الإثنين , مارس 1 2021
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..جائحة كورونا محنة أم منحة؟

د. أحمد البصيلي يكتب..جائحة كورونا محنة أم منحة؟

لعلك أيها القارئ الكريم قد قُسِمَ لك نصيبٌ من القلق الذي يعانيه عالَمنا في هذه الأيام جراء هذا الوباء الذي صار كالجراد المنتشر (فيروس كورونا)، ولا عجب من ذلك.. فهو وباء استُنفرت لأجله وزارات الصحة في العالم، و‏أُغلقت بسببه مدارس وجامعات، وعُطلت مصالح، و‏هزَّ اقتصاد العالم، إن هذا الفيروس مخلوق لا يُرى بالعين المجردة، إنه يركب الطائرات بلا تذاكر، ويتجاوز نقاط التفتيش بلا تحايل، ويدخل الدول بلا جوازات، ويعبر القارات مع شدة التدابير والاحترازات، ، فما أضعف الإنسان أمام قدرة الله! ‏﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]، ذلك ليعلم العالم أن أمر الله نافذ، وأنه على كل شيء قدير؛ ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]. وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر.!

وفي التاريخ الإسلامي توفى عديد من الصحابة والتابعين بالطاعون، شهداء، ومن أشهرهم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، حيث أصيبوا في طاعون عمواس الذي ضرب الشام أثناء خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وإزاء هذا العناء لا بد من توضيح الرؤية الإسلامية في التعامل معه؛ فالإسلام دين شامل ينتظم كل مناحي الحياة، كما أنه جاء بمقاصد كلية في مقدمتها حفظ النفس. ومن شمولية الإسلام أنه وضع منهجا للتعامل مع الجوائح والأوبئة والأمراض خاصة المعدية؛ حفظا للنفس من الهلاك والموت، وهذا المنهج قد تكلمنا عنه بشيء من التفصيل في مقال سابق عندما داهمتنا هذه الجائحة في موجتها الأولى، إلا أنني في هذا المقال – وقد داهمَتْنا بموجتها الثانية – أود أن أشير إلى مَلحَظٍ مهم وهو أن الإسلام الحنيف يأمرنا بأن ننظر بعين الجمال لكل أقدار الله في الكون وفي أنفسنا، ومن ضمن هذه النظرة أنه يتحتم علينا أن نستصحب في أذهاننا وتطبيقاتنا الحياتية ما قد أمر به الإسلام من إجراءات عادية وتعبدية يلتزم بها المسلم على مدار الساعة من شؤون النظافة والطهارة؛ بحيث يكون المسلم في مأمن من وصول المرض إليه. مثل: النظافة في البدن والثياب والأماكن، فإن “الطهور شطر الإيمان”، وكذلك الاهتمام بسنن الفطرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: “خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وقلم الظفر، ونتف الآباط”، وأيضا النظافة في العلاقات الجنسية؛ فلقد حرم الإسلام الزنا واللواط اللذين هما سبب كثير من الأمراض (مثل الإيدز)، وحتى في دائرة الحلال جعل هناك ضوابط في العلاقة الزوجية بمن يضمن سلامة الزوجين؛ فنهى عن إتيان المرأة في دبرها وكذلك إتيانها في وقت المحيض. إضافة إلى ضرورة تحري الحلال في الأطعمة والأشربة، ودائرة الحلال واسعة جدا.. وتدل الأحداث على أن كثيرا من الأمراض خاصة الأمراض الفتاكة –ومنها مرض كورونا هذا- سببها تناول الخبائث من الأطعمة والأشربة، ولا يكفي أن يكون الطعام والشراب حلالا بل وضع الإسلام ضوابط في “التناول” حتى لا يتحول النافع إلى ضار وخطر.. ومن هذه الضوابط: الاقتصاد وعدم الإسراف والتبذير حفاظا على صحة الإنسان والبيئة العامة، وحسن استغلال الموارد على النحو اللائق، قال صلى الله عليه وسلم: “مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الآدَمِي لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ”. هذا بالنسبة لاحترافية الإسلام في التعامل “الوقائي” مع الأوبئة والأمراض المُعدية.

كذلك أيضا من ضمن ما يأمرنا به الإسلام – عزيزي القارئ – أن نستسلم ونرضى تماما عن كل قضاء الله فينا وقدره في كونه، وعليك أن تعلم أيها القارئ الكريم أن الاستسلام لا يعني العجز، والرضا ليس معناه الكسل والدَّعة والخمول، وإنما علينا أن نأخذ بالأسباب – التي هي من قدَر الله – في الوقاية والعلاج، لنحصن أنفسنا أو نعالجها من هذه الجائحة – التي هي من قدَر الله أيضا- ثم إن من ابتُلي بشيء من هذه الجائحة فعليه أن ينظر إلى نعم الله عليه فينظر إلى عزلته في الحجر الصحي على أنها خلوة مع الله، ويتعايش مع مرضه على أنه تكريم من الله لينقيه ويرقيه، ويغتنم وقته – وهو منفرد عن الخلق – في أذكاره وأوراده، وفي محاسبة نفسه ومراجعة أعماله، ويهيئ لنفسه كشفا لجرد حسابه الذي سيلقَى به ربه، فإن الله إذا أحب عبدا وفقه لعمل صالح قبل الموت، فيقبضه عليه، ويختم له بخاتمة السعادة.

إذن.. على الإنسان المسلم المريض بداية أن يرجع أمره كله لله تعالى وإلى قضائه وقدره، ويكون حاله كما قال الرسول –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”؛ فهذا الإيمان واليقين في الله تعالى سيُكسِبُ الإنسانَ قوة روحية وصحة نفسية تعينه على أن يقوى ويتغلب على بلاءه.

والحق أن من أصيب بهذا المرض فهو رابح في كل أحواله دنيا وأخرى، وعليه أن يتيقن من ذلك فهو لن يخسر أبدا بشرط أن يفقه عن الله حق الفقه ليعرف كيف يتعامل، ثم يضبط شعوره الباطني على مراد الله منه، فإصابته رفعة لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته؛ حتى يلقى الله وما به من الذنوب شيء، وأن إصابته تلك إن أدت إلى وفاته كانت سببًا في استشهاده ولحوقه بالشهداء؛ ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعون شهادة لكل مسلم))، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بالمصابين بالأوبئة.

إلا أن هذا المعنى ليس بديلا على الإطلاق عن واجب السلطات الصحية من جهة الحجر الصحي، وإعطاء اللقاحات والقضاء على مسببات المرض والوباء؛ لأن ذلك من جملة الأسباب التي أُمر بها العبد لمدافعة المرض، وكذلك نشر الوعي الصحي المكثف ببيان مسببات المرض، وكيفية تجنبه، وأهم أعراضه لمداواته، وفي الحين نفسه ينبغي أن نقويَ عند الناس جانب التوكل، وتفويض الأمر لله والثقة به جل وعلا تعالى، فيقترن الأمران ببعضهما؛ ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51]

كما أن المسلم ليس من حقه أن يستسرع أو يطلب الموت، وعليه أن يعلم أن طلبه الموت ليس كمالا بل هو نقص وعوَرٌ في شخصيته فوق أنه ينُمُّ عن شعوره بالتسخط على أقدار الله فيه وهذا مؤشر خطير على ضعف الإيمان وزعزعة اليقين..

وعلى من أصيب بهذا الداء أن يعلم أن الأمل في الشفاء فريضة شرعية، وضرورة صحية مرعية، لا ينبغي أن ييأس أو يتكاسل في الأخذ بأسباب الشفاء فلقد حث الإسلام على الأخذ بالأسباب الطبية والعلاجية؛ فجاء الأمر النبوي واضحا بالتداوي في قوله –صلى الله عليه وسلم-: “تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلاّ وضع له دواء غير داء واحد الهرم”، وقال –صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر: ” إن الله لم يخلق داءً إلاّ خلق له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلاّ السام، قالوا: يا رسول الله، وما السام؟ قال: الموت”، وهذا الحديث يعطي أملا للمرضى بأن لكل مرض علاجا ودواء، وأيضا يحفز العلماء والأطباء على السعي لاكتشاف العلاجات المناسبة لكل الأمراض، وأن يحذفوا من أدبياتهم مقولة: “إن هذ المرض ليس له دواء” فالحقيقة أن له دواء لكنه لم يكتشف بعد.

كما أنه لا ينبغي التغافل عن الأدعية المحصنة من الأمراض والوباء خاصة بعد تحذيرات بانتشار فيروس كورونا بأنحاء العالم ، وهذا لا يعنى  عدم الأخذ بالاسباب او التداوى والبحث عن العلاج، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا برفع الوباء عن المدينة المنورة، كما أن التحصن بالرقى والأدعية والأذكار الشرعية من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وآله سلم يكثر من الاستعاذة بالله من ( مِنْ الْبَرَصِ ، وَالْجُنُونِ ، وَالْجُذَامِ ، وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ) رواه أبو داود . فلقد حفلت السنَّة النبوية المطهرة بأحاديث صحيحة كثيرة تحث المسلم على الإتيان بما فيها من أدعية وأذكار من أجل وقاية قائلها من الضرر ، والشرور، وهي شاملة بمعانيها العامَّة للوقاية من الإصابة بالأمراض والأوبئة المختلفة ، ومنها : عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ:(مَنْ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ ) رواه أبو داود والترمذي وصححه.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ  مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ ، قَالَ : ( أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ تَضُرَّكَ ) رواه مسلم. وعن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال : خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ لَنَا ، فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ : ( أَصَلَّيْتُمْ ؟ ) فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، فَقَالَ : ( قُلْ ) ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : ( قُلْ ) ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : ( قُلْ ) ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ ؟ قَالَ :  قُلْ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ). رواه الترمذي وأبو داود.

وختاما نردد مع حبيبنا صلى الله على حضرته وآله هذا الدعاء الذي يقول فيه: ” اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ البرصِ والجنونِ والجذامِ ومن سيِّئِ الأسقامِ”.

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة..د. عمرو الورداني: يا مُصطفَى ولأنتَ سَاكِنُ مُهْجَتي