الأحد , أكتوبر 25 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان وشرح حديث (إذا استعطرت المرأة فهي زانية)

د.إبراهيم شعبان وشرح حديث (إذا استعطرت المرأة فهي زانية)

روى النسائي وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رَضِيَ الله عَنْهُ، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ».

وقد اعترض بعضهم على هذا الحديث بأنه يطعن في نظافة وجمال المرأة وحسن تألقها، حتى قالوا: ماذا تريدون من المرأة أن تكون ذا رائحة سيئة يشمئز منها الناس وينفرون عنها؟! ولِمَ يُباح الطيب للرجال دون النسوة؟ فدعوة الإسلام إلى الجمال والتطيب عامة للرجال والنساء، وهذا الحديث يخالف هذا.

وفهمه آخرون على غير وجهه فراتضوا أن تؤذي المراة غيرها بعرقها ولا حرج عليها، وأنه لا يلزمها رفع الأذى عنها إلا في بيتها!

قلت: هذا الحديث الشريف لا بد أن يُفهم على حقيقته من خلال الالتفات إلى عدة أمور مهمة:

الأول: لا خلاف بين العلماء أن قوله: «فهي زانية» جاءت على سبيل الزجر والتغليظ لا الحقيقة، كما جاء في الأحاديث، أن العين تزني وزناها النظر، وليس هو بالزنا على الحقيقة ولا بإثم الزنا، وإنما أطلق عليه هذا اللفظ؛ لأنه الموصل إلى الفاحشة، أو لأنه أول طريق السوء.

الثاني: جاء هذا الإطلاق الشديد على من تعطَّرت بقصد فتنة الرجال، ولَفْتِ أنظارهم إليها، فيترتب عليه: أنها تقصد إيقاعهم في الإثم، وإبراز ميلهم إليها، وهذا لا شك مقصدٌ خبيثٌ، تأثم المرأة عليه، وتستحق عليه العقاب الشديد، لأن ذرائع الحرام حرام، وهذا المعنى هو الذي جاء في الحديث واضحًا في قوله الشريف: «فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا».

أي كان قصدها أن تلفت أنظارهم؛ لأن يشموا ما تعطرت وتجملت به.

ونحن نؤكد كذلك على أن الرجل لو تعطَّر قاصدًا فتنة النساء ولفت أنظارهن إليه، فإنه يشمله الوعيد الشديد، الذي جاء في حق المرأة تمامًا، فالحديث بهذا يقوم على قصد الفتنة وإرادة السوء من الرجل والمراة على السواء، وإنما أُطلق على المرأة من باب تغليب أثرها في الميل أكثر من الرجل.

الثالث: إذا لم تقصد المرأة فتنة الناس بوضع الطيب، فإن أحكام الطيب والتعطر بالنسبة لها تندرج تحت عدة أحكام مهمة:

ـ إما أنه مباح: وذلك في بيتها، ومع محارمها، أو كانت في مجتمع النساء فقط، فالفتنة حينئذٍ مأمونة، ولا حرج عليها في أن تمس من طيبها ما شاءت.

ـ وإما أنه مندوب مرغب فيه: كالتطيب للزوج؛ فإذا قصدت به حسن التبتل للزوج والتجمل له، فإنها مأجورة في ذلك أجرًا عظيمًا بحسن مقصدها.

ـ أما التعطر أمام الأجانب من غير المحارم، فقد اختلف فيه العلماء بين الكراهة والحرمة، وقد بوب الإمام النسائي/ما يكره للنساء من الطيب.

وعدَّ الحافظ ابن حجر وضعها الطيب مع قصدها فتنة الرجال من الكبائر؛ وهو ظاهر الحديث الشريف، ولكنه عقب بعد ذلك قائلًا: «وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ لِيُوَافِقَ قَوَاعِدَنَا عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَتْ الْفِتْنَةُ، أَمَّا مَعَ مُجَرَّدِ خَشْيَتِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، أَوْ مَعَ ظَنِّهَا فَهُوَ حَرَامٌ غَيْرُ كَبِيرَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ». راجع: الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/72).

فتأمل أنها إن لم تقصد وأمنت الفتنة فلا حرج عليها، وإن خشيت فمكروه، وإن ظنت أنها تفتن غيرها فحرام غير كبيرة، أما إذا قصدت الفتنة بوضعها فكبيرة.

فعلى هذا نقول: إن الطيب إنما يحرم تحريمًا قاطعًا إذا قصدت به المرأة فتنة الرجال، وهذا غالبًا ما يكون بالعطر الفواح الظاهر، ولا شك في حرمة هذا.

وهو الذي جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ قَصِيرَةً، فَاتَّخَذَتْ لَهَا نَعْلَيْنِ مِنْ خَشَبِ فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ تَطَاوَلُ بِهِمَا، وَاتَّخَذَتْ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَحَشَتْ تَحْتَ فَصِّهِ أَطْيَبَ الطِّيبِ الْمِسْكَ، فَكَانَتْ إِذَا مَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ حَرَّكَتْهُ فَيَفُوحُ رِيحُهُ». رواه ابن حبان في صحيحه.

فهذه امرأة تتعطر لتقصد فتنة الرجال ولفت أنظارهم إليها، فهذه يشملها الوعيد الشديد جزاءً لمقصدها السيئ.

وقد أورده ابن خزيمة في صحيحه تحت عنوان: (بَابُ ذِكْرِ بَعْضِ أَحْدَاثِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ مُنِعْنَ الْمَسَاجِدَ).

أما إذا تعطرت المرأة أمام محارمها أو في مجتمع نسائي فلا حرج عليها وهو من النوع المباح لها.

وإذا تتطيبت المرأة لزوجها، فهذا مندوب تؤجر عليه المرأة وتمدح له، وهو من قيامها بحق زوجها من الزينة.

أما إذا تعطرت المرأة أمام الأجانب، ولم تقصد الفتنة، بل لقصد دفع عرقها أو مراعاة صورة المسلمة في أحسن هيئة وحال، فحينئذ لا نرى به بأسًا، ولكننا نرى أنه ينبغي أن يكون من غير الفوَّاح (قوي الرائحة) أو اللافت للانتباه، فلا يشمه إلا من يخالطها عن قرب، ويكون غير ظاهر ظهورًا يلفت الأنظار، وليس كالتي إذا مرت بطريق الناس يشم الناس ريحها عن بُعْدٍ، فإن هذا النوع محظور، ويشهد له ما جاء عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ خَيْرَ طِيبِ الرَّجُلِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرَ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ». رواه الترمذي والنسائي.

ومعنى خفي ريحه، أي كان يسيرًا، لا أنه معدوم الريح مطلقًا، ومن زعم ذلك فقد غلط؛ ومما يدلل على وضعها الطيب لغير الزوج، ما صح في الحديث من وضعها بعد توفي زوجها كما جاء عن أم عطية مرفوعًا: «لاَ تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْج، فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلاَ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَمْتَشِطُ، وَلاَ تَمَسُّ طِيبًا إِلاَّ عِنْدَ طُهْرِهَا حِينَ تَطْهُرُ، نُبَذًا مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ». رواه النسائي.

والقُسْط بضم القاف فسين فطاء، ويقال: كُسْطٍ، بكاف مضمومة فسين فطاء، وهو بخور أو عقار هندي معروف، والأظفار مثله نوع مما يُتبخر به من العطر على شكل ظفر إنسان، ويقال: إنه يخرج من البحر.

وبهذا يتبين لنا معنى الحديث الشريف، وأرى أنه لا يتعرض للمرأة بإساءة قط، بل هو تكريم للمرأة حين نأى بها عن نظرة أهل السوء، وحثها على ألا تكون مصدر فتنة، فلا يقع أحد في الذنب بسببها، وهذا في حقيقة ذاته من تكريم الإسلام للمرأة، أما وضعها الطيب من عدمه فهو خاضع لمقصدين مهمين:

الأول: ألا تقصد فتنة الناس بطيبها، بل تضعه بقصد رفع الأذى عنها فقط.

الثاني: أنها إذا وضعت من الطيب فشأنها أن تضع عطرًا غير لافت للانتباه، أي تضع عطرًا غير فواح لا يشمه إلا من يقترب جدا منها لأن قصدها دفع الأذى عنها، حتى لا تلفت الأنظار إليها، ولا توقع نفسها ولا غيرها في حرج وإثم.

وأرى أن التزام المرأة بهذين المقصدين يرفع عنها الحرج، ويبيح لها ذلك وَفق الضوابط الشرعية، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..حقائق نوارنية حول مولد رسول الإنسانية

في ليلة شريفة أذن الله فيها أن تتصل الأرض بالسماء، ليغرد العالم العلوي والسفلي ويتعانقا …