الأربعاء , أبريل 21 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..بروتوكول التعامل مع سيدنا النبي في حياته وبعد انتقاله

د. أحمد البصيلي يكتب..بروتوكول التعامل مع سيدنا النبي في حياته وبعد انتقاله

 

لم يشأ ربنا سبحانه أن يترك أمر تنظيم التعامل والتواصل مع سيدنا رسول الله موكولا لاجتهادات الأمة أو استنتاجات البشر؛ بل تولَّى الله بنفسه هذا الأمر تعظيما لمقام حبيبه صلى الله على حضرته وآله، وصيانة لمقامه الأفخم من أن يناله أحد بأذى عن قصد أو عن غير قصد، سواء من المؤالفين أم من المخالفين.!

والمتصفح لآيات الذكر الحكيم يدرك لأول وهلة ما قد خص الله به سيدنا محمدا -صلى الله على حضرته وآله- من الأمر الحاسم بعظيم التبجيل والتقديس لذاته، ووافر التقدير والتوقير لمُراده ورغباته، وتمام التسليم لأوامره ونواهيه وتعليماته، وكمال التحلي بالاحترام والأدب في إبداء رأي أو طلب نصيحة أو مشورة أو استفسار من جنابه الشريف..

لقد أكّد الله في مواضع كثيرة في القرآن الكريم على ضرورة الالتزام بآداب معينة حال التواصل والتعامل مع سيدنا رسول صلى الله على حضرته وآله، وربط القرآن الكريم هذه الآداب بأصل الإيمان وحقيقته فضلا عن كماله وتمامه، بمعنى أن وقوع أي خلل في تنفيذ هذه البروتوكولات التي هي عبارة عن تعليمات إلهية مقدسة، أمرٌ ينبئ عن خطر داهم يؤدي إلى إحباط عمل صاحبه، وشرخ كبير في الإيمان لدى كل من يهوّن من هذه الآداب التي أمر الله بمراعاتها في حضرة رسوله صلوات الله عليه وآله.

والأدهى من ذلك عزيزي القارئ أن القرآن يوضح لنا بلا مواربة أن الذي يفتقد الانضباطَ ويتجاوز هذه البروتوكلات في التعامل مع الجناب المحمدي، هو شخص مشكوك في قواه العقلية وقدراته الذهنية، لأن التجاسر على اقتحام الحِمَى الأقدس أمرٌ منافٍ للعقل فضلا عن الإيمان فضلا عن الأدب.. إنه ذلكم  الحِمَى الذي رعاه الله وأحاطه بسياج المهابة والوقار.!

وأدعوك الآن عزيزي القارئ الكريم إلى هذا المشهد الذي يسطّره القرآن بكل براعة وروعة في بدايات سورة الحُجُرات عن ذمّ الله تعالى وتوبيخه أولئك الذين ينادون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، من خارج حُجُرات (بيوت) نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، فقال الله مرشدا لهم إلى ما هو الخير والأفضل: {إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”. أي إن الذين ينادونك أيها النبي من بعيد، من وراء بيوت نسائك، وهم جفاة بني تميم، أكثرهم جهال، لا يعقلون الأصول والآداب الاجتماعية، ولا يقدّرون ما يجب لك من الاحترام والتعظيم. وقوله: {أَكْثَرُهُمْ} يراد به في أكثر أحوالهم لا يعقلون أو أكثرهم لا كلهم لا يعقلون.

أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: جاء ناس من العرب إلى حُجَر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ} الآية.

وليتهم لو صبروا حتى تخرج إليهم كالمعتاد، لكان لهم في ذلك الخير والمصلحة في الدنيا والآخرة، لما فيه من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، ورعاية قدره الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والاحترام.

ومع أن هذه السورة الكريمة (الحُجُرات) بها من التعاليم الإلهية والآداب الاجتماعية الكثير والكثير، إلا أن الله اختار لها هذا الاسم (الحُجُرات)؛ لينبهنا إلى أن التحلي بكمال الأدب مع حضرة سيدنا محمد هو أصل الانضباط والالتزام بكل الأوامر والنواهي، بل هو أصل الإيمان وحقيقة اليقين، ولا يُتصوَّرُ اتّباعٌ بلا أدب، كما لا تصح طاعة بلا محبة صادقة، ولا يكون التأسِّي بسنته إلا بكمال التأدب مع جنابه الشريف، وهذا هو الحد الأدنى من صدق محبته والتعلق بحضرته.

ولو رجعنا خطوة يسيرة إلى الوراء لنشاهد هذا المشهد الرائع الذي افتتح الله به سورة الحجرات، سنجد مفتَتَح السورة يُلزمنا إلزاما لا مناص منه بجملة من الآداب بشأن “مستوى الصوت” الذي يليق بمخاطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن مجرد رفع الصوت في حضرة رسول الله سبب مباشر وكافٍ لإحباط صحيح العمل وارتكاب قبيح الزلل، اقرأ معي أيها القارئ الكريم بداية السورة، قال الله تعالى: “{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ”.

روى البخاري والترمذي وغيرهما في سبب نزول هذه الآيات: أنه لما قدم وفد بني تميم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أمّرت الأقرع بن حابس، وقال عمر رضي الله عنه:
يا رسول الله، بل أمّر القعقاع بن معبد، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية في ذلك.

وأكّد الله تعالى الأدب السابق بغض الصوت، فيا أيها المؤمنون، إذا خاطبتم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، لأن ذلك يدل على ترك الاحترام والأدب، وخاطبوه بالسكينة والوقار والصوت الهادئ، خلافا لعادتكم مع بعضكم برفع الصوت، والجهر غير المعتاد بالقول، ولا تقولوا: يا محمد، ويا أحمد، ولكن: يا نبي الله، أو يا رسول الله، توقيرا له، واحتراما لرسالته، نهاكم الله عن رفع الصوت المزعج، خشية أن يذهب ثواب أعمالكم، أو وقوعكم في الكفر، من حيث لا تشعرون بذلك.

أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: {لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ} الآية.

ثم رغب القرآن في خفض الصوت، فقال الله تعالى: إن الذين يخفضون أصواتهم أثناء مكالمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو في مجالسه، أخلص الله قلوبهم للتقوى، وجعلها أهلا ومحلا لها، أو اختبرها وطهّرها كما يمتحن الذهب بالنار، فيسّرها وهيأها للتقوى، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم على تأدبهم بخفض الصوت عند مخاطبنهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد نزلت- كما أخرج ابن جرير- في ثابت بن قيس الذي آلى على نفسه ألا يرفع صوته أبدا على صوت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم.

وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ} تألّى (حلَفَ) أبو بكر ألا يكلم رسول الله إلا كأخي السرار (أي كصاحب السر) فأنزل الله تعالى في أبي بكر: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ}.

وإليك مشهد آخر – عزيزي القارئ – من ختام سورة النور، وقد بيّن فيه ربنا سبحانه أن من جملة الآداب التي يجب التحلي بها مع رسول الله – حتى في حالة الطوارئ – أنه يجب الاستئذان منه – عليه الصلاة والسلام – قبل الانصراف من موقع العمل مهما كانت التحديات والتهديدات.

وقد نزلت هذه الآيات أثناء حفر الخندق حول المدينة المنورة، بجهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتعاون أصحابه، فكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لابد منها، يذكر ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، ويستأذنه بكل أدب وتحضُّر في اللحوق لحاجته، فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ “.

أما نزول آية: {لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ}، فهي تحتّم علينا أدبا بروتوكوليا آخر، وهو ألا ننادي رسول الله أو نذكره – غيابيا أو حضوريا – باسمه مجردا، بل لابد من توقيره وتقديره بأن نناديه برتبتي الرسالة والنبوة، أو بما قد خصه الله به من صفات ومقامات، نعم.. لقد نزلت هذه الآية حينما كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله: {لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله؛ تعظيما لرسول الله صلى الله على حضرته وآله.!

لقد تضمنت هذه الآيات الكريمة ثلاث آداب إلزامية اجتماعية مع رسول الله صلوات الله عليه وآله – وهي:

أولا- استئذان النبي عند الخروج: إنما المؤمنون كاملوا الإيمان إذا كانوا مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر اجتماعي ذي مصلحة عامة، كصلاة جمعة أو جماعة أو عيد، أو مشاركة في قتال عدو، أو تشاور في أمر خطير، فعليهم استئذان النبي، حين انصرافهم من مجلسه كالاستئذان عند الدخول، فأولئك المستأذنون هم المصدقون حقا بالله ورسوله، فأدب الإسلام اللازم في ذلك ألا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه.

فإذا استأذنوك لبعض شؤونهم أو مهامهم، فأذن لمن تشاء منهم، على وفق الحكمة والمصلحة، فقد استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له.

ثانيا- أدب الخطاب مع النبي: أيها المؤمنون لا تدعوا رسول الله في خطابه باسمه بأن تقولوا: يا محمد، يا ابن عبد الله، ولكن عظمّوه، وقولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع التوقير والتعظيم، والصوت المنخفض والتواضع، فإن الله تعالى يعلم يقينا- وقد في الآية: للتحقيق- أولئك الذين يتسللون من المسجد أو غيره، أي يخرجون خفية، واحدا بعد الآخر، دون استئذان من النبي، يتستر بعضهم ببعض أو بشيء آخر، لأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وسبب ذلك أنه إذا استأذن مسلم للخروج، قام المنافق إلى جنبه يستتر به، فأنزل الله الآية.

ثالثا- التحذير من المخالفة: ليحذر أو لِيخْشَ من خالف شريعة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم باطنا وظاهرا، وليحذر كل إنسان مخالفة أمر الرسول وطاعته، فمن خالف أمر الله ورسوله، تعرض لعذاب الله ونقمته، وهذا عام لكل مخالف.

وهذه البروتوكولات الإلهية التي أحاط الله بها الذات المحمدية حال التعامل أو التواصل أو ذكر الجناب المحمدي، هي مستمرة في حياته الدنيوية الشريفة، وبعد انتقاله أيضا، فهناك من الآداب والتكليفات الكثير والكثير مما أمرنا به الشرع الحنيف تجاه سيدنا رسول الله وهو في برزخه المُنِيف.. ومن ذلك زيارة مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تستلزم جملة من الآداب لا ينبغي للمؤمن أن يتجاوزها..

ولعلك تعلم – عزيزي القارئ – أن زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل القربات إلى الله جل جلاله؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، وبها ينال المسلم الشفاعة حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تُعْمِلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي؛ كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وآله وسلم :«مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رواه الطبراني وغيره، ومن آداب زيارته صلى الله عليه وآله وسلم: الوقوف أمام مقامه الشريف بأدب، ويلتزم بخفض الصوت، ويسلم قائلًا: “السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته”. وليعلم الزائر أن رفع الصوت في حضرته بعد انتقاله، مثل رفع الصوت في حضرته حال حياته الدنيوية.!

ومع أن التوجه للقبلة في الدعاء مستحسن، غير أن المشروع في الدعاء عند زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبالُ مقامه الشريف وجنابه المنيف؛ أدبًا مع حضرته، وإقبالًا على الله بوسيلته؛ لكونه صلى الله عليه وآله وسلم قبلة الخلق إلى الحق، فلا يليق الالتفات عنه ولا التولي عن جهته، والمكان الذي ضم جسده الشريف هو أشرف مكان، فكيف بمن شَرُفَ به المكان والزمان! وهذا فعل أئمة المسلمين سلفًا وخلفًا، عبر الأعصار والأمصار، وعلى ذلك جاءت نصوص الفقهاء من كل المذاهب المتبوعة.

وإن الآية السابق ذكرها والتي أنزلها الله على نبيه صلي الله عليه وسلم في سورة النساء : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ هي آية مطلقة ليس لها مقيد نصي ولا عقلي، فليس هناك ما يقيد معناها بحياة النبي صلي الله عليه وسلم الدنيوية، فهي باقية إلى يوم القيامة، وهي من ضمن المراسم والآداب التي يجب أن نتحلى بها إلى يوم القيامة، ولا نحرم أنفسنا من عطاءاتها، فالعبرة بالقرآن دائمًا بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب، ومن زعم تخصيص تلك الآية بحياته صلي الله عليه وسلم أو تخصيصها به فعليه أن يأتي بالدليل، فالإطلاق لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه الأصل والتقييد هو الذي يحتاج للدليل.

وهذا ما فهمه المفسرون، بل أكثر المفسرين التزامًا بالأثر كالحافظ ابن كثير رحمه الله، فقد ذكر الآية وعقب عليها بقوله : «وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر الصباغ في كتابه الشامل هذه القصة المشهورة عن العتبي قال : « كنت جالسًا عند روضة النبي صلي الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي ثم أخذ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجود والكرم

أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته *** على الصراط اذا ما زلت القدم

وصاحباك فلا أنسهما أبدا *** مني السلام عليكم ما جرى القلم

ثم انصرف الأعرابي، قال فغلبتني عيني فرأيت النبي صلي الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عُتبي الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له. وروى القصة كذلك البيهقي.

وهذا لا يعني أننا نستدل بالرؤيا، ولكننا نستدل بعدم اعتراض الإمام ابن كثير على القصة التي ساقها عند تفسيره تلك الآية، وما ذكره من إقرار العتبي للأعرابي في فعله وعدم الإنكار عليه بطلب الاستغفار من النبي صلي الله عليه وسلم بعد انتقاله الشريف صلي الله عليه وسلم.

وجميع المذاهب الفقهية يستحبون قراءة تلك الآية عند الروضة الشريفة، ويعتقدون أنها باقية، وهو ما عليه أمة الإسلام سلفًا وخلفًا، على أن من جملة آداب زيارة مقام النبي صلي الله عليه وسلم أن يقف الزائر عند رأسه الشريف صلي الله عليه وسلم، ما استطاع إلى ذلك سبيلا ويقول : اللهم إنك قلت وقولك الحق ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ﴾.

ولا عبرة لمن شذ عن ذلك الفهم، فاستغفار النبي صلي الله عليه وسلم بعد وفاته لا يمنعه عقل ولا نقل، وقد صح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : «حياتي خير لكم تُحْدِثون ويُحْدَثُ لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالُكم فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شر استغفرت لكم “.

وهكذا أيها القارئ الكريم كلما تعمّقتَ في مدلولات نصوص الوحي بجناحية القرآن والسنة ازددت يقينا بأن الإسلام قد اهتم بكل حزم وحسم بهذه الآداب أو إن شئت قُلتَ: المراسم أو البروتوكلات، التي أوجبها ربنا على كل من يتعامل مع الجناب المحمدي أو يتواصل معه أو يذكره.

وما ذُكِرَ في هذا المقال غيض من فيض وقطرة من بحر، ولعلنا نكمل ما بدأناه هنا في مقالات قادمة بإذن الله.

نسأل الله أن يجمِّلَنا بكمال الأدب مع حبيبه، وأن يحققنا بصدق الانتساب إليه ظاهرا وباطنا، سرًّا ومعنى.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة..الشيخ هشام الكامل يجيب: هل تعلم الفرق بين العلم اللدني والعلم المكتسب؟