الأحد , أكتوبر 25 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..إتقان العمل فريضة إسلامية وضرورة إنسانية

د. أحمد البصيلي يكتب..إتقان العمل فريضة إسلامية وضرورة إنسانية

 

ظهر في هذا الزمان مصطلح ( الجودة ) الجودة النوعية – الجودة الشاملة، وجعلوا لذلك مقاييس وجوائز، جائزة الجودة النوعية، مؤتمر الجودة الشاملة، وهذه مفاهيم إدارية في الإدارة الحديثة، وهي موجودة في دين الإسلام منذ قديم، والحديث عن الجودة والإتقان أصلاً هو حديث إسلامي، لكن بعض الناس إذا جاء الغرب بشيء فتن به، ويظن أنهم جاؤوا به ولم يسبقهم أحد إلى ذلك، وإن من المفردات التي جاءت في الشريعة في هذه القضية: الإتقان، الإحسان، التجويد، الإحكام، قال الله -سبحانه وتعالى-  : {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}(هود: من الآية1). ومعنى أحكمت : قال السعدي رحمه الله :  أتقنت وأحسنت .

ومجالات الإتقان كثيرة، في العبادات الشعائرية وفي العبادات التعاملية، والإتقان في حد ذاته عبادة من أفضل القربات..

فالإتقان يجب أن يكون في العبادات بأنواعها، فمثلاً في الوضوء يقول النبي -عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ))

((مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ وَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَلْغُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى))

قال تعالى : {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}(البقرة: من الآية43) وهذه الإقامة تتضمن الإتقان والإحسان والإتمام، وكذلك فإن هذا الإتقان يعود على صاحبه بالمنفعة العظيمة، قال مطرف بن عبد الله: شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريبا فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني.

فقال: ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما!

قلت: قد كان ذلك.

قال: تَعملون ولا تَعلمون [ عمل من غير وجود علم يقيني]، ونحن نعلم [عين اليقين]  ولا نستطيع أن نعمل؛ لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها .

وفي موضوع التكفين، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ)) . رواه مسلم . وفي حفر القبر قال -عليه الصلاة والسلام-: ((احْفِرُوا ، وَأَعْمِقُوا ، وَأَحْسِنُوا)) رواه النسائي وهو حديث صحيح .

وفي الصوم، مطلوب الإحسان . وفي التربية ((أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا،)) الحديث رواه البخاري.

وكذلك العلم لا بد فيه من الإتقان، بأي شيء، بمراجعة الحفظ، بالفهم والتدبر فيه، وبالنظر والمطالعة والمذاكرة، وبالعمل به، وبتدريسه والاستعانة بذلك على تثبيته، والإتقان في طلب العلم بالبدء بالأصول والقواعد، قال العلماء: من لم يتقن الأصول؛ حُرم الوصول .

عن أبي عبد الرحمن السّلمي أنه قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله ابن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عشر آياتٍ لم يجاوزوها حتى يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل.

قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً . العلماء الربانيون يتميزون بالإتقان في الحفظ والتطبيق.

قال أبو عيسى الترمذي في سننه : إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان.

أما في قضية حفظ القرآن فإن الإتقان مهم جداً فقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ)) رواه البخاري ومسلم .

إذاً الحذق الإتقان، المهارة، هذا الذي يقرأ دون توقف، متقن للحروف، عارف بالوقوف، مجود على القواعد .

لقد حرص المسلمون على إتقان تجويد كتاب الله تعالى، وإخراج كل صوت من مخرجه، ولما كان بعض الحروف فيها تقارب في المخرج ضبطوها، وبينوا صفاتها، وحفظوها من الطغيان والتطفيف فلم يهملوا تحريكاً ولا تسكيناً ولا تفخيماً ولا ترقيقاً، وضبطوا مقادير المدَّات في التجويد، وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف والصفات، ولذلك صار في علم القرآن وقراءة القرآن مجال عظيم للإتقان، وفيه تفاوت كبير وصار هنالك دقة رواية، وسلامة ضبط وجودة الأداء.

الإتقان في تعلم اللغات

قضية الإتقان هذه وجدناها حتى في تعلم اللغات، وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه رأساَ في هذا الباب، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ زَيْد بْن ثَابِت قال له النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي)). [أَيْ لَا فِي قِرَاءَتِه عليّ وَلَا فِي كِتَابَهِ إلى الآخرين، أخشى أَنْ يُزِيدَوا فِيهِ أَوْ يُنْقِصَوا ِ]

قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ[أَتْقَنْته وأحكمته]. يعني تعلم لغة اليهود.

قال : فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ. رواه الترمذي وأبو داود وهو حديث صحيح.

تعلم زيد بن ثابت الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوماً، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جاء في كتاب “البداية والنهاية” للإمام ابن كثير.

الإتقان في الأعمال الدنيوية:

لقد كانت قضية الإتقان عند المسلمين ليست خاصة بالشعائر التعبدية، ولا بالعلوم الشرعية، وإنما أيضاً في الأعمال الدنيوية، لأن الدين والدنيا يُخدمان بها.

ومن تلك الأعمال: الإتقان في البناء..

ألا ترى فن التشييد والبناء يُخدم به بنيان المساجد، قص الله علينا في كتابه إتقان ذي القرنين في البناء، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً*قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} (الكهف:94-95) .

فأعينوني : استثارهم، نأتي للهدف والنتيجة وهي تحصل بماذا : {أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} (الكهف:93) .

وضع خطة العمل، وما أعطاهم كتالوج ضخم كبير، بل أعطاهم الخطة مفصلة على أجزاء، على مراحل :

{ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) أي: تجميع قطع الحديد، ثم اجعلوا بعضها فوق بعض {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}.ثم جاءت مرحلة { قَالَ انْفُخُوا } وأوقدوا النيران، وهاتوا المنافخ، حتى إذا جعله ناراً لتصهر هذه القطع المنفصلة، فتلتحم وتصير قطعة واحدة. { قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } أي: النحاس المذاب، لتكون سبيكة من الحديد والنحاس غير قابلة للاختراق، فملأ المسافة بين الجبلين بما يشبه الجبل الثالث، وصار سداً منيعاً محكماً ملتصقاً من هذه الجهة  لهذا الجبل، ومن هذه الجهة لهذا الجبل مرتفعاً في علو الجبلين، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ}. وملأ الفراغات، { قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } فما استطاعوا أن يظهروه أي يقفزوا من فوقه من ارتفاعه، { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } من سمكه وإتقانه وإحكامه، وهذه الرحمة من الله، فإذا جاء وعد الله بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان نقبوه وخرجوا، هذا الإتقان في الصنعة بهذه الطريقة العظيمة يدل عليها ذلك البنيان.

وقد تعلمنا من سليمان عليه السلام إتقاناً عجيباً في التصميم والبنيان، في استعمال مواد غير معتادة، وربما لا يستطيع البشر أن يعلموا مثلها حتى الآن، فلما أرادت ملكة سبأ أن تأتي وهؤلاء أهل دنيا كفار، أراد أن يفاجئها بما يبهرها حتى تستلم، وتسلّم فتسلم، غير قضية العرش، صنع سليمان -عليه الصلاة والسلام- بالجن الذين سخرهم الله له والصّناع الحذاق الذين عنده: قصراً من الزجاج، قال تعالى{ قيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ ( هذا القصر كله أرضه وسقفه وجدرانه) مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (النمل:44) .

قال ابن كثير رحمه الله : وذلك أن سليمان، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرًا عظيما من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- في قضية البنيان اهتم بمسألة الإتقان في بناء المسجد النبوي كما جاء في حديث طلق بن علي رضي الله عنه :  جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ عَمَلَهُمْ أَخَذْتُ أُحْذِقُ الْمِسْحَاةَ (أي: المجرفة من الحديد) فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي الْمِسْحَاةَ وَعَمَلِي، فَقَالَ: ((دَعُوا الْحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أَضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ)). رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير . وفي رواية: ((قَرِّبُوا الْيَمَامِيّ مِنْ الطِّينِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُكُمْ لَهُ مَسًّا وَأَشَدُّكُمْ لَهُ سَبْكًا)). إتقان، وفي لفظ لابن حبان : فَقَلَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ أَأَنْقُلُ كَمَا يَنْقُلُونَ ؟ أنا أعمل في نقل الحجارة ؟

فَقَالَ: ((لا وَلَكِنْ اِخْلِطْ لَهُمْ الطِّين فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ)) ” فتح الباري.

وكانت عملية حفر الخندق متقنة لدرجة أن قريش والعرب وغطفان وعشرة آلاف مقاتل ما استطاعوا أن يقتحموا، لقد كانت المدينة ولا زالت محاطة بالحرتين من المشرق والمغرب ومن الجنوب البنيان والبساتين وكان المنفذ الوحيد الذي يمكن للجيش الغازي أن يدخل منه المدينة هو الجهة الشمالية، فحفر الخندق من الشمال، من طرف الحرة الشرقية إلى طرف الحرة الغربية، ووزع الحفر بين المسلمين، فأعطي لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأتموا الحفر في مدة وجيزة، وكان طول الخندق خمسة آلاف ذراع، وعمقه لا يقل عن سبعة أذرع، وعرضه لا يقل عن تسعة، هذا الإتقان للعمل جعل كفار العرب يقفون حائرين عنده، لا يستطيعون اقتحام المدينة، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ}(الأحزاب: من الآية25) .

الإتقان في التخطيط

الإتقان يكون في التخطيط، وكذلك في وضع المتطلبات اللازمة لسد الاحتياجات المستقبلية، وهذا ما فعله يوسف –عليه السلام- بمهارة لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وابتدأت المسألة برؤيا الملك، وعبرها يوسف -عليه الصلاة والسلام- ووضع الخطة، وهذه الخطة واضح من كلام يوسف -عليه السلام- أنها المسألة ليست مجرد تأويل رؤيا، تأويل الرؤيا أن هناك سبع سنوات رخاء، سيعقبها سبع سنوات جدب، سيعقبها السنة الخامسة عشرة رخاء، هذا تأويل الرؤيا، لكن يوسف قدّم برنامج عمل، ولذلك الملك الحاكم لما رأى أمامه برنامج عمل جاهز أخذ به، {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } تزرعون سبع سنين متواليات، لأنها خصب، ومطر، إذن تعملون على هذا أولاً، تستثمرون الخصب للمستقبل، ثم نظام التخزين، { فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ }، خزنوه بالسنابل لئلا يسرع إليه الفساد، إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلاً بغير إسراف، ليبقى لكم ما يقيتكم في السبع الشداد، { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ }، المجدبات متواليات أيضاً، تستهلك ما تم تجميعه في سني الخصب، يأكلن ما قدمتم لهن، فليس في تلك السبع المجدبات نبات، وبشرهم بأن السنة الخامسة عشرة ستكون سنة تغيير، { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } وغلّات البلاد وعصر الزيت ونحو ذلك .

كانت نتيجة التخطيط المتقن، خروج الناس من الأزمة سالمين، وفاضت خيرات مصر على بلاد الشام على ما جاورها، فلذلك جاء أولاد يعقوب وصار الناس يتسامعون بذلك، وصار النفع العظيم، بخطة يوسف المتقنة -عليه السلام- وهو المؤيد بالوحي من الله -عز وجل- .

الإتقان في طرق وأساليب الجهاد

لقد كان الإتقان عند سلفنا وسيلة لإحكام الطرق والأساليب التي يكون بها الجهاد في سبيل الله ورفعة راية الوطن..

ففي سنة (708هـ) ورد الخبر بأن متملك قبرص اتفق مع جماعة من ملوك الفرنج على غزو دمياط، فجمع السلطان الأمراء وشاورهم، فاتفقوا على عمل جسر مادٍ من القاهرة إلى دمياط خوفاً من نزول الفرنج أيام النيل . [ إن النيل أيام فيضانه ، فيما سبق ،كان يطفو على الطرقات، حتى تنقطع السبل المعتادة ، فأراد السلطان أن يعمل طريقا مرتفعا لا يطفو عليه النيل ، ولا يصله الفيضان، ويمكّن الجيش أن يستعمله في حال نزول الفرنجة ] .

وندب لذلك الأمير جمال الدين أقوش الحسامي، فاستدعى المهندسين ورتب العمل.

واستقر الحال على ثلاثمائة جرافة، بستمائة رأس بقر، وثلاثين ألف رجل، .. فكان يركب دائماً لتفقد العمل واستحثاث الرجال… وما زال كذلك حتى أنجزه في أقل من شهر، وكان ابتداؤه من قليوب [ من ضواحي القاهرة ] وآخره بدمياط [ أكثر من 200 كم تقريبا] ، يسير عليه الراكب يومين، وعرضه من أعلاه أربع قصبات [القصبة 6 أذرع ]، ومن أسفله ست قصبات، يمشي فيه ستة فرسان صفا واحداً. هذا عرضه، وعم النفع به، فإن النيل كان في أيام الزيادة يعلو حتى تنقطع الطرقات ويمتنع الوصول إلى دمياط.

أما إتقان محمد الفاتح، في عملية مد الجسور وعبور ونقل السفن والسلاسل والخطة العبقرية التي استعملها فواضح جداً الأثر هذا في الفتح المبين الذي تغيرت به خريطة أوروبا.

وغير ذلك كثير..

والخلاصة.. إن لم يكن هناك إتقان تُفقد الثقة، إذا لم يتقن الداعية يفقد المدعوون ثقتهم فيه، وهكذا في كل مجال..

إن انعدام الإتقان ضرب من ضروب الغش، وسبب عظيم للتخلف، انظر اليوم إلى الخسائر الحادثة بسبب عدم الإتقان، مثل ازدياد أعداد وفيات الإهمال الطبي، إن العامل في المجال الصحي مؤتمن على أرواح الناس، الصيدلي مؤتمن في قضية الدواء، المهندس مؤتمن في قضية البناء، كم مبنى سقط ؟ وعمارة انهارت وأرواح ذهبت وأموال وخسائر، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (لأنفال:27) .

تصدعات في جدران، في جسور، تؤدي إلى انهيارات وخسائر في الآليات والأرواح، سدود انهارت فأغرقت البلدان.. ومظاهر ذلك أكثر من أن تحصى.. نسأل الله السلامة من آفات الغش والإهمال .

 

 

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..حقائق نوارنية حول مولد رسول الإنسانية

في ليلة شريفة أذن الله فيها أن تتصل الأرض بالسماء، ليغرد العالم العلوي والسفلي ويتعانقا …