الإثنين , نوفمبر 30 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..قِيَمُ الانتماء بين وفاء المخلصين وجفاء المرجفين

د. أحمد البصيلي يكتب..قِيَمُ الانتماء بين وفاء المخلصين وجفاء المرجفين

 

الانتماء في أبسط تعريفاته – عزيزي القارئ – هو: حاجة الفرد لإقامة علاقات مع آخرين، والشعور بالانتساب لجماعة معينة كالأسرة والأصدقاء والوطن والمذهب وغير ذلك، فالإنسان يشعر بالحاجة إلى الانتماء؛ باعتباره أحد الحاجات النفسية للشخصية الإنسانية على اختلاف الأديان واللغات والأعراق..

وما من شك في أن أقدس أنواع الانتماء هو الانتماء لله على النحو الذي أراده، وهو ما أكد عليه الدين وأيدته الوقائع في السلم والحرب والشدة والرخاء، وهذا ما ألمح إليه الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته حين أصدر أمراً عسكريا قبيل حرب أكتوبر، بأن يتم طبع كُتيّبٍ صغير على قدر الجيب بعنوان : العقيدة الدينية أساس النصر، ويوزع على كل أفراد القوات المسلحة البالغ تعدادها مليون و200 ألف، إبان حرب أكتوبر 1973.. هذا الانتماء الصادق الذي انعكس على الروح المعنوية على عموم الجيش المصري بكل أسلحته وتشكيلاته، وكانت صيحة “الله أكبر” تدوّي في أرض المعركة في ملحمة إيمانية فريدة، قوامها الأخذ بالأسباب، وعنوانها التعلق بالله والتفاني في نصرة الدين ورفعة راية الوطن.

ولعلك تتسائل عزيزي القارئ: هل الانتماء للوطن يتنافى مع الانتماء للدين؟!

وللإجابة على هذا التساؤل، نقول: إن الانتماء إلى الوطن وحبه من صميم دين الإسلام؛ إذ إن تحقيق مصالح الأديان من صميم مقاصد الأديان، وإن أقصى وأقسى عقوبة في الإسلام هي عقوبة من يعبث بأمن المواطنين ومقدرات الأوطان: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”. (سورة المائدة).

وإنك لتجد في القرآن – أيها القارئ الكريم – أن الله قرن بين مشقة قتل الأنفس والخروج من الوطن امتحانًا واختبارًا للمنافقين، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66]، فإقران الله قتل الأنفس والخروج من الديار (الوطن)، يدل على مشقة الخروج من الديار.

يقول أبو حيان في تفسيره: «وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار؛ إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس» [تفسير البحر المحيط: 3/ 696، ط. دار الفكر]، وعاب الله على بني إسرائيل أنهم يقتلون بعضهم بعضًا، ويخرجون فريقًا منهم من ديارهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يُخرجوا من ديارهم أحدًا فقال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85].

ونستطيع بأن نخلص إلى القول بأن وحدتنا الوطنية وانتماءنا لوطننا، دينٌ ندين به لله..

بل يمكننا الجزم بأنه قد يُتصور إقامة وطن بغير دين، بل حَدَثَ ويَحدُث. لكن لا يُتصور أبدا قيام دين بغير وطن؛ إذ إن الدين لابد له من وطن يرعاه ويحميه.!

لقد كان رسول الله -صلى الله عيه وسلم- يحب وطنه وبلده، فقد روى الترمذي عن عبد الله بن عدي بن حمراء -رضي الله عنه- قال: “رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفا على الحزورة -موضع بمكة- فقال: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وروى الترمذي أيضًا عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمكة: “ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك.

فهذان الحديثان يدلان على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب بلده ويحن إليها، والصحابة -رضي الله عنهم- ابتلاهم الله بالبعد عن أوطانهم التي عاشوا وتربوا فيها فأمرهم الله بالهجرة، وهاجروا -رضي الله عنهم-، وتحملوا مشقة الخروج عن الوطن، فكافأهم الله عز وجل بالرضا عنهم وإدخالهم الجنات قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة: 100].

وروى البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وعَك أبو بكر وبلال -رضي الله عنهما-، قالت: فدخلت عليهما، قلت: يا أبت كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك، قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلـة * بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أرِدَنْ يومــا مياه مَجَنَّة * وهل يَبْدُوَنْ لي شامة وطَفيل.

(ومياه مَجَنَّة، وشامة، وطَفيل، مواضع بمكة يشتاق إلى رؤيتها)، ثم قال بلال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، قالت عائشة: فجئت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال: “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة، وعلى هذا دأب العلماء ينسبون أنفسهم إلى أوطانهم وبلادهم التي ولدوا فيها ونشأوا فيها فيقولون: فلان البصري، وفلان المكي، وفلان المدني، والبغدادي، والعراقي ونحو ذلك، وأجمع العلماء على ذلك.

إذن نخلُصُ إلى أن الانتماء إلى الإسلام دينا لا يعارض الانتماء إلى الوطن، ولا يتصور أن يكون هناك تعارض، فالإسلام دائرته أوسع من الوطن، ومن البلد، ومن القرية، بل ومن المذهب التعبدي، يقول تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، فآخى الله المؤمنين بعضهم ببعض فوق دائرة الوطن، فدائرة الإسلام أوسع وأشمل من دائرة الوطن، ولا يوجد تعارض أو تناقض بينهما، فلقد فرض الله التعاون بين المسلمين على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

وأمر الله بالاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق على أي أساس، وعدم التعصب لمذهب، أو بلد، أو جماعة، أو غير ذلك، فالمؤمنون إخوة نتعاون على البر والتقوى، ولا نتعاون على الإثم والعدوان: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159].

وروى أبو داود عن جبير بن مطعم قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم: “ليس منا مَن دعا إلى عَصَبيَّة، وليس منا من قاتل عصبيةً، وليس منا مَن مات على عصبية”. فالحديث دليل على النهي عن التعصب، فالتعصب فُرقة، والوحدة ألفة، وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده – في حجة الوداع – عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وسط أيام التشريق فقال: “أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى أبَلَّغتُ؟ قالوا: بَلَّغ رسول الله.

وعليه؛ فإن دوائر الانتماءات المختلفة لا تعارض بينها، بل تتكامل وتتوافق بالتعاون وعدم التناحر وعدم التعصب.

وإلى هنا عزيزي القارئ لعلك اقتنعت معي بأن الأصل في الانتماء إلى الوطن أنه لا يتنافى مع الإسلام، بل يتكامل ويتوافق بالتعاون وعدم التعصب تحت أخوة المؤمنين بعضهم بعضًا..

وإذا شعرت أيها القارئ الكريم بالتعارض أحيانًا، فعليك حينئذ سؤال أهل العلم؛ ليدلوك على المخرج، حتى تكون في مأمن فكرا وسلوكا.

هذا.. ولقد أثبتت العوائد ودَّلت الوقائع على أن الأمن الفكري هو أساس الأمن القومي لأي بلد.  وأن حب الوطن ليس شعارات وإنما طاقة إيجابية مركوزة في فطرة كل مواطن، تفتقر إلى تفعيلها بانتظام دائم وعقل فاهم. ولن تستطيع أية مؤسسة في الدولة أن تقوم بمهمتها على الوجه الأكمل إذا كانت البلد تعيش حالة من اغتيال الوعي واستلاب الخطاب الديني واختطاف الرأي العام، تحت شعارات مزيفة ودغدغة للمشاعر وإقحام الدين لخدمة أيدلوجيات خاصة وأجندات عميلة.!

وطلب العلم من منابعه المؤسسية الشرعية خيرٌ لهم لو كانوا يفقهون.!

 

 

 

 

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..صناعة الأمل وانعكاساتها الدينية والوطنية

من أهم ما يغرسه الإيمان في نفوسنا أنه لا يليق أن ينهزم المؤمن من داخله؛ …