضم بين طياتها:{جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}[البقرة: 25].

ويوصف عرش الله بأنه قائم على الماء، ويذهب القرآن إلى أكثر من ذلك فيذكر في الآية التي ربما كانت أكثر آية يتم الاستشهاد بها من بين الآيات: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}[الأنبياء: 30]، هذه الآية شهادة على مركزية المياه في الحياة ضمن النظام البيئي العام وعلى كونها المجال المشترك بين جميع الكائنات. فالماء على ماء جاء ذكره في القرآن، يعتبر أثمن شيء خلقه الله بعد البشر.

أما صفة الماء كواهب للحياة فتظهر بالإضافة إلى الآية المتقدمة في قوله تعالى:{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}[النحل: 65].

ويعتمد البشر جميعهم على الماء للحياة والصحة الجيدة، وللماء في نظر الإسلام أهمية خاصة لأنه يستخدم في الوضوء والغسل أيضا، وقد شبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث شريف فائدة الصلاة، وهي من أركان الإسلام الخمسة، بالماء الذي يغتسل به: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: «لا يبقى من درنه شيء». قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» متفق عليه.

شرع الله -تعالى- في الإسلام مجموعة من القواعد والتشريعات للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، وفيما يأتي بيان جانبٍ منها:

النهي عن الإفساد في الأرض، ومعلوم أن تلويث الماء بمختلف الطرق والتحكم في مساره بما يضر بمصالح الآخرين يعدّ صورةً من صور الإفساد في الأرض.

إقرار مبدأ لا ضرر ولا ضرار، فكلّ ما يضرّ المسلمين في مأكلهم ومشربهم وملبسهم محرّمٌ في الإسلام، ومن صور ذلك منع وصول الماء بإقامة السدود أو الانحراف بمساره أو تخزينه بأي طريقة تضر الغير.

نهى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عن التبوّل في الماء الراكد، وذلك من القواعد التي أرساها الإسلام في الطب الوقائي؛ حمايةً للبيئة والإنسان.

تحذير الإنسان من تحويل النعمة إلى نقمة، فهذا الماء أنزله الله للنفع العامة فإذا تدخل الإنسان فيه بالتحكم الضار كان ذلك سببا في ظلم الشعوب وظلام الضمائر.. فَإِنَّ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي نَشْرَبُهُ مَا جَاءَ بِحَوْلِنَا وَلَا بِقُوَّتِنَا، قَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 68-69]. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]. وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22]. فَبَيَّنَ تَعَالَى نِعْمَتَهُ عَلَيْنَا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالنَّابِعِ مِنَ الْأَرْضَ عَلَى السَّوَاءِ. وما جعله الله للنفع العام لا يحق للإنسان أن يستأثر به ليُشبع أنانيته وغطرسته، وإن لم تُجدِ المفاوضاتُ نفعا فالقوة للأسف هي البديل حتى يستعيد الكون نظامه الذي أراده الله أن يكون.

وبغض النظر عن قيمة الماء وآثاره اجتماعيا واقتصاديا ومنافعه للإنسان لكونه يعتبر مصدرا أساسيا من المصادر التي يحتاج إليها البشر في حياتهم اليومية، سواء على المستوى الفردي حيث تستعمل للشرب وحفظ الذات، أو لمنافعها المتعددة في مختلف جوانب الحياة والعمران. إلا انها تكتسب بُعدا مميزا في الفقه الإسلامي كونها أحد أهم عوامل الطهارة التي يحتاج إليها الإنسان لممارسة عبادته مع الله. وانطلاقا من قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]. فقد اعتبر الإسلام أن كل ماء جاءت به الطبيعة نازلا من السماء، او نابعا من الأرض، أو ذائبا من الثلج، عذبا كان أو مالحا، على أصل خلقته يسميه الفقهاء (ماء مطلق)، أي يصدق عليه لفظ (ماء) فقط من دون ان تضيف إليه أية لفظة أخرى تبين المراد منه.

ومن مصاديق الماء المطلق : المياه المعدنية، كعيون الكبريت، وما إليه، ومنه أيضا ماء النهر المتغير أيام الفيضان بما يجرفه من تراب أو عشب، وماء البرك وغير ذلك…

ويكتسب الماء المطلق أهمية في الفقه الاسلامي لكونه يزيل النجاسة المادية كالدم والبول، ويرفع النجاسة المعنوية، كالوضوء به، والغسل من الجنابة والحيض، وغسل الميت..

وهذا معنى قول الفقهاء : الماء المطلق طاهر بنفسه، مطهر لغيره من الخَبَث والحدث، كما هو مفاد قوله سبحانه وتعالى:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال: 11] .

ومِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ نِعْمَةِ الْمَاءِ فِي الْحَيَاةِ: أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ الْمَاءَ الْكَثِيرَ النَّافِعَ ثَمْرَةً لِلْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالتَّقْوَى، وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]. والمعنى: لَوْ اسْتَقَامَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى، وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ لَوَسَّعْنَا عَلَيْهُمُ الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً كَثِيرًا عذبا غَزِيرًا.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- على لسان سيدنا نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12]. والمعنى: إِنْ تُؤْمِنُوا وَتُسْلِمُوا، وَتَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، وَتَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ يُرْسِلْ عَلَى أَرْضِكُمْ وَبِلَادِكُمْ مَاءَ السَّمَاءِ كَثِيرًا مُتَتَابِعًا فِي مَنَافِعِكُمْ وَسُقْيَاكُمْ، وَيُكَثِّرُ أَمْوَالَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، وَيَجْعَلُ لَكُمْ بَسَاتِينَ تَنْعَمُونَ بِجَمَالِهَا وَثِمَارِهَا، وَيَجْعَلُ لَكُمْ أَنْهَارًا جَارِيَةً؛ لِإِمْتَاعِ نُفُوسِكُمْ وَأَعْيُنِكُمْ، وَلِسُقْيَا الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ.

وَمِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ وَعِظَمِ شَأْنِ نِعْمَةِ الْمِيَاهِ: أَنَّ اللهَ جَعَلَ حَبْسَ الْمَطَرِ، وَالْجَدْبَ وَالْقَحْطَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً شَدِيدَةً لِلْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ: فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130]. والمعنى: أَنَّنَا قَبَضْنَا عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ قَبْضَةً مُوجِعَةً بِالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ وَالْجُوعِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، وَإِتْلَافِ الْغَلَّاتِ وَبِالْآفَاتِ؛ رَغْبَةً مِنَّا أَنْ يَتَذَكَّرُوا، فَيَتَضَرَّعُوا وَيَسْتَغْفِرُوا، وَيَتُوبُوا إِلَى رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا-. فَمِنْ أَسْبَابِ حَبْسِ الْأَمْطَارِ وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ.

إن نعمة الماء لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا إِلَّا الْمُوَفَّقُونَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى هَذِهِ النِّعَمِ، وَلَا يَعُدُّونَهَا شَيْئًا!!

وَالْإِنْسَانُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ النِّعْمَةِ إِلَّا إِذَا فَقَدَهَا، وَلِذَلِكَ كَانَ -كَمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْإِمَامِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ إِذَا مَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ يَقُولُ: ((يَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ لَوْ قَدَرَهَا النَّاسُ قَدْرَهَا)) .

وَقَدْ اسْتَغَلَّ ذَلِكَ أَحَدُ الْوُعَّاظِ الْأَفْذَاذِ وَهُوَ ابْنُ السَّمَّاكِ)) .

لَمَّا دَخَلَ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ جَامٌ مِنْ مَاءٍ -أَيْ: كُوبٌ أَوْ كَأْسٌ فِيهِ مَاءٌ-، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: عِظْنِي.

فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَرَأَيْتَ لَوُ أَنَّكَ كُنْتَ فِي صَحَرَاءَ مُجْدِبَةٍ، وَانْقَطَعَتْ بِكَ السَّبِيلُ، وَلَمْ تَجِدْ مَاءً وَلَا غِذَاءً، أَكُنْتَ تُعْطِي مَنْ يُعْطِيكَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ الَّتِي فِي يَدِكَ نِصْفَ مُلْكِكَ؟!!

وَمُلْكُهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ: لَا تَغِيبُ عَنْهُ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى السَّحَابَةِ فِي السَّمَاءِ، وَيَقُولُ لَهَا مُخَاطِبًا: ((امْطُرِي حَيْثَ شِئْتِ فَسَوْفَ يَأْتِينِي خَرَاجُكِ))، فَمَهْمَا نَزَلَ قَطْرُكِ، فَسَوْفَ يَنْزِلُ عَلَى أَرْضٍ عَلَيْهَا تُرَفْرِفُ رَايَةُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

قَالَ: بَلْ أُعْطِيهِ مُلْكِي كُلَّهُ.

لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي حِينَئِذٍ شَيْئًا، وَهَذِهِ الشَّرْبَةُ تُسَاوِي الْحَيَاةَ.

حِينَئِذٍ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّكَ شَرِبْتَهَا فَاحْتُبِسَتْ فِيكَ، أَكُنْتَ تُعْطِي لِمَنْ يُخْرِجُهَا مِنْكَ نِصْفَ الْمُلْكَ الْآخَرَ؟!!

قَالَ: بَلْ أُعْطِيهِ مُلْكِي كُلَّهُ.

قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَانْظُرْ إِلَى مُلْكٍ لَا يُسَاوِي عِنْدَ نِعَمِ اللهِ بَوْلَةً وَلَا شَرْبَةً.

وَأَمَّا الَّذِينَ آتَاهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النِّعَمَ فَيُسْرِفُونَ وَلَا يَحْمَدُونَ، وَيُبَذِّرُونَ وَلَا يَشْكُرُونَ!! وَلَوْ أَنَّهُمْ رَاقَبُوا نِعْمَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ؛ لِعَلِمُوا أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَنَعَّمَهُمْ، فَعَسَى أَلَّا يَكُونَ اسْتِدْرَاجًا.

ولذلك فقد نَهَى الشرع الشريف عَنِ الْإِسْرَافِ, وَحَذَّرَ مِنْهُ, وَوَصَفَ اللهُ بِهِ أَعْدَى أَعْدَائِهِ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْبَشَرِ فَقَالَ {إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: ٣١]، وَهُوَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ, وَصَفَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالْإِسْرَافِ, وَحَذَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ, وَنَهَى عَنِ الْوُقُوعِ فِيهِ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لكل بني آدم وليس المسلمين فقط: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. والمعنى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، لَا تُسْرِفُوا بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى مَا يُؤْذِي أَوْ يَضُرُّ، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ أَسْرَفَ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ يُوصِلُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَضَارِّ وَالْمَهَالِكِ. وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللهُ، فَقَدْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ.

وَنِعْمَةُ الْمَاءِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا عَلَى هَذَا الْبَلَدِ بِمَا أَجْرَى فِيهَا مِنَ نَهْرِ النيل الْمُبَارَكِ, نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَى الدول الذي يسري فيها هذا النهر.

 فَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ, وألا يجعلوها سببا للشقاق وقد جعلها الله شريانا للوفاق والاتساق والاتفاق، وَأَلَّا يُسْرِفُوا فِيهَا مُبَدِّدِينَ إِيَّاهَا, وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَرْضَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ, وَلَا يُحِبُّهُ.

 فَالْإِسْرَافُ مِنْ خُلُقِ أَتْبَاعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:

*إِسْرَافٌ كَمِّيٌّ: يَكُونُ بِأَنْ تَبْذُلَ فَوْقَ مَا تَتطلبه حاجتك..

*وَأَمَّا الْإِسْرَافُ الْكَيْفِيُّ: فَأَنْ تَتَجَاوَزَ بِذَلِكَ الْإِنْفَاقِ الْحَدَّ, وَلَوْ كَانَ فِي قطرة ماء واحدة, فَإِنَّ وَضْعَ الْقَلِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مِمَّا يُغْضِبُ اللهَ؛  إِسْرَافٌ وَلَوْ كَانَ قليلا في الكمية, فَلَيْسَ بِكَثْرَتِهِ عَدًّا, وَإِنَّمَا بِوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَيْفًا.

فَالْإِسْرَافُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِ مَا أُنْفِقَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا.

وَمَهْمَا وَضَعْتَ مِنْ قَطْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي آتَانَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ, فَهَذَا إِسْرَافٌ يُبَدِّدُ رُوحَ أُمَّةٍ, وَيُصَحِّرُ أَرْضَ قُطْرٍ مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

ولا شك أن المصادر المائية لمصر محدودة للغاية إلى حدٍّ يجعلنا مهدَّدين بالشُّحّ المائي لا سمح الله؛ وَمِنَ الْمُؤَامَرَاتِ بل الحروب الضروس عَلَى مِيَاهِ النِّيلِ فِي مِصْرَ: السعي الإثيوبي الحثيث إلى إِتْمَامِ الْبِنْيَةِ الرَّئِيسَةِ لِلسَّدِّ الْمَعْرُوفِ بِاسْمِ ((سَدِّ النَّهْضَةِ))، بِسِعَةِ أَرْبَعَةٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْأَمْتَارِ الْمُكَعَّبَةِ مِنَ الْمِيَاهِ (74 مِلْيَار م3) تُحْجَزُ وَرَاءَ ذَلِكَ السَّدِّ.

وَقَدْ أوغلت (أَدِيس أَبَابَا) فِعْلِيًّا فِي الاستفزاز بكل صوره، مع التشبث برؤيتها الأنانية والميكافيلية التي لا ترعى حرمة لجوار ولا اتفاقية، ضاربة بكل مبادئ الإنسانية عرض الحائط، مَعَ ازْدِيَادِ وَاشْتِدَادِ الْأَزْمَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْحَرْبِ عَلَى الْإِرْهَابِ، وما كان للْحُكُومَة المصرية أن تنشغل عَنْ مَلَفِّ الْمِيَاهِ الْمُتَعَلِّقِ مُبَاشَرَةً بِأَمْنِهَا الْقَوْمِيِّ، بَلْ بِوُجُودِ مِصْرَ نَفْسِهَا.

وبنظرة سريعة للواقع يتبين أن مَصَادِرُ الْمِيَاهِ فِي مِصْرَ تنقسم إِلَى مَصَادِرَ تَقْلِيدِيَّةٍ:

*مِيَاهٍ مُتَجَدِّدَةٍ سَطْحِيَّةٍ وَجَوْفِيَّةٍ.

*وَمَصَادِرَ غَيْرِ تَقْلِيدِيَّةٍ، وَهِيَ حَصَادُ الْأَمْطَارِ وَالسُّيُولِ.

وَتَعْتَمِدُ بِلَادُنَا بِشَكْلِ مُبَاشِرٍ كَامِلٍ عَلَى الْمِيَاهِ السَّطْحِيَّةِ الْقَادِمَةِ مِنْ نَهْرِ النِّيلِ بِنِسْبَةٍ تَتَجَاوَزُ خَمْسَةً وَتِسْعِينَ بِالْمِئَةِ (95%).

وَاسْتِهْلَاكَاتُ مِيَاهِ الشُّرْبِ تَتَجَاوَزُ تِسْعَةَ مِلْيَارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الْمِيَاهِ (9 مِلْيَار م3) سَنَوِيًّا، فِيمَا تَزِيدُ اسْتِهْلَاكَاتُ مِيَاهِ الرَّيِّ عَنْ ثَلَاثَةِ وَسِتِّينَ مِلْيَارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ (63 مِلْيَار م3) سَنَوِيًّا، أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ مِلْيَارًا مِنَ الْأَمْتَارِ الْمُكَعَّبَةِ (84 مِلْيَار م3) مِنَ الْمِيَاهِ تَأْتِي لِمِصْرَ عَنْ طَرِيقِ نَهْرِ النِّيلِ، مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلْيَارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ (72 مِلْيَار م3) مِنْ إِثْيُوبِيَا وَحْدَهَا، عبر النِّيلِ الْأَزْرَقِ الْمُقَرَّرِ إِقَامَةِ السَّدِّ عَلَيْهِ.

وَامْتِلَاءُ بُحَيْرَةِ سَدِّ النَّهْضَةِ عَلَى الْمُسْتَوَى الْمُتَوَسِّطِ سَيَتَسَبَّبُ فِي اسْتِنْزَافِ بُحَيْرَةِ السَّدِّ الْعَالِي بِأَكْمَلِهَا؛ لِتَعْوِيضِ النَّقْصِ الْحَادِثِ فِي مِيَاهِ النِّيلِ، وَالْمُتَرَتِّبِ عَلَى حَجْزِ مِلْيَارَاتِ الْأَمْتَارِ الْمُكَعَّبَةِ خَلْفَ السَّدِّ الْإِثْيُوبِيِّ.

هَذِهِ النَّتَائِجُ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى تَشْرِيدِ مِلْيُونَيْ أُسْرَةٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَفِقْدَانِ مَا يَزِيدُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ بِالْمِئَةِ (12%) مِنَ الْإِنْتَاجِ الزِّرَاعِيِّ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَلَوُّثِ الْمِيَاهِ، وَزِيَادَةِ نِسْبَةِ الْمُلُوحَةِ فِي الْأَرْضِ، وَالْعَجْزِ فِي سَدِّ احْتِيَاجَاتِ مِيَاهِ الشُّرْبِ، عِلَاوَةً عَلَى فَقْدٍ فِي الطَّاقَةِ الْكَهْرُبَائِيَّةِ سَيَصِلُ إِلَى إِنْتَاجِ صِفْرِيٍّ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِمَلْءِ الْبُحَيْرَةِ الْإِثْيُوبِيَّةِ خَلْفَ السَّدِّ حسب الرؤية الإثيوبية الطافحة بالأنانية والاستفزاز.

إِقَامُةُ سَدِّ النَّهْضَةِ بِتَصْمِيمِهِ الْحَالِي، وَاسْتِكْمَالِ الْمَشْرُوعِ الْهَادِفِ إِلَى بِنَاءِ أَرْبَعَةِ سُدُودٍ أُخْرَى عَلَى النَّهْرِ الْأَزْرَقِ، تَتَسَبَّبُ جَمِيعُهَا فِي جَفَافِ مَجْرَى نَهْرِ النِّيلِ خِلَالَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا عَلَى الْأَكْثَرِ.

يريدون أن يَتَحَقَّقُ مَا يَقُولُهُ الْيَهُودُ فِي كتابهم المقدس وتحديدا في الاصحاح التاسع عشر من سفر اشعياء: ((وَيَجِفُّ النَّهْرُ، وَتُنْتِنُ التُّرَعُ، وَلَا يَبْقَى فِي مِصْرَ إِلَّا الْقَصَبُ، إِلَّا الْأَسَلُ، وَيَنْحَازُ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى خَمْسِ مُدَنٍ حَقِيرَةٍ!!)). وما هم ببالغيه أبدا بإذن الله.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَلِّمَ وَطَنَنَا, وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَوَادِي الشَّرِّ كُلِّهَا بَادِيهَا وَخَافِيهَا, ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. الشيخ مصطفى الحاروني: من نال المحبة لم تفتْهُ حبة