الأربعاء , أكتوبر 28 2020
الرئيسية / سلايدر / الشيخ هشام الكامل يكتب.. كلمة في التوسل والتبرك والاستغاثة

الشيخ هشام الكامل يكتب.. كلمة في التوسل والتبرك والاستغاثة

 

التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم من الأمور التي لا خلاف فيها ذكرها أئمة الشافعية في كتبهم؛ كالإمام الماوردي في الحاوي والإمام العمراني في البيان والنووي في المجموع شرح المهذب، وابن الرفعة في كفاية النبيه، وذلك عندما ذكروا قصة العتبي وتوسله بقبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد ذكر ابن الرفعة في الكفاية (7/537) رحمه الله أن المتوجِّه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن ما يقول: «ما حكاه أصحابنا عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ وقد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي: ثم أنشأ يقول: يا خبر من دفنت في الترب أعظمه…» إلى نهاية تلك الأبيات.
وصنَّف الإمام التقي السبكي رحمه الله كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام الذي رتبه على عشرة أبواب، والتي منها أحاديث في كون الزيارة قربة لله تعالى، وفي التوسل والإغاثة الذي قال في بدايته (ص 160): «اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف والصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الزمان». ثم ساق رحمه الله الرد على ابن تيمية فيا نقل عنه بعدم جواز شد الرحال إلى القبر المعظم.
وقضية ابن تيمية هذه قد ناقشها العلماء وردوا ما قاله قديما وحديثًا، وهذا يعد منه من التجاسر في هذه القضية، كما نُقِلَ عن الإمام الشيخ محمد البرلسي المالكي في إتحاف أهل العرفان برؤية الأنبياء والملائكة والجان، ويقول ابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم عن ابن تيمية في هذا الأمر: «من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله وصار بها بين أهل الإسلام مثلة أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به صلى الله عليه وسلم كما أفتى، بل التوسل به حسن في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في الدنيا والآخرة ….».
وقد ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره قال رحمه الله في آداب زيارة القبر المعظم: «ويسلم بلا رفع صوت وأقله السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتأخر صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر ثم يتأخر قدر ذراع فيسلم على عمر رضي الله عنهما ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه». فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (1/257).
أما عن التوسل بآثار الصالحين والأولياء، فإن ذلك لم ينكره أحد من علماء المذهب الشافعي بل صرحوا به وفعلوه وهذا منقول في كتبهم:
– قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم في حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «أصابني في بصري بعض الشيء فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي، فأتخذه مُصلًّى، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شاء الله من أصحابه، فدخل وهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم….» يقول الإمام النووي في شرحه: «وفي هذا الحديث أنواع من العلم تقدم كثير منها ففيه التبرك بآثار الصالحين وفيه زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم إياهم».
– وذكر أيضًا في كتاب «الأذكار» (ص 224) ط/دار الفكر، أنه يجوز الاستغاثة بقول يا عباد الله من المخلوقات التي نراها أو لا نراها ونقل عمل الأئمة على ذلك، وهذا في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا، فإن لله عز وجل في الأرض حاصرا سيحبسه». قال الإمام النووي: «قلتُ: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه افلتت له دابة أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقاله، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام».
– وهذا ما فعله الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فيما رواه الإمام البيقهي رضي الله عنه في شعب الإيمان قال: «أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سلمان الفقيه، ببغداد، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي، يقول: ” حججت خمس حجج، اثنتين راكبا، وثلاث ماشيا، أو ثلاث راكبا، واثنتين ماشيا، فضللت الطريق في حجة، وكنت ماشيا فجعلت أقول: يا عباد الله، دلوني على الطريق ” قال: فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق».
– ذكر الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين في آداب السفر قال: « وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة والباطنة في كتاب أسرار الحج ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته».
– وروى ابن الجوزي في المنتظم (11/211) دار الكتب العلمية، عن الإمام البيهقي رحمه الله أن الإمام أحمد بن حرب رئي في منامه فسئل: مَا فعل بك ربك؟ قَالَ: غفر لي وفوق المغفرة. قلت: ومَا فوق المغفرة؟ قال: أكرمني بأن يستجيب دعوات المسلمين إذا توسلوا بقبري.
وذكر أيضًا في الأذكار (ص 264) أشياء من التبرك بالصالحين، قال رحمه الله: «ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك، ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه، روينا في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخل أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى». وغير ذلك من الأحاديث.
– تبرك الإمام الشافعي بقبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم:
ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه (1/445) دار الغرب الإسلامي- تحقيق: بشار عواد بسنده قال: حدثنا علي بن ميمون، قال: سمعت الشافعي، يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم، يعني زائرا، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى.
– تبرك الإمام الشافعي بقميص الإمام أحمد رضي الله عنهم:
ذكر التاج السبكي رحمه الله في طبقات الشافعية الكبرى (2/36) تحقيق: الطناحي والحلو، ط/ هجر بسنده، قال رحمه الله: «قال الربيع بن سليمان إن الشافعي رضي الله عنه خرج إلى مصر فقال لي يا ربيع خذ كتابي هذا فامضِ به وسلِّمه إلى أبي عبد الله وائتني بالجواب قال الربيع فدخلت بغداد ومعي الكتاب فصادفت أحمد ابن حنبل في صلاة الصبح فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر فقال لي أحمد نظرت فيه فقلت لا فكسر الختم وقرأ وتغرغرت عيناه فقلت له أيش فيه أبا عبد الله فقال يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام وقل له إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة قال الربيع فقلت له البشارة يا أبا عبد الله فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر وسلمته إلى الشافعي رضي الله عنه فقال أيش الذي أعطاك فقلت قميصه فقال الشافعي ليس نفجعك به ولكن بلَّه وادفع إليَّ الماء لأتبرك به».
– فتوى الإمام شمس الدين الرمـلي الشافـعي في جواز الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والعلمـاء من فتاوى الرملي (4/382) تأليف: شهاب الدين الرملي- جمعها ابنه: شمس الدين محمد بن أحمد الرملي- المكتبة الإسلامية
سئل رحمه الله: عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد يا شيخ فلان ، يا رسول الله ، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين ، فهل ذلك جائز أم لا، وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم، وماذا يرجح ذلك؟
فأجاب : بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة ، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم ، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم:
أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، والشهداء أيضا أحياء شوهدوا نهاراً جهاراً يقاتلون الكفار. وأما الأولياء فهي كرامة لهم ، فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد ويغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم ، والدليل على جوازها أنها أمور ممكنة لا يلزم من جواز وقوعها محال وكل ما هذا شأنه فهو جائز الوقوع، وعلى الوقوع قصة مريم ورزقها الآتي من عند الله على ما نطق به التنزيل، وقصة أبي بكر وأضيافه كما في الصحيح ، وجريان النيل بكتاب عمر، ورؤيته وهو على المنبر بالمدينة جيشه بنهاوند حتى قال لأمير الجيش: يا سارية الجبل ، محذرا له من وراء الجبل لكمين العدو هناك وسماع سارية كلامه وبينهما مسافة شهرين، وشرب خالد السم من غير تضرر به، وقد جرت خوارق على أيدي الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا يمكن إنكارها لتواتر مجموعها وبالجملة ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي لا فارق بينهما إلا التحدي.
– وفي فتاوى ابن الصلاح (1/210) رحمه الله ما يدل على التوسل والاستغاثة بالصالحين عندما تكلم عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنها- أي معجزات النبي- ليست محصورة على ما وجد منها في عصره صلى الله عليه وسلم، بل لم تزل تتجدد بعده صلى الله عليه وسلم على تعاقب العصور وذلك أن كرامات الأولياء من أمته وإجابات المتوسلين به في حوائجهم ومغوثاتهم عقيب توسلهم به في شدائدهم براهين له صلى الله عليه وسلم قواطع ومعجزات له سواطع ولا يعدها عد ولا يحصرها حد».
وفي فتاوى الشيخ محمد الخليلي على المذهب الشافعي سئل رحمه الله عما اعتاده السادة الصوفية من التوجه إلى زيارة الأنبياء والأولياء وتقبيل ضرائحهم والتوسل والاستغاثة بهم ويذهبون بالأعلام ويدقون طبول الباز والمزاهر هل ذلك حرام أم لا وإذا قلتم حرام فما الموجب لحرمته؟
أجاب: اعلم وفقك الله تعالى أن زيادة القبور مستحبة مطلوبة لغير الأنبياء الكرام فما بالك بخيرة الله من خلقه وصفوته من عباده ولا يمنعها إلا كل شقي بغيض عدو للإسلام مغيض، قال القطب الرباني والعالم الصمداني محيي الدين النواوي قدس سره العزيز مع شرح ابن حجر له: ويندب زيارة القبور التي للمسلم للرجال إجماعًا وكانت محظورة لقرب عهدهم بالجاهلية فربما حملهم على ما لا ينبغي ثم لمَّا استقرت الأمور نسخت وأمروا بقوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة». وأما النساء فإن الزيارة لغير الأنبياء لهن مكروهة وقبور الكفار لا تسن زيارتها. قال: يسن للنساء زيارة قبور الأنبياء وقبره صلى الله عليه وسلم أشد استحبابًا ويسن لهن زيارة الأولياء والعلماء وتقبيل ضرائحهم غير ممنوع والتوسل بالأنبياء والأولياء مطلوب محبوب كما عليه السلف والخلف وجميع الطبول جائزة إلا الدربكة وهي طبل واسع الرأس ضيق الوسط فليس شيء من ذلك ممنوعًا بل هو مطلوب محرك للقلوب إلى علام الغيوب لا ينكره إلا كل ملحد مبتدع من أهل الضلال والله أعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د. أحمد البصيلي يكتب..حقائق نوارنية حول مولد رسول الإنسانية

في ليلة شريفة أذن الله فيها أن تتصل الأرض بالسماء، ليغرد العالم العلوي والسفلي ويتعانقا …