الإثنين , نوفمبر 30 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..صناعة الأمل وانعكاساتها الدينية والوطنية

د. أحمد البصيلي يكتب..صناعة الأمل وانعكاساتها الدينية والوطنية

من أهم ما يغرسه الإيمان في نفوسنا أنه لا يليق أن ينهزم المؤمن من داخله؛ إذ من الممكن أن يخسر ابن آدم كل شيء وينتصر.. ما دام يحتفظ بهذا الخلق الأصيل “الأمل”، الذي هو وقود الروح المعنوية العالية القوية، والذي به نتجاوز النكبات ونعبُر المشكلات وهي بردا وسلاما علينا؛ مترفعين عن الصغائر وسفاسف الأمور، طامحين إلى المعالي دائما، كما قال حبيبنا عليه الصلاة والسلام: “إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها”.

إن الأمل والإيمان قرناء؛ إذ إن الأخير يستلزم الأوّل، كما أن اليأس والكفر متلازمان؛ فالكفر ظلام في ظلام، واليأس على قمة الطاقات الظلمانية السفلية، والقرآن العظيم يحدثنا عن العلاقة الوثيقة بين الإيمان والأمل قائلا: {‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏} ‏[‏الطلاق‏:‏ 2- 3‏]؛ أي إن الذي يتقي الله يـدفع عنـه المضرة، ويجعل لـه مخرجا من أي كرب أو ضيق، ويجلب له المنفعـة، بما ييسـره له مـن الرزق، والرزق اسم لكل ما يغتَذي به الإنسان، وذلك يعم رزق الدنيا والآخـرة‏ ظاهرا وباطنا.

وقد روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “لو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم”‏‏.

فالأمل له شقّان: الأول: دفع المضرة (يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، والثاني: جلب المَسَرّة (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، والإيمان يتكفل بكليهما.

أما حديث الإسلام عن تلازم اليأس والكفر، فإن القرآن الكريم يبين لنا أن اليأس ليس من نواقض الإيمان فحسب، بل من نواقض ومُضادّات الحياة؛ إذ لا يتصور حياة مع يأس، كما لا يُعقل أن يتمخض اليأس عن حياة، الأمر الذي لخصه القرآن في عبارة راقية ومبدأ مقدس قائلا: إ”ِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”. سورة يوسف، الآية  (87).

إن التحلي بالأمل – عزيزي القارئ – يجعلنا نفكر في الحلول وليس المشكلات، ويجعلنا غير منحصرين أو متقوقعين داخل سراديب الجهل والظلام بل بفضل هذا الخلق نظل دائما لا نمل ولا نكل من كثرة المحاولات التي ننفذ من خلالها إلى عمارة الأرض وتزكية النفس قياما بواجب الاستخلاف ومهمات العبادة وبناء الوطن.

والذي يتحلى بهذا الخلق “الأمل” يحوِّل الهمَّ إلى هِمَّة، والتهديدات إلى فرص للنجاح، والتحديات إلى بدائل للفلاح ودلائل للصلاح والإصلاح، إنه يُصَيِّرُ الآلام آمالا، والأحلامَ واقعا ومآلا.!

إن التخلق بهذا الخلق يجعلنا نجد في كل مشكلة حلا، كما أن انعدامه يجعلنا نبصر في كل حل مشكلة.. إنه ينبهنا إلى شيء مهم ألا وهو توليد الأفكار وليس تبرير الأعذار، وليس الفشل أن يسقط الإنسان وإنما الفشل أن يبقى حيث سقط، كما أن النجاح ليس في اعتلاء القمة وإنما النجاح في أن تستمر وتستقر على القمة التي وصلت إليها ابتغاء مرضات الله لا لغرض أو عَرَض..

ليست البطولة ياعزيزي أن تصعد إلى القمة وإنما في استمرارك وإصرارك عليها، ولن تصل إلى مبتغاك من ذلك إلا بتحديث سلوكياتك وتفعيل ملكاتك واستثمار نعم الله في خدمة الخلق والحق ونشر الفضيلة والخير..

استمسك برقيك وارتقائك ياعزيزي فإن القاع مزدحم، وإياك أن تغتر..؛ إذ إنك لن تكون عالي الهمة إلا بعد التحرر تماما من شهواتك وشبهاتك، وتعلو دائما فوق نزعاتك الفردية ومآربك الشخصية، وذلك بأن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك، تتحكم فيها ولا تغويك، تتصرف فيها ولا سلطان لها عليك.. فإنها لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.. اجعل همتك رضا الله بخدمة خلقه تكن همتك عالية خفاقة في السماء.!

وليس معنى أن تكون عالي الهمة أن تكون معصوما، بل من الطبيعي أن تخطئ، لكن الفرق بينك وبين غيرك: أنه يتصور الخطأ إحباطا وفشلا، أما أنت فتعتبره محاولة للوصول إلى الصواب.. غيرك يتفلسف إذا أخطأ وأنت تتأسف وتتخذ من خطئك وقودا للسير في طريق الوصول إلى الصواب بألا تعود إلى ما أخفقت فيه.. فلا تقل فشلتُ، وإنما قل: عرفت أن هذا الطريق لا يوصِّل لمبتغاي فلن أطرقه مرة أخرى؛ صيانة للجهد والوقت.

إن من أهم ما غرسه رسول الله صلوات الله عليه في أصحابه: هو أن يعلو بهمتهم وطموحاتهم وآمالهم فوق تحديات عصرهم، ومشكلات زمانهم، وبث فيهم الأمل بأنهم يستطيعون بإذن الله أن يغيروا وجه العالم، وأن العبرة ليست بالكم ولا العدد ولا العتاد – مع أهمية كل ذلك- لكن الإنسان هو أغلى ما في الوجود، وأنه لو استثمرنا في كل شيء ولم نستثمر في الإنسان كانت مجهوداتنا كهشيم تذروه الرياح..

وأعطي مثالا للقارئ الكريم..

إن الوضع في المدينة المنورة مثلا – بعد الهجرة – كان معقدا للغاية؛ حيث:

  • كان بها وباء (عدوى)..
  • وكان المهاجرون ضعفاء ماديا، إلى جانب اختلاف مجالات وفرص العمل بين المجتمع المدني والمكي.. فالمكيون المهاجرون تجار.. والغالب على أهل المدينة الزراعة وليس التجارة.. فهنا اختلاف جذري في التخصص، وهذا الاختلاف إما أن يكون هَمَّا، وإما أن يكون هِمَّة.!
  • إلى جانب أن الأنصار أمامهم تحديات وتهديدات الزيادة السكانية وقلة الموارد لابد أن يواجهوها بمضاعفة الاستثمار..
  • وكان كل رأس المال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه: خمسة آلاف درهم.
  • إلى جانب الصراعات القبلية بين قبيلتي الأوس والخزرج..
  • إلى جانب أن المدينة بها أخلاط من يهود ووثنيين ومنافقين.. ثم المسلمين: مهاجرين وأنصار وقبائل.. مما يوفر تربة خصبة لأعداء الوطن أن يستثمروا هذا الواقع الأيدلوجي الجديد في خلق فتن طائفية..!

لك أن تتخيل أيها القارئ الكريم أن هذا المجتمع بعد ثمان سنوات فقط سيقود جزيرة العرب.. وبعد 15 سنة فقط سيكون عمر الفاروق منه قائدا لدولةٍ هي القوة العظمى في هذا الكوكب.

وقد جاءت آيات القرآن الكريم، توجه بني الإنسان إلى التحلي بهذا الخلق، منها، قوله تعالى : ” وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ” [آل عمران:133 .

وربنا سبحانه يقول: ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ”، ويقول: ” وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ”، ويقول: ” وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”.

وقال تعالى : ” فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ” [الأحقاف: 35).
فهذه الآية فيها ثناء على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم… وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم، وجهادهم، ودعوتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، كما أوضحه الله عزَّ وجلَّ في قصص الأنبياء : كنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وجاءت البيانات النبوية ترسخ هذا المفهوم منذ بزوغ فجر الدعوة..

فسيدنا حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ ، يقول : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا : ” يَا حَكِيمُ , إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوٌ خَضِرٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ (بعزة نفس) بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ (بشراهة وإذلال) لَمْ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ” . قَالَ حَكِيمٌ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي يُعِيدُ الْخَلْقَ ، لا أَرْزَأُ (أطلب) أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا . فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا (تعففا وعزا)، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَزَعَمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قَالَ لَهُ : لا تَبِعْ إِذًا فِي سُوقِنَا . فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ : إِذًا تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ . فَزَعَمُوا أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لَهُ يُبَارَكُ لَهُ فِي الصَّفْقَةِ .

وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: ” كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة ، فقال : (ألا تبايعون رسول الله ؟ ) ، وكنا حديث عهد ببيعة ، فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال : ( ألا تبايعون رسول الله ؟) ، فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال: ( ألا تبايعون رسول الله ؟) ، قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك ؟ قال : ( على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، والصلوات الخمس ، وتطيعوا ) وأسر كلمة خفية : ( ولا تسألوا الناس شيئاً ) ، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه “.

وفي هذا المعني حديثُ ثوبان رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ يتكفل  لِي بِوَاحِدَةٍ وأتكفّل لَهُ بِالْجَنَّةِ ؟ ” قَالَ : قُلْتُ : أَنَا. قَالَ : ( لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا ) فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ.!

وسيدنا حكيم بن حزام نفسه يروي لنا هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله”. رواه البخارى ومسلم، واللفظ للبخارى.

وقال صلى الله عليه وسلم: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)) “رواه مسلم((

ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم :”لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا”. رواه البخارى ومسلم.

وبعد؛؛؛

فلقد خلق الله الإنسان وجعله سيدا في هذا الكون وقيّما عليه، لكن يأبى بعض بني الإنسان إلا أن يرفضوا هذه السيادة وذلكم الاستخلاف، فيصيرون عبيدا لشهواتهم وثرواتهم.. ويكفرون بالقيم والإنسانية، ومعطيات الدين، وسنن الواقع، متناسين بذلك أن الله قد خلقهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا، فيكيف يكون المسخر له عبدا لما قد سُخّرَ له؟! هنا الهوان والمهانة وإذلال النفس لغير الله، من هنا يأتي اليأس.. والله يغار عليك حين تذل نفسك لغيره، وتلح على الخلق وتنسى الخالق، كيف.. وقلوب من تريد بيد من تركت؟!

لا تخضعنَّ لمخلوقٍ على طمعٍ *** فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدِّينِ

واسترزقِ اللهَ ممَّا في خزائنِه *** فإنَّ رزقَك بينَ الكافِ والنُّونِ

لن يقدرَ العبدُ أن يعطيَك خَرْدلةً *** إلا بإذنِ الذي سوَّاك مِن طينِ

فلا تصاحبْ غنيًّا تستعزُّ به *** وكن عفيفًا وعظِّمْ حُرمةَ الدِّينِ

واستغن بالله عن دنيا الملوك *** كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..صناعة الأمل وانعكاساتها الدينية والوطنية

من أهم ما يغرسه الإيمان في نفوسنا أنه لا يليق أن ينهزم المؤمن من داخله؛ …