الإثنين , يونيو 14 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..تنظيم النسل بين تعليمات الشرع وتحديات الواقع

د. أحمد البصيلي يكتب..تنظيم النسل بين تعليمات الشرع وتحديات الواقع

تنظيم النسل إما أن يكون علاجا لحالات فردية أو يكون بمثابة سياسة عامة، وهو أيضا إما أن يكون اختياريا أو قسريا، ثم إنه قد يكون بمعنى منع الحمل نهائيا (التعقيم) أو مؤقتا (كالمباعدة بين المواليد).. وبعد ذلك قد يكون لأسباب صحية أو اقتصادية أو اجتماعية.. ولكلٍّ وسائله وحُكمُه وأثرُه وتوصيفه..

والحق أن العقل والشرع يقرران ضرورة الأخذ بالأسباب، والنظر بعين الاعتبار إلى ما لدى الإنسان من إمكانات مادية ومعنوية قبل الشروع في إنجاب أطفال كثيرين قد يعجز عن إيجاد الوسائل التي تكفل له الوفاء باحتياجات هؤلاء الأطفال، وبذلك يكون قد ظلم نفسه وظلم أطفاله وظلم المجتمع الذي يعيش فيه.

أما عن وسائل تنظيم النسل وتحديده فهي عديدة، ويختلف حكمها باختلاف أثرها وجوهرها، فما كان منها مفضيا إلى التعطيل الدائم للإنجاب فهو حرام قولا واحدا؛ لأنه مصادرة لحرية الزوجين في الإنجاب، وعدوان على النوع البشري الذي أراد الله له النمو والتكاثر بضوابط معينة وكيفيات مصونة متقنة؛ من أجل تلبية الأهداف العليا والغايات العظمى لمهمة الاستخلاف في هذا الكون..

وما كان من هذه الوسائل مفضيا إلى التنظيم لأسباب معتبرة، فهو مباح بل مطلوب شرعا؛ لأنه إحدى الطرق المتّبعة للمباعدة من المواليد، إمّا لأسباب صحية، أو لمنح الأم القدر الكافي من الراحة، أو لإعطاء الأطفال حقهم في الرعاية، والاهتمام، والتربية، إضافةً إلى الرغبة في تنظيم الأسرة بما يتناسب ودخل الوالدين، علماً بأن هذا التنظيم يؤثر بشكلٍ عام على المجتمعات، وتقدّمها الحضاري، كما يعكس نسبة تطوّرها الثقافي ووعيها العام..

والعبرة عندنا في الإسلام بالكيف لا بالكَمّ.. وسيدنا رسول الله الذي قال: “تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة”، هو نفسه الذي قال صلوات الله عليه وآله: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.! قالوا: أوَمِن قلة نحن يومئذ يارسول الله؟! قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل..”.

إن الكثرة المقصودة من كلام سيدنا رسول الله هي الكثرة القوية المنتجة التي تملك كلمتها وأمرها، وطعامها ودوائها وكسائها، أما إن انحرفت عن ذلك فهي كثرة ضعيفة ليست ذات قيمة أو تأثير(غثاء كغثاء السيل )، لا تضر عدوًا ولا تنفع صديقًا.

إن الإسلام يريد نَسلا منتجا لا مستهلكا، مصدّرا لا مستوردا، مُسمِعا لا سامعا، متبوعا لا تابعا، مُعمّرا لا مُدمّرا، يريد نسلا لا يكون عبئا على مجتمعه وأمته والعالم أجمع..

إن فلسفة الإنجاب في الإسلام قائمة على مبدأ: (إن لم أكن عونا لك فلن أكون عونا عليك). نريد نسلا مندرجا في عموم قوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس..”. ومقتضى الخيرية على الأقل أن نتحلى بالمسؤولية في التعامل مع قضية الإنجاب على أنها مشروع حياتي يستلزم دراسة جدوى وإعداد خطط مرحلية لكي يتسنّى لنا الاستثمار في الأولاد كما أراد الله؛ فهو أعظم استثمار في أهمّ مشروع يربط الدنيا بالآخرة ويزاوج بين الغيب والشهادة، كي يكون النشء خير خلف لخير سلف، تفخر به الأرض والسماء، لأننا قد هيئنا له جوا ملائما لتعمير الدنيا ودخول الجنة، في مشهد رائع ورائق ترفرف عليه رايات الرضا من الله.

والحق أن الإسلام دين النظام في كل شيء، وتنظيم الأسرة بالمعنى الذي أشرنا إليه لا يختلف عن تنظيم أمر المعيشة والنفقة بالنسبة لما يصل إلى يد الإنسان من موارد، فالمرء مطالب بأن يوائم بين موارده وبين ما تتطلبه احتياجات أسرته، فإذا زادت أعباء الأسرة وقلت الموارد اختل ميزان حياة الأسرة، وعاشت في ضيق وشدة، والأمر كذلك فيما يتعلق بالدولة التي تتحمل مسؤولية رعاية مواطنيها، فإذا كانت كثرة الإنجاب ستسبب خللًا في ميزان حياة المجتمع نتيجة لزيادة حجم الإنفاق عن حجم الموارد، فإن تنظيم الإنجاب يكون أمرًا حتميًا حتى تستطيع الدولة أن توفر للمواطنين حياة كريمة.

والحق أنه باستقراء آيات القرآن يتضح أنه لم يرد فيه نصٌّ يُحرّم منع الحمل (مؤقتا) أو الإقلال من النسل على سبيل التنظيم..

وبنظرة فاحصة لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتبين ورود وقائع وأحاديث يفيد ظاهرُها جواز المنع المؤقت بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة أو الخاصة، ويظهر ذلك جليًّا من مطالعة أقوال فقهاء المذاهب وكتب السنة الشريفة في شأن جواز العزل – ويقصد به أن يقذف الرجل ماءه خارج مكان التناسل بزوجته-؛ فقد قال الإمام الغزالي وهو شافعي المذهب في كتابه “إحياء علوم الدين” (2/ 52، ط. دار المعرفة، بيروت) وهو بصدد بيان آداب معاشرة النساء ما ملخصه: [إن العلماء اختلفوا في إباحة العزل وكراهته على أربعة مذاهب: فمنهم من أباح مطلقًا بكل حال. ومنهم من حرم العزل بكل حال. وقائل منهم أحل ذلك برضا الزوجة ولا يحل بدون رضاها. وقائل آخر يقول: إن العزل مباحٌ في الإماء دون الحرائر.. ثم قال: إن الصحيح عندنا -يعني مذهب الشافعي- أن ذلك مباحٌ، ثم تحدث عن البواعث المشروعة لإباحة العزل وقال: إنها خمسة، وَعَدَّ منها: استبقاء جمال المرأة وحسن سمتها، واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الولادة، والخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والتخفف من الحاجة إلى التعب، والكسب، وهذا غير منهي عنه؛ لأن قلة الحرج مُعينٌ على الدين] اهـ بتصرف.

ومن هذا يظهر أن الإمام الغزالي يفرق بين منع حدوث الحمل بمنع التلقيح الذي هو النواة الأولى في تكوين الجنين وبين الإجهاض؛ فأباح الأول، وجعل من أسبابه الخوف من الضيق بسبب كثرة الأولاد ومن متاعب كسب العيش لهم، بل إن الإمام الغزالي أباح العزل محافظةً على جمال الزوجة.

وبناء على ذلك نقرر ما يلي:

أولًا: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.

ثانيًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بـ(الإعقام) أو (التعقيم)، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية.

ثالثًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب، بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم.

والخلاصة:

أن هناك فرقا بين التحديد الأبدي الدائم، والتنظيم المرحلي المؤقت..

فالأول حرام لما فيه من مصادرة لحرية الزوجين والعدوان على المجتمع.. والثاني مباح بل مطلوب شرعا.. فالإسلام رخص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت إلى ذلك دواع معقولة وضرورات معتبرة، والتي منها:

الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عرف بتجربة أو إخبار طبيب ثقة؛ لأن الإسلام نهى عن ذلك؛ قال تعالى:(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195). وقال سبحانه:(ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما) النساء (29).

– الخشية في وقوع حرج دنيوي قد يفضي به إلى حرج في دينه فيقبل الحرام، ويرتكب المحظور من أجل الأولاد، قال تعالى:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185).

ومنها أيضا: الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة أو الغيل لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة، لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرا، مع التأكيد على أن ذلك الأمر لا يصل حد الحرمة بحال من الأحوال.

وقد استحدثت في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل ما يحقق المصلحة التي هدف إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حماية الرضيع من الضرر- مع تجنب المفسدة الأخرى- وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة.

وبعد؛؛؛

فإنه بعد مطالعة أقوال الفقهاء ونظريات الاقتصاديين وعلماء الاجتماع إضافة إلى آراء المختصين بصنع القرار في بلادنا.. يبدو واضحًا أن العزل (وما في حكمه) كوسيلةٍ من وسائل منع الحمل جائزٌ، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعزلون عن نسائهم وجواريهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك بَلَغَهُ ولَمْ يَنْهَ عنهُ.

يقول سيدنا جابر بن عبد الله: “كنا نَعْزِلُ على عهدِ رسولِ اللهِ والقرآنُ ينزلُ : وقال : كنا نَعْزِلُ على عهدِ رسولِ اللهِ فبَلغ ذلك رسولَ اللهِ فلم يَنْهَنا. كما رواه الإمام مسلمٌ عن جابرٍ رضي الله عنه، ورواه الإمام البخاري أيضًا، وإذا كان الأمر كذلك فإن جواز تنظيم النسل أمرٌ تدعو إليه نصوص السنة الشريفة؛ قياسًا على جواز العزل في عهد الرسول صلوات الله عليه (وبَلَغَهُ) كما روى الإمام مسلم في “صحيحه”: «وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»، كما رواه الإمام البخاري في “صحيحه” كذلك..

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. شاهد الشيخ ياسر الشرقاوي يبدع في احتفالات مولد السيدة زينب