الثلاثاء , يوليو 27 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..القدس بين الحقائق التاريخية والنصوص الدينية

د. أحمد البصيلي يكتب..القدس بين الحقائق التاريخية والنصوص الدينية

 

لقد استطاع الصهاينة في غفلة من يقظة المسلمين أن يستولوا على أرض فلسطين، واستطاعوا في غفلة من يقظة الدبلوماسية الإسلامية أن يجعلوا العالم الغربي يقف معهم في خنادقهم يمدهم بأسلحته ويناصرهم بسياسته .. ولا يزال الصراع قائما حول هذه الأرض.

ومما يؤسف له أن اليهود يجعلون الصراع صراعا دينيا.. يروجون له بنصوص العهد القديم التي تخدم فکرتهم حول الوطن القومي ودعوى أرض الميعاد، ويقررون في مناهج التعليم في دولتهم المزعومة تدریس سفر يشوع الذي يأمر بإبادة الكنعانيين لتبرير أعمالهم الإجرامية ضد العرب ، ويطلق الساسة الإسرائيليون العنان للأحزاب الدينية المتطرفة أن تعمل كيف تشاء حتى أصبحت هذه الأحزاب هي الميزان الانتخابي الذي يرجح كفة الحزب الذي يحكم.

يحدث هذا في الوقت الذي يجعل فيه المسلمون صراعهم مع اليهود صراعا قوميا أو جغرافيا بعيدا عن الدين، فخاضوا معارك خاسرة تحت شعارات زائفة من قومية تارة واشتراكية تارة أخرى.

وقد عقدت مؤتمرات متعددة، وأقيمت ندوات كثيرة بشأن قضية فلسطين، ولكن يغلب على أكثرها الطابع القومي.

ولقد عقدت المنظمات الإسلامية ندوات بشأن القدس من أهمها المؤتمر الإسلامي الأول في القدس سنة ۱۹۳۱م، ثم مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وكذلك رابطة العالم الإسلامي التي أنشئت في الأصل بسبب حريق المسجد الأقصى سنة ۱۹۹۹م، ولكن هذه الجهود للأسف ضئيلة إذا ما قورنت بالترسانة الدبلوماسية الإعلامية والثقافية والعسكرية وسياسة الحشد والفيتو… التي يسخرها العدو الصهيوني لشرعنة جرائمه في حق الإنسان والمقدسات.

والحق أن اليهود إذا كانوا يدافعون عن حقهم المزعوم تحت ستار الدين فإنه من الواجب علينا أن نجعل قضية القدس وفلسطين قضية دينية ندافع عنها بعقديتنا على النحو الذي يريده الله وفي حدود إمكانات الدول والأنظمة والمنظمات المعنية.

وإذا كان اليهود يعتمدون على نصوص عندهم تزعم أن لهم أرضا، ويعتمدون على أحداث تاريخية تزعم أن لهم وطنا، فدعواهم ليست لها نصوص مقدسة تدعمها ولا تعتمد على أي دليل تاريخي.

وإنما نحن المسلمين عندنا نصوص مقدسة، توافرت على قداستها أدلة دامغة وإجماع تاریخی؛ ونحن المسلمين نملك الصلة المتصلة، والدليل والبرهان القوي، ونملك التفسير الإيجابي لأحداث التاريخ، واليهود في العصر الحاضر يروجون لإقامة دولتهم تحت ادعاء أن لهم حقوقا دينية وتاريخية في فلسطين.

فبالنسبة للحق الديني: يزعم اليهود أن الله وعدهم بهذه الأرض على ألسنة أنبيائهم ويركزون على فقرات من العهد القديم ذكر فيها الوعد بالأرض لإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ولنسلهم من بعدهم.

وبالنسبة للحق التاريخي: يزعم اليهود أنهم في فلسطين أقاموا وكانت لهم مملكة كبيرة هي مملكة داود وسليمان ولذا فهم يعودون إلى أرضهم لإقامة مملكتهم الماضية.

وإذا سلّمنا جدلا بصحة نصوص الوعد وسلّمنا أيضا جدلا بإيمان بني إسرائيل والتزامهم بأوامر الله فهل تحقق الوعد؟ وهل دامت لهم؟ .

يقول الكاتبون لسفر يشوع (أعطي الربُّ إسرائيلَ جميعَ الأرض التي أقسم أن يعطيها لآبائهم فامتلكوها وسکنوا بها).

والثابت تاريخيا ومن خلال نصوص العهد القديم نفسه أن يشوع لم يستول إلا على أريحا وبعض المدن الصغيرة بجوارها أما المدن المهمة الأخرى مثل بیت شان وأورشليم (القدس) فقد ظلت في أيدي اصحابها.

فإذا كان يشوع لم يستطع الاستيلاء على كل مدن فلسطين فكيف يزعم الكاتبون أن الرب أعطاه جميع الأرض التي أقسم لآبائه أن يعطيها إياهم.

فكما أن الكذب واضح في اختلاق الوعد فإنه كذلك واضح في ادعاء الوفاء بالوعد.

فلم يتملك بنو إسرائيل أرض الميعاد وما استقروا فيها استقرارا هنيئا بل تشردوا في كل بقاع الأرض حتى ضُرب بهم المثل فقيل اليهودي التائه، (يتيهون في الأرض) وذلك قبل قیام مملكتهم التي يزعمون أنهم أقاموها أو بعدها، والنكبات التي حلت بهم كثيرة ومتعددة..

وبعيدا عن النكبات التي حلت بهم على يد بختنصر وقورش ومن بعدهم فإن نصوصا في العهد القديم توضح أن الله غضب على بني إسرائيل فأذلهم لأعدائهم ومن هذا على سبيل المثال لا الحصر:

  • أن الله سلط المديانيين على بني إسرائيل لمدة سبع سنوات ينهبون غلتهم. ولا يتركون لهم قوت حياتهم ويأخذون غنمهم وبقرهم وحميرهم وكانوا ينقضون عليهم کالجراد.
  • أن الرب أذل بني إسرائيل للفلسطينين وبني عمون لمدة ثمانية عشر عاما فحطموهم وذلك لأن بني إسرائيل عبدوا آلهة من دون الله، مثل البعليم والعشتاروت.
  • لما عاد بنو إسرائيل يعملون الشر أذلهم للفلسطينيين أربعين سنة .

ومما سبق يتضح أن بني إسرائيل لم يتملكوا أرض الميعاد التي جاء ذكرها في نصوص العهد القديم وما عاشوا فيها عيشة هنيئا طيلة حياتهم وذلك يبطل زعمهم بوعد الله لهم بالأرض.

ولذا ، فإن الوعد بالأرض ما هو إلا خيال اختلقه كُتّابُ العهد القديم من عند أنفسهم وهم في فترة الشتات حنينا إلى العودة إلى فلسطين.

ومن جملة الحق المُرّ: أنه دائما تبرز عندهم نصوص العهد القديم كعِلّة شرعية للمجازر التي يرتكبها اليهود داخل البلاد العربية، كما تبرز أيضأ نصوص العهد القديم كعلة شرعية في عدم إعطاء أي عهد لأهل البلاد المنكوبة بهم بالأمن أو السلام، وذلك مثل ما ورد في سفر الخروج وسفر العدد وإليك نص سفر الخروج «احفظ ما أنا موصيك اليوم ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين احترز من أن تقطع عهدا مع سكان الأرض التي انت آت إليها. لئلا يصيروا فخا في وسطك بل تهدمون مذابحهم وتكسرون انصابهم وتقطعون سواريهم فإنك لا تسجد لإله آخر لأن الرب اسمه غيور إله غيور هو احترز من أن تقطع عهدا مع سكان الأرض…”.

وبالتالي يكون اليهود في حِلٍّ دینيا إذا نقضوا أي عهد ومیثاق بشأن أرض الميعاد في زعمهم.!

وإن العرب الذي ينشدون التعايش السلمي مع اليهود في أرض الميعاد قوم واهمون لأن اليهود لن يوافقوا وإذا وافقوا يوما فسينقضون عهودهم في كل مرة وهم لا يتّقون. والواقع خير شاهد.!

ففي كل غزو ونهب للآخرين لا يتورعون أن يأتوا بنصوص من العهد القديم تبرر جرائمهم؛ ففي عام ۱۹۸۲م عندما شنَّ العدو الإسرائيلي عدوانه على لبنان وارتكب العديد من المذابح ودبر العديد من المجازر وقتل الآمنين وروّعهم وشرّد الكثيرين منهم.. وقف قسُّ بروتستاني في الولايات المتحدة ليقول وهو يرد على أسئلة المشاهدين للبث التلفزيوني الذي تديره وتشرف عليه کنیسته حول هذا الغزو وهذه المذابح والمجازر: «إن التوراة قد تنبأت بذلك وعلى كل مؤمن بالعهد القديم أن يتجنب التفكير في الدماء على حساب عقيدته في صدق العهد القديم»..

وقال حاخام يهودي برتبة نقيب: «علينا ألا ننسى أجزاء التوراة التي تبرر هذه الحرب فنحن نؤدي واجبنا الديني بتواجدنا هنا فالنص المكتوب يفرض علينا واجبا دينيا هو أن نغزو أرض الميعاد”.

 

وقد تضطرهم الظروف إلى المهادنة والمهاودة ولكن ذلك لن يكون إلا مؤقتا ثم يعودون إلى العمل للسير في تنفيذ خططهم ومطامعهم كما فعل الإسرائيليون القدماء لأن ذلك مبرر حركتهم، وهذا فضلا عن كونهم على كل حال معتدين يجب رد عدوانهم ، ويتظاهر بعضهم بالاعتدال ويسميهم الناس حمائم إزاء فريق يسمى بالصقور، لأنه متشدد ، وهذا في الحقيقة خداع ولا معنى له ما دام الفريقان متمسكين بالبقاء في أرض العرب وقيام دولتهم المجرمة على أنقاض العرب.

والواقع أنه أبدا مَا كاَن الصراعُ بَيننَا وَبَينهم صراعًا قوميًا ولنْ يَكُون ؛ فَهُم مَا حرّكَتْهُم إلَّا نصوصُهُم الدينية المَزْعُومة؛ وحتىٰ فِي اعْتِــدَاءاتِهم عَلىٰ العَربِ المُسْلِّمِين ؛ نجِدُ لذَلِكَ سَندًا فِي (سِفر يشوع)؛ حيثُ يَأمُرهُم بإبــادَةِ الكنـعَانِّيين!!. كما أشرنا في صدر المقال.

– قد كانتْ نُصوصُ ( العَهْدِ القَديم ) هِي المُحرّكُ والدافِعُ للسَّاسةِ للهَرولةِ خَلفَ حقهِم المزعُومِ ؛ يَقول { حاييم وايزمان } : [إنّ مَبنَى حَقِّ اليــهود فِي فَلسْــطين إنما هُو وَعدُ اللّٰهِ بأرْضِ إسْرَائِيــل]

ويقول { ابن غوريون } : [إنَّ الصهيـونية الحَقيقية لمْ تَبْدَأ بهــرتزل ولا بمُؤتَمـر بال ولا بوعـدِ بِلفــور ولا بقـراراتِ الأممِ المُتحِدَة ١٩٤٨م . ولكْنها بَدأتْ يَوم وَعدَ ٱللّٰه أبَانَا إبْراهِيم وعدَه].

وقالتْ { جولـدا مائيــر } : [ وُجِدَ هَذا البلد تنفِيذًا لوَعْدِ الربِّ ذاتِه ولهَذا لا يَصِح أنْ نَسْأله إيِضاحًا عن شرعية هَذا الوجود ]

ويقول { مناحـم بيــجن } فِي أوسلو ١٩٧٨ : [ لقدْ وعدنَا هَذه الأرْضَ ولنا الحقُّ فِيها ]

وَفِي تَصريحٍ لـ { موشــي ديــان } عام ١٩٦٧ يقول : [ إذا كُنا نَملِكُ التَّــوراة وكنّا نعتبر أنفُسَنَا شعبَ التَّــوراة فعلينا أنْ نَملك أرْضَ التَّـوراة بِلاد القضاة أرضَ أورشلـيم {القــدس} وحبـرون {الخليل} وأماكنَ أُخرىٰ].!

– والمتنطِعون أذنابُ الصهــاينة يزيدون القضية تمييعا حين يريدون أن يَخدَعُونا بأنّ العَالمَ الغَربي يَتحَركُ مِن مُنطلق فكرٍ علمَــاني بعيدٍ كلِّ البعدِ عَن العَقيدةِ الدينية !!

يريدون أن تنقطع صلتُنا بالقدس؛ فالأمر لا يعنيك مالمْ تَكُن حامِلًا للجنسية الفلســطينية – في زعمهم – وبالتَّالي يقف الفَلسـطِينيون – وهم الشعبُ الأعْزَل- منفردًا فِي مهبِ النّار ، وحتى التعاطُف معهم لم يتركوه لنا ، وقدْ سمعنا نباحَ أذنابِهم الســفلة { الفلســطينيون قد باعوا أرضَهم فلا شأن لنا بهم} .

نريد أن ننشئ أجيالنا على مبدأ أن القدس عقيدةٌ وليستْ مجرد قطعةَ أرضٍ أو جوازِ سفرٍ !!

وكلٌّ في موقعه يقوم بدوره.. دبلوماسيا كان أو ثقافيا أو تعليميا أو إعلاميا…الخ.

والحقيقة التاريخية المطلقة تقول: إن بني إسرائيل لم يكن لهم عيش هنيء في فلسطين على مر العصور بل كان تاريخهم أشبه بنكبات متلاحقة عليهم وهذا يُبطِل الزعمَ بامتلاكهم لأرض الميعاد التي يدّعون أن الرب وعدهم بها.

كما أن اليهود لا يستحقون أي رحمة من الرب لردتهم على أعقابهم وانحرافهم الخلقي الذي سجله کتابهم عليهم. وقد ذكرنا طرفا يسيرا منه قبل سطور قليلة.

وبالتالي لا يستحقون أي وعد بالفوز والغنيمة وامتلاك الأرض، وما سجله العهد القديم من وعود بالأرض ما هي إلا أسطورة شأنهم في ذلك شأن جميع الممالك القديمة التي كانت تُمنّي نفسها بوعود وردية أشبه بأحلام اليقظة.

إن الوعد بالأرض لليهود ليس حقيقة دينية بل مغالطة تاريخية، فالأرض كما أخبر القرآن على لسان نبي الله موسى عليه السلام: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)).

ونلخص ما سبق في النقاط التالية:

أولا/ الذي وضع أساس بناء بيت المقدس هو سيدنا آدم، ثم جدده بعد ذلك سيدنا يعقوب، ثم جدده سيدنا سليمان مرة أخرى تجديدا كاملا..

ثانيا/ لعلك لاحظت – أيها القارئ الكريم – أن سيدنا سليمان جدده.. لا أنشأه من العدم.. بمعنى أنه كان موجودا قبل سيدنا سليمان كما قررنا سلفا.

ثالثا/ سيدنا سليمان لما توفي سنة 931 قبل الميلاد تقريبا، انقسم أولاده من بعده إلى فريقين واختلفوا فيما بينهم، فأنشأوا مملكتين:

المملكة الأولى: مملكة “إسرائيل” في الشمال، وكان مَلكُها يُدعَى “يربعام” وقد بايعه عشرة أسباط من أسباط بني إسرائيل.

المملكة الثانية: مملكة “يهوذا” في الجنوب وكان ملكها يُدعَى “رحبعام” وقد بايعه سبطان فقط من أسباط بني إسرائيل.

رابعا/ مملكة الشمال سقطت سنة 721 قبل الميلاد، ومملكة الجنوب سقطت على يد القائد البابلي “نبوخذ نصر” سنة 586 قبل الميلاد.. ومن وقتها لم تقم لهم دولة إلا في سنة 1948 إلى الآن يعني آخر سبعين سنة فقط.

خامسا/ نستنتج مما سبق أن كل عمر حُكم اليهود في فلسطين أو أجزاء منها لا يتجاوز 415 سنة تقريبا على فترات متفرقة.. قضوها أذلاء منبوذين وكان ديدنهم الغدر والدماء، بينما الوجود العربي فيها هو من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد على يد العرب اليبوسيين.

يعني الحكم اليهودي لهذه المنطقة كان أربعة قرون في مقابل الوجود العربي فيها الذي يبلغ عمره 56 قرنا من الزمان.. من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد إضافة إلى ألفي سنة بعد الميلاد حتى اليوم.

فالعرب كانوا موجودين فيها قبل قيام المملكتين وبعد فناء المملكتين.. العرب هم السكان الأصليون الذين استوطنوا بيت المقدس وعمروه وبنوه.

سادسا/ لابد من نشر الوعي وزيادة الجرعات التثقيفية بين الأجيال الناشئة حتى لا تضيع معالم الحقائق، والإنسان بالطبع عدوُّ ما يجهل.!

نعم.. فالقدس أولى القبلتين.. نغار عليه كما نغار على كعبتنا وقبلتنا الثانية، وهو ثالث الحرمين، ونهاية مسرَى رسول الله وبداية معراجه، وقد بارك الله فيه وبه وحوله، وجعله محطَّ أنواره وتنزُّل أسراره حتى اجتمع فيه رسول الله حقيقة ويقظة بجميع الأنبياء قبله وصلى بهم فيه إماما..

وكأني بالأقصى ينادي:

أنا المسجد الأقصى ومَهدُ الرسالاتِ *** أنا القبلة الأولى وبيت النبواتِ

لقد بارك الرحمن حولي بآيِهِ *** فهل صنتمُ وحيي وسرتم بآياتي

فيا أمتي إن لم تذودوا وتدفعوا *** فلا كنتمُ أهلا لتلك الرسالاتِ

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. الشيخ مصطفى الحاروني: من نال المحبة لم تفتْهُ حبة