الإثنين , سبتمبر 21 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد المراحي..رحَل الّذينَ أُحبُّهُم فَعَلَيْكِ يَا دُنيَا السَّلَام…!!!

د. أحمد المراحي..رحَل الّذينَ أُحبُّهُم فَعَلَيْكِ يَا دُنيَا السَّلَام…!!!

الحمد لله العليم الحكيم ،والصلاة والسلام على صاحب الخُلق العظيم  ،وآله وصحبه أولي الفضل والتكريم ،وبعد ….

فإن حكمة الله بالغة ؛ فهو – سبحانه – يقضي ويقدّر ما شاءَ وقت ما شاء ، لا يُسأل عمّا يفعل ،وما على العباد – جميعاً – إلا التسليم والإذعان برضا ويقين بأنه – جل في علاه – صاحب الأمر والشأن في كل وقت وحين.

وها قد جاء وقت الرضا والتسليم ،لما قضى به العليم الحكيم  ؛ فقد توالت أحداث فقْدِ خلاصة الأحباب بعد مَن تقدم منهم إلى الكريم الوهّاب ،وهو أخي وحبيبي وأستاذي البركة الخالصة ،والفطرة السليمة الشيخ /ممدوح الزليتني – رحمه الله تعالى – ثم تبعه بشوقٍ إليهِ أبوه الكبير ؛ شيخنا وقدوتنا وإمامنا العارف بالله /الزليتني الكبير ؛ بعدها كنتُ أرى بأمّ رأسِي الظلامَ الذي يغشانا المعنوي والحسّي !!!

وبعد بقليل  تفاجئنا الأيام بفَقْد دواءِ العليل ،وبلسمِ الروحِ لكل خليل ، بركةُ الزمان ،وورع الأوان ،التقي النقي ،الصديق الصادق المخلص أخي وحبيبي الداعية إلى الله على بصيرة ، مولانا الشيخ /عبد المنعم محمود مهدي الطّحان ؛ الذي طحنَ أجسادنا بفقده ،وقطّع نياطَ القلوب بفراقه ،ولم ولا وهو المتواضع صاحب البسمة الصافية ،الذي يسير بالرحمة بكل معانيها .

رجلٌ كنتُ أتذوق منه وفيه جمال (مقام الإحسان)  فقد كان يَصلُ مَن قطعَه ،ويُعطي مَن حرمَه ،ويعفُو عمن أساءَ إليهِ …!

في مجال تخصصه الوعظ والإرشاد  :
كانت دروسه وخطبه لها طابَع متميز. ؛ سهولة – في غير ضعف – وحبكة – من غير حيف – وأسلوب بسيط جدا يؤثر في مجامع القلوب ،يتخلى عن الركاكة ،ويتحلى بالبساطة حتى تجد المتلقي – أياً من كان – يثني ويستفيد ،بل ويكاد يعيد عليك ما سمعه من شيخنا .
كان شيخنا يسرد الأمثلة من الواقع العجيب ،ويسلط الضوء عن العيوب ،ثم يعطينا الحلول التي تخرجنا من الظلمات إلى النور .

ثمةَ المواقف التي تدور بينه وبين مستمعيه في دروسه الدعوية وخاصة مع آبائنا كبار السنّ ؛ فيتلقفها شيخنا بحب وصدق نادريْن ،ويفك الرموز ،ويوضح المبهم ويبين الطريق الحق للجميع .

أثّر شيخنا – رحمه الله – في الشباب بطريقة عجيبة نادرة ،وهي القرب منهم ، والإحساس بهم ،والسؤال عليهم ،حتى تجدهم هم الذين يبحثون عنه ليحل لهم مشاكلهم الدينية والاجتماعية والنفسية .

كانَ إذا مرّ في الطريق لم يترك صغيراً ولا كبيراً إلا ألقى عليه السلام ،بل ويتمهل ليسلم عليهم ويعانقهم في محبة صادقة ، حتى الأطفال ؛ فقد رأيته يشترى أنواعا من الحلوى ويضعها في جيبه ليعطيها للأطفال الصغار في الطريق !!

في المجال الدعوي المجتمعي   :
الشيخ بنورايته الصادقة كان يدعو إلى الله في كل أحواله ،مع جيرانه ،ومع أهله ،ومع أصدقائه ؛ فكان بيته ملاذاً طيباً لأصحاب الهموم والمشاكل الأسرية والدينية ؛ فقد كان إذا تواصل معه أحدٌ هاتفياً فيسارع إليه ويذهب – هو – إلى بيته وكثيرا ما – يكون صائما – ليحل المعضلات ويرقي المحسود ،ويجبر خاطر المنهزم المكسور  .
وصدق فيه قول شاعرنا – لله دره – :

تَرَاهُ   إِذَا   مَا    جِئْتَهُ    مُتَهَلِّلاً        كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ  سَائِلُهْ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ        لَجَادَ  بِهَا  فَلْيَتَّقِ   اللَّهَ   سَائِلُهْ
هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ        فَلُجَّتُهُ المَعْرُوفُ وَالبَحْرُ سَاحِلُهْ
تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتَّى  لَوَ  انَّهُ        دَعَاهُ  لِقَبْضٍ  لَمْ  تُطِعْهُ   أَنَامِلُهْ

إذا سألتَ أحداً عنه يسارع بقوله : هذا الرجل كله خير وبركة ؛ فإنه ينصحنا ويدعو لنا ولأبنائنا ولأرحامنا ،ويصلح بين الجميع ،ويؤلف بين القلوب المتنافرة .

هذا هو الدين يا سادة ،هذا هو نور العلم ،هذا هو بركة الصدق ،هذه هي الشريعة بجمالها وكمالها ودلالها !!!

أخي وحبيبي فضيلة الشيخ /عبد المنعم:  بعد ما صحبتُكَ ثلاثين عاماً أوقنُ – بفضل الله وحده – أن نفسك وروحك قد اطمأنت ،وأنك ترقد بسلام عليك وبركات ورحمات .

كما أنني أوقن – بفضل الله وحده – أن الله سيبارك لك في أولادك ويحفظهم بعين رعايته وعنايته ،وهذا جزاء ما قدمتَ ؛ فقد قال تعالى (( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )) الآية ٩ النساء .

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضى ربنا وخالقنا ،وإنا على فراقك ياشيخنا لمحزونون ،والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، رحمكَ الله يا شيخنا الجليل ،وحشرك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاَ ..وإنا لله وإنا إليه راجعون . وهو حسبنا ونعم الوكيل .

كتبه د/ أحمد المراحي
عضو هئية التدريس بجامعة الأزهر الشريف

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د.أحمد البصيلي يكتب..إتقان العمل فريضة إسلامية وضرورة إنسانية

ظهر في هذا الزمان مصطلح ( الجودة ) الجودة النوعية – الجودة الشاملة، وجعلوا لذلك …