الإثنين , نوفمبر 30 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..حقائق نوارنية حول مولد رسول الإنسانية

د. أحمد البصيلي يكتب..حقائق نوارنية حول مولد رسول الإنسانية

في ليلة شريفة أذن الله فيها أن تتصل الأرض بالسماء، ليغرد العالم العلوي والسفلي ويتعانقا معا احتفاء واحتفالا بذكرى عطرة ومناسبة جليلة وعظيمة، غيرت مسار التاريخ كله، وتحوّلت الأرض بها وكأنها كوكب آخر يسبح في فضاء فضل الله، ترفرف عليه رايات الرضا من الله.. حقا.. لقد أعلن الكون برمّته حالة الطوارئ استقبالا لميلاد سيدنا رسول الله، فتصدع إيوان كسرى، وخمدت نيران فارس التي كانت تعبد من دون الله، وغاضت بحيرة ساوه، وخرج من آمنة (أم النبي) نور أضاء لها قصور بصرى بأرض الشام، وسمعت هاتفا يهتف بها قائلا: “لقد حملتِ بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فأعيذيه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا..

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وأجود الناس صدراً وأصدقهم لهجة، وأكرمهم عشرةً، لقد صدق ملك عمان حينما قال بعد أن التقى به: والله لقد دلني على هذا النبي الأمي، أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد.

يقول أحد كتاب السيرة الغربيين: كان محمد عابداً متحنثاً و قائداً فذاً شيد أمة من الفتات المتناثر، وكان رجل حرب يضع الخطط ويقود الجيوش، وكان أباً عطوفاً، وزوجاً تحققت فيه المودة والرحمة والسكن، وكان صديقاً حميماً، وقريباً كريماً، و جاراً تشغله هموم جيرانه، وحاكماً تملأ نفسه مشاعر محكوميه، يمنحهم من مودته وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل، وتغلغلت في كيانه كله، ورأى الناس الرسول الكريم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها، ورأوها متمثلة فيه، و لم يقرؤها في كتاب جامد بل رأوها في بشر متحرك فتحركت لها نفوسهم، وهفت لها مشاعرهم، وحاولوا أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم كل بقدر ما يطيق، فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل، و كان هادياً ومربياً بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به.

يقول أستاذ جامعي أميركي : لقد أدرك محمد r أهمية الاتحاد وعلو منزلة المجتمع الموحد في بعثته الإسلامية، وبذلك زرع بيديه بذور الاتحاد والمودة في نفوس المسلمين، وسقاها، وتعهدها بالرعاية حتى أعطت ثماراً حلوة المذاق .

ويقول ميلر الكاتب البريطاني المعروف: إن بعض الديانات تهتم بالجوانب الروحية من حياة البشر وليس لديها في تعاليمها أي اهتمام بالأمور السياسية والقانونية والاجتماعية، و لكن محمداً ببعثته وأمانته الإلهية كان نبياً وكان رجل دولة ومقنناً أي واضعاً للقوانين وقد اشتملت شريعته على أحكام وقوانين مدنية وسياسية واجتماعية .

ويقول الكاتب والباحث الغربي ريتين: منذ بزوغ بعثة محمد r وسطوع شمس الإسلام أثبت هذا النبي أن دعوته موجهة للعالمين، وإن هذا الدين المقدس يناسب كل عصر وكل عنصر وكل قومية، و أن أبناء البشر في كل مكان وفي ظل أية حضارة لا غنى لهم عن هذا الدين الذي تنسجم تعاليمه مع الفكر الإنساني .

ويقول المسيو جان الكاتب والعالم السويسري المعاصر: لو أمعنا النظر في أسلوب حياة محمد r  و أخلاقه على الرغم من مرور أربعة عشر قرناً على بعثته لتمكنا من فهم كنه العلاقة التي تشد ملايين الناس في العالم لهذا الرجل العظيم، والتي جعلتهم وتجعلهم يضحون من أجله ومن أجل مبادئه الإسلامية السامية بالغالي والرخيص.

أما الفيلسوف والأديب الروسي تولستوي الذي أعجب بالإسلام وتعاليمه في الزهد و الأخلاق والتصوف فقد انبهر بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وظهر ذلك واضحاً على أعماله فيقول في مقالة له بعنوان: من هو محمد؟ إن محمداً هو مؤسس ورسول، وكان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، و يكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء، وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتي قوة و رجل مثله جدير بالاحترام و الإجلال.

 

ويقول عنه أيضاً: ليس هناك من شك في أن محمداً صلى الله عليه وسلم قدم ببعثته خدمة كبيرة للبشرية فهي فخر وهدى للناس، وهي التي أرست دعائم الصلح والاستقرار والرخاء وفتحت طريق الحضارة والرقي للأجيال، وبدهي أن ما فعله محمد r  عمل عظيم لا يفعله إلا شخص مقتدر ذو عزم رصين، ومثل هذا الشخص وبلا شك يستحق كل إكرام و تقدير و احترام.

وكم هو جميل ما قاله العالم الإيطالي واكستون قال: لو سألني أحدهم فقال: من هو محمد الذي تمدحه كل هذا المديح ؟ لقلت له بكل أدب و احترام: إن هذا الرجل المشهور وإن هذا القائد الذي لا نظير له، وعلاوة على كونه مبعوثاً من الله هو رئيس حكومة إسلامية كانت ملجأ وملاذاً لكل المستضعفين والمسلمين، وحامية لمصالحهم الاجتماعية، فإن محمداً الذي يعد باني ومؤسس تلك الحكومة كان قائداً سياسياً لكل ما لهذه الكلمة من معنى .

ويقول الكاتب الفرنسي كورسيه: عندما نهض محمد بدعوته وقبل وبعد انطلاق بعثته كان شاباً شجاعاً شهماً، يحمل أفكاراً تسمو على ما كان سائداً من أفكار في مجتمعه وقد تمكن محمد صلى الله عيه وسلم بسمو أخلاقه من هداية عرب الجاهلية المتعصبين الذين كانوا يعبدون الأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد، وفي ظل حكومته الديمقراطية الموحدة تمكن من القضاء على كل أشكال الفوضى والاختلاف والاقتتال التي كانت شائعة في جزيرة العرب، وأرسى بدل ذلك أسس الأخلاق الحميدة محولاً المجتمع العربي الجاهلي المتوحش إلى مجتمع راق ومتحضر.

وهذا المؤرخ الأوربي جيمس يقول في مقال تحت عنوان الشخصية الخارقة عن النبي صلى الله عليه وسلم و قد أحدث محمد عليه السلام بشخصيته الخارقة للعادة ثورة في الجزيرة العربية وفي الشرق كله فقد حطم الأصنام بيده، وأقام ديناً خالداً يدعو إلى الإيمان بالله وحده .

.

ويقول الفيلسوف الإفرنسي كارديفو: إن محمداً كان هو النبي الملهم والمؤمن ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها، إن شعور المساواة والإخاء الذي أسسه محمد بين أعضاء الكتلة الإسلامية كان يطبق عملياً حتى على النبي نفسه.

ويقول الفيلسوف البريطاني توماس كاريل وقد خصص من كتابه فصلاً لنبي الإسلام بعنوان البطل في صورة رسول عدّ فيه النبي صلى الله عليه و سلم واحداً من العظماء السبعة الذين أنجبهم التاريخ وقد ردّ هذا المؤلف مزاعم المتعصبين فقال: يزعم المتعصبون أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان، كلا والله لقد كانت في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات المتورد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجاً وإربة و نهياً أفكاراً غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة، والجاه، كيف لا وتلك نفس صامتة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين .

نعم..

فإن جوانب شخصية الرسول -عليه الصلاة والسلام- متعددة تعددًا يجعله منفردًا، ليس عن البشر فحسب، بل حتى عن الرسل، فشخصية الرسول تمثلت فيها كل جوانب الحياة، وما كل رسول كان له مثل هذا، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- كان أبًا، وما كل رسول كان أبًا، وكان زوجًا، وما كل رسول تزوج، وكان رئيس دولة ومؤسسها، وما كل رسول أقام دولة، وكان القائد الأعلى لجيش الإسلام والمحارب الفذ، وما كل رسول حارب، وبعث للإنسانية عامة فشرع لها بأمر الله ما يلزمها في كل جوانب حياتها العقدية والعبادية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية، ولم يبعث رسول قط إلى الإنسانية عامة غيره، وكان المستشار والقاضي والمربي والمعلم والمهذب والعابد والزاهد والصابر والرحيم… إلى آخر صفاته -عليه الصلاة والسلام- التي استوعبت كل جوانب الحياة.

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الأخلاقي الأول؛ قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، حيث إن أبرز سمة في شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتعددة الجوانب أخلاقياته التي لا مثيل لها، وكيف نتصور إنسانية بلا أخلاق !!

إن أخلاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي ميزة شخصيته الكبرى، حتى إنه ليحدد مهمة رسالته بقوله: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”، وأخلاقه كما وصفتها سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- هي القرآن؛ إذ قالت: “كان خلقه القرآن”.

فمن رحمته قوله في الطائف وهو يُؤذى ويُضطهد: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” ومن حلمه كما قالت السيدة  عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما ضرب رسول الله بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي إليه حتى تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله”.

ومن كرمه أنه “ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قط فقال: لا”.

ومن تواضعه أنه كان يجلس على الأرض ويمازح الصغار وهو من هو.

إن العالم لم يعرف ارتفاعًا في الأخلاق في كلياتها وجزئياتها وأبعادها وشمولها كله، كما عرفه في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكما شهد بذلك القرآن العظيم، وأن منتهى آمال أهل الأخلاق أن يقلدوه في خلق واحد من أخلاقه، وهم لا يرتقون بهذا الخلق إلا إلى بعض ما عنده -صلى الله عليه وسلم-.

روى أن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام كان نائما تحت شجرة ـ بعد أن ترك سلاحه فوق أحد أغصانها ـ وإذا بيهودي يلتقط هذا السيف ويجثم علي صدر رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم يدور بينهما الحوار التالي:ـ من يمنعك مني اليوم يا محمد؟

ـ الله.

ـ لكنني سوف أتصرف معك بقوة هذا السلاح.

ـ الله يمنعني منك ومن غيرك.

لم تمض سوي لحظات حتي وقع السيف من يد اليهودى ، في تلك اللحظة التقط

الرسول السيف وجثم علي صدر اليهودي وكرر علي مسامعه الكلمات التي سبق أن

رددها، وقال صلي الله عليه وسلم:

ـ من يمنعني عنك اليوم أيها اليهودي؟

ـ بكل انكسار.. قال: تمنعك أخلاقك.

فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه ينصرف دون أن ينال منه.

تتجلى إنسانيته صلى الله عليه وسلم ـ كذلك ـ فى معاملته مع زوجاته، فإن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها صور مشرقة تدل على خُلقه الكريم عليه الصلاة والسلام في معاملة الناس جميعاً، ولكن سلوكه في بيته ومع أزواجه له دلالته الخاصة على رقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدوته الفذة على مراعاة مشاعر أزواجه واحترام رغباتهن، مادامت لا تخرج عن حدود الشرع وأحكامه.

هذا الكمال الخُلقي من أعظم أدلة نبوته عليه الصلاة والسلام، يشهد الإنسان علو أخلاقه ومعاملته وحسن علاقته بأزواجه عند أول نظرة في سيرته، لم يكن فيه تعاظم وكبرياء الأقوياء بجاههم أو غِناهم، بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقم بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن … وهكذا عاش الرسول صلى الله عليه وسلم عيشة إنسان لا ملاك، تلتصق خطواته بالأرض وقلبه معلق بالسماء، يهفو إلى ما عند الله.

وعن كرمه يروى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال (ما سئل رسول الله  صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا .. وأخرج أحمد عن أنس أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلى أعطاه قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع الرجل إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمد يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة).

نبى ما مثله نبى، وإنسان ما مثله إنسان، هو إنسان العيون، وعين الحياة لكل القلوب .

فاق النبيين فى خلق وفى خلق …. ولم يدانوه فى علم ولا كرم

منزه عن شريك في محاسنه *** فجوهر الحسن فيه غير منقسم

صلّ يارب وسلم على من كشف الدجى بجماله وفاق العلا بكماله وعظمت جميع خصاله، دائما نصلي عليه وآله.

*****************

وكتبه

أحمد البصيلي الأزهري

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..صناعة الأمل وانعكاساتها الدينية والوطنية

من أهم ما يغرسه الإيمان في نفوسنا أنه لا يليق أن ينهزم المؤمن من داخله؛ …