الأحد , نوفمبر 29 2020
الرئيسية / الهجرة / صناعة التماسك المجتمعي..”المؤخاة بين المهاجرين والأنصار نموذجا”

صناعة التماسك المجتمعي..”المؤخاة بين المهاجرين والأنصار نموذجا”

بقلم: الشيخ / أحمد ربيع الأزهري

في خضم هذا الواقع الذي تنقسم فيه البلدان وتتحارب شعوبها ويتقاتل أبنائها يبرز حادث الهجرة للنور مع بداية العام الهجري الجديد ليبرز لنا نموذجاً في صناعة التماسك المجتمعي وبناء اللحمة الوطنية ، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة ومعه المهاجرون الذي تركوا كل شيء خلف ظهورهم لله وللرسوله وحل في أرضٍ لها تركيبة مختلفة، قبليتين عربيتين بينهما حرب استمرت سنوات وسنوات، ويكفي أن يُذكر يوم بُعاث لتعود الدماء تغلي في العروق ويطيش العقل وتتقاتل السيوف، ويهود في ثلاث قبائل بينهما تنافس تجاري واجتماع على استغلال العرب وترهيبهم بالإضافة لطبقة المنافقين التي ظهرت بعد انتشار الإسلام … فكان الهدف الأول للرسول صلى الله عليه وسلم هو بناء كيان مجتمعي سليم ينتشر بين ربوعه الأمن والسكينة والسلام والوئام ، فكانت البداية بانتزاع رايآت العصبية فخلصهم من كلمة “الأنا” البغيضة فلم يَعُد هناك أوس أوخزرج بل أنصار، أنصار لله وللرسوله ، ولكي يجعلهم الرسول يتمسكون بهذا الاسم الجديد أعلنها صراحة أنه في حزب الأنصار وأنه لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ؛ فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله، و لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً ، لسلك النبي صلى الله عليه وسلم شعب الأنصار، رغم أن الشعب أضيق من الوادي، ودعا لأولادهم وذرياتهم بالصلاح ، فعن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به، أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله ” [أخرجه البخارى] – و عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:{ لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت في وادى الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، فقال أبوهريرة: ما ظلم – بأبي وأمي – آووه ونصروه أو كلمة أخرى} [أخرجه البخارى] ، وقال صلى الله عليه وسلم: الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله [أخرجه البخارى]، قال صلى الله عليه وسلم: {آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار}. [أخرجه البخارى] ، وكان هذا المسلك هو البداية لنقطة المؤخاة مع المهاجرين ، مؤخاة لها تبعات وأعباء يقتسم فيها الدار والمال ، بل وصل أن يعرض أحدهم أن يطلق زوجته ليتزوجها أخيه المهاجر – بعد قضاء عدتها بالطبع – فقد روى أحمد عن أنس كذلك: “أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شَطْر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها؛ قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق؛ فدلوه على السوق.. قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً وفضة”. ما هذا الفعل الحب الذي نفث بين الأنصار والمهاجرين والذي جعلهم محل تقدير من أهل الأرض والسماء {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}[الحشر:9] ، مؤخاة ليست مبنية على فروق دنيوية من غنى وفقر وقوة وضعف وعز وسلطان وحاجة وإزلال ، مؤخاة سمت فوق الفروق فتجد من كان عبد حبشيا أو روميا يتأخى مع سيد من أشراف الأنصار ولكلهم سادة وأشراف ، فحدثت اللحمة بذلك والإصطفاف وصدق عليهم قول رسول -صلى الله عليه وسلم- :”المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”، وشبك بين أصابعه. [متفق عليه] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى [متفق عليه]، ونتيجة لهذا المسلك الفريد في بناء مجتمع المدينة فقد أثمر هذا الصنيع من سيدنا سعد بن معاذ زعيم الأنصار قبل الخروج إلى بدر لمحاربة مشركي مكة على الرغم من أن العهد الذي بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار ينص على أن حماية الرسول صلى الله عليه وسلم داخل المدينة ولم تنص على حمايتهم له خارجها عندما قال: “يا رسول ص الله صلى الله عليه وسلم ، صل من شئت، واقطع من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأترك لنا ما شئت. وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت به فأمرنا نتبع لأمرك . فوالذي بعثك بالحق لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد . وما نكره أن تلقى عدوّنا غدا . إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء . ولعلّ الله يريك ما تقرّ به عينك . فسر بنا على بركة الله .

فالأمة الآن في أمس الحاجة لهذا المعنى أن يتخلى كل فرد فيها عن رآيته وحزبه وتياره وينصهر الجميع تحت رآية واحدة تعظم قيمة الإنسان وصيانة الأوطان وعمارة الأكوان وتزكية الوجدان وقبل كذلك معاني و قيم الإيمان، حتى يكون لنا شأن بين الآنام وليُكتب للأمة طوق النجاة ويبرز لها شعاع النور ، وتتحول محنتها إلى منحة وشدتها إلى شدة وضيقها إلى فرج وألمها إلى أمل، فالله أسأل أن يحولنا لأمتنا أنصارا ولبلدنا عمارا ولديننا حفاظا ولنبينا أكثر محبة واتباعا” اللهم آمين”.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..الشيخ إيهاب يونس يبدع في (فرحَ الزَّمانُ اليومَ حَان الموعد)