الجمعة , نوفمبر 27 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..التخطيط أساس النجاح

د.أحمد البصيلي يكتب..التخطيط أساس النجاح

 

لا يتحقق النجاح فى أى عمل مهما كان صغيرا – عزيزي القارئ – إلا إذا اعتمدنا الدراسة والتخطيط أساسا لهذا العمل، وبغير التخطيط والتنظيم قد تهدر الطاقات وتضيع الأوقات دون فائدة، وقد تستطيع القلة المنظمة أن تنجز من الأمور ما تعجز عنه الكثرة التى لم تعتمد على التخطيط والتنظيم.

ويُعَدُّ التخطيط ضرورةً من ضرورات الحياة للإنسان، وذلك بسبب خوفه المستمر من المجهول، والأخطار، والكوارث التي تحدق به؛ لذا حتَّمت عليه الظروف توخي الحيطة والحذر لمواجهة ذلك المجهول، فبدأ يُخطط لنشاطاته المختلفة؛ للتغلُّب على ذلك المجهول وما يتعلق به من متغيرات وتقلبات في ظروف البيئة الطبيعية التي يعيش فيها؛ من تعاقب الليل والنَّهار، وتتابع الفصول الأربعة صيفًا وشتاءً، وربيعًا وخريفًا؛ لذا فالإنسانُ يَهدف بالتخطيط إلى تنظيم شؤون حياته، ولتطويع المستقبل المجهول لأهدافه وأغراضه.

وتتفق معي عزيزي القارئ إذا قلت: إن مشروع إنشاء بيت، أو زراعة بستان، أو إقامة مدرسة أو مستشفى، أو ما شابه ذلك من أعمال بسيطة يحتاج إلى تنظيم وتخطيط من وضع للخرائط، وتوفير الدعم المادى، وتحديد مسئوليات، واختيار منفذين ومشرفين وتسوق مواد، الخ .. ليتم هذا العمل على أفضل صورة وفى وقت مناسب، بتكاليف مناسبة.

حتى النشاط اليومى للفرد، لا يستطيع الفرد أن ينجز مهامه اليومية على أكمل وجه إلا إذا أجاد التخطيط والتنظيم لهذه المهام.

إن التاجر الناصح هو الذي يُعِدُّ دراسة شاملة في بداية صفقته، ويعد كشف حساب في نهايتها؛ ليرى أين مواطن قوته وربحه، وأين مواطن ضعفه وخسارته، هذا في أمر الدنيا.. أما في أمر الآخرة فإننا نحتاج إلى محاسبة للنفس قبل الحساب..

ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أن مما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة سؤاله عن أربع، كما روى الترمذي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه”.

ونظرة تاريخية توضح لنا أيها القارئ الكريم أنَّ العالَم الإسلامي في مُختلف مراحله وعصوره قد شهد أنواعًا كثيرة من التخطيط، اشتمل على جميع عناصر التخطيط الحديثة من حيث الإعداد والتنفيذ، شاملاً جميعَ نشاطات الدولة الإسلامية، وهو تَخطيط لا يَختلف كثيرًا عن التخطيط المعاصر إلاَّ في نواحي قليلة؛ مثل: حجم الخطة، والوسائل والأدوات.

ويعرض القرآن الكريم علينا بعض صور التخطيط ومجالاته وكيفياته بحسب المتاح من إمكانيات كل عصر ومصر؛ فنرى التخطيط العسكري في قوله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)، فإنَّ هذه الآية وبكل وضوح، تأمرنا بنوع من أنواع التخطيط، وهو التخطيط العسكري، وباستطاعتنا أن نستنبط منها عناصر التخطيط كاملة، فالهدف واضح وهو إرهاب العدو، والإمكانيات المتاحة إما بشرية وإما مادية بحسب توافرها.

وكذلك يضرب الله لنا مثلاً آخر لنوعٍ آخر من أنواع التخطيط، وهو التخطيط الاقتصادي، والذي يعتبر من أروع أمثلة التخطيط الاقتصادي في القرآن الكريم، والمتمثل في خطَّة يوسف عليه السلام في مواجهة المَجَاعَة القادِمَة على مِصرْ، يقول الله تعالى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَاً فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ). وذلك عندما رأى ملك مصر الرؤيا في المنام، أراد تفسيراً لها، فاتجهوا إلى يوسف عليه السلام، فقد فَسَّرَ لهم الرؤيا وقال لهم سيأتي سبع سنوات وفيرة، ستحقق الدولة فيها إنتاجاً زراعياً كبيراً، وبعدها سيأتي سبع سنين أخرى عصيبة وشديدة، يَعُم فيها القحط والجفاف، وبعدها سيأتي عام خير وبركة على الناس، بعد سنين القحط والجفاف. وقد دَلَّهم على كيفية التصرف في مثل هذه الظروف الصعبة، بخطته الحكيمة التي وضعها، فقال: أما السبع سنوات المخصبة، فتزرعون فيها دَأَبَاً أي بالعمل الدؤوب، يعني بالجد والاجتهاد، وطلب أن تُخَزَّن المَحَاصِيل في أماكن أمينة، حتى إذا جاءت السنوات العِجَاف، أخذ يُعطي كل إنسان حسب حاجته فقط، ولا زيادة على ذلك، فانْقَضَتْ السِنِينْ السبع، وخرجوا من هذا المأزق بإذن الله ثمَّ بحسن تخطيط وتدبير يوسف عليه السلام. وذلك باستخدام الإمكانيات المتاحة أفضل استخدام، عن طريق ادخار إنتاج سنوات الرخاء السبع لمواجهة سنوات الشدة السبع الأخرى ، انتظاراً لعام الرخاء الذي فيه يغاث الناس بالخيرات والرحمات والبركات، حيث تكثر المحاصيل لدرجة أنهم يبدأون بعصر الثمرات، بعدما كانوا بالكاد يأكلونها.

ونظرة أخرى عزيزي القارئ إلى سيرة سيدنا رسول الله نجده عليه الصلاة والسلام ضرب أروع الأمثلة وأبرعها في تمام حسن التخطيط حسب ما يقتضيه كل مقام سواء في السلم أم الحرب.. فلو تأملنا الفترة السابقة لفتح مكة، حيث صمتت الأفواه وحبست الأنفس، وكأن القلوب باتت لا تنبض، فكانت هناك أعجب عملية تعتيم إعلامي عرفها التاريخ، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل في المجالس عن (هوازن) وطبيعة أرضها وتعداد رجالها وبُعد مسافتها وكيفية الوصول إليها، ليظنَّ الظان بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد غزو هوازن. وفي الأيام القليلة السابقة لخروج الجيش من المدينة تلقاء مكَّة، أمر عليه الصـلاة والسلام بمنع خروج أي إنسان من المدينة، وفَرَضَ عليها الحراسة المشدَّدَة، فكـان الذي يدخل إليها لا يستطيع مغادرتها، بأوامر مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا تتسرب الأخبار إلى مكة، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها)، ثُمَّ خرج عليه الصلاة والسلام من مكة، سالكاً طريق هوازن، حتى إن كان هناك أعين للعدو، ظنوا بأن محمدا عليه السلام  يقصدٌ هوازن بالفعل، وعند مكان معين في الطريق، انحرف النبي إلى مكة، فوصل إلى أطرافها وبدون علم أهلها ، وكانت المفاجئة القاسية لقريش، وكان الفتح العظيم.

ولم يقف التخطيط النبوي عند هذا الحد فحسب، بل كان هناك أنواع أخرى من التخطيط، حيث يرشدنا النبي  إلى التخطيط للمستقبل، حتى ترفرف الرفاهية على الأجيال المقبلة، وأن يعيش أولادنا وأحفادنا برغدٍ ولو بسيط، كي لا يكونوا عالةً على الناس، ويسألون الناس غير الذي لهم. ومن تلك الأحاديث، ذلك الحوار التخطيطي الذي دار بين سعد بن أبي وقاص والنبي عليه الصلاة والسلام، حيث جاء في الحديث أن سعد بن أبي وقاص قال لرسول الله بأنه يريد أن يتصدق فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:  أأتصدق بثلثي مالي ؟ فقال النبي لا، قلت فبالنصف ؟ فقال صلى الله عليه وسلم لا ، قلت فبالثلث ؟ فقال النبي نعم والثلث كثير ، فإنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس . فكان هذا توجيهاً من النبي القائد ، إلى سعد بن أبي وقاص، وإلى كل الأمة من بعده، بأن يحسنوا استخدام وادخار وتوزيع أموالهم، وأن يقوموا باقتطاع مبلغ منه للورثة ، كي يستعينوا فيه على نوائب الدهر، فلا يفقرون ومن ثم يتسولون على الناس، بل يجب أن يكون حالهم كحال الناس العفيفين المتعففين.

وعلى المستوى المخابراتي فقد بينت لنا السيرة النبوية أن رسول الله صلوات الله عليه قدَّم للبشرية نماذج رائعة يستهدون بها في مشروعية وتأسيس الوعي والتخطيط المخابراتي على أتم ما يكون، وقد تجلى هذا المعنى في مواقف كثيرة؛ منها: موقف نعيم بن مسعود في موقعة الخندق وما قام به من مناورات استخباراتية وقوة ناعمة كانت سببا مباشرا مؤثرا في سير ونتائج الحرب.

ومنها: التدابير النبوية في حادثة الهجرة إلى المدينة؛ فبعد بيعة العقبة الثانية أمر الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – صحابته بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا متسللين في الخفاء، وتتابعتْ هجرتهم، حتى لَم يبقَ في مكة إلاَّ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأبو بكر وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – وبعض المستضعفين من المسلمين الذين لم يتمكنوا من الهجرة، ولما علمت قريش بأمر بيعة العقبة، وخَشِيَت من هجرة الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – عقدوا العزمَ على قتله بأيدي شبان من مختلف القبائل؛ ليضيعَ دمُه بين القبائل، لكن الله خَيَّب مقصدهم؛ حيث نزل جبريل إلى الرسول وأخبره بالأمر، وأمره بألاَّ يبيت في فراشه، ولقد وضع الرسول – عليه الصَّلاة والسَّلام – خطةً مُحكمة ومدروسة للهجرة، وتَمَّ تنفيذها بكل دقة.

وتتمثل هذه الخطة في الآتي:

1- اتباع السرية الكاملة؛ حيثُ لَم يَعرف بأمرِ خطةِ الهجرة إلاَّ أبو بكر وعلي بن أبي طالب، ولم يتم إبلاغهما بالخطة إلا قبل تنفيذها مباشرة.

2- نوم علي بن أبي طالب في فراش الرسول – عليه الصَّلاة والسَّلام – وإيهام قريش بأنَّ الرسول لا يزال في فراشه.

3- القيام بالترتيبات اللاَّزمة المشتملة على إعدادِ الراحلتين، واستئجار دليل الطريق، وتكليف أسماء بنت أبي بكر بإحضار الطعام للغار في كل مساء.

4- تضليل المشركين واستبعادهم وجودَ الرسول وصاحبه في الغار، وذلك عن طريق بقاء عبدالله بن أبي بكر معهما في الليل، ومُغادرته الغار في وقتِ السَّحر؛ لإيهام المشركين بأنه يبيت في مكة، كذلك قيام عامر بن فهيرة مولى أبي بكر برعي الغنم قربَ مدخل الغار لمحو آثارهم وآثار إمدادهم بالغذاء والمعلومات.

5- سير قافلة الرسول – عليه الصَّلاة والسَّلام – في طريق اتجاه معاكس تمامًا للطريق المألوف، وهكذا كان الرسول يأخذ بالتخطيط السابق مُعتمدًا على عون الله – سبحانه وتعالى.

وبعد الاستقرار بالمدينة اعتمد رسول الله رؤية واضحة وخططا مدروسة لإقامة الدولة، وحماية وكفاية المواطن، ولكي يبني صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية التي تنطلق منها الدعوة الإسلامية لنشرها في العالم قاطبة، اعتمد – صلوات الله عليه وتسليماته – تنفيذ الخطوات التالية:

1- بناء مسجد قباء.

2- بناء المسجد النبوي.

3- آخى بين المهاجرين والأنصار.

4- وضع دستور المدينة.

5- التخطيط لحرب أعداء المسلمين من المشركين والمنافقين واليهود الذين اتَّفقوا في الهدف، وهو القضاء على الدولة الإسلامية الفتية.

وهكذا نجد أن الرسولَ والقائد محمدًا – صلَّى الله عليه وسلَّم – يكره العشوائية ويحذر منها، ويعتبرها سببا مباشرا في هدم المؤسسات وخراب الوطن، لقد خطط صلى الله عليه وسلم لكل الأمور سابقًا ولم يتعجل، بل جاهَد، وصبر، واحتسب حتى تَحققت الأهداف بطريقة تدريجية، ودون عشوائية.

 

 

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..د. عطية لاشين ووقفة مع قوله سبحانه “ياأيهاالنبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا”