الأربعاء , سبتمبر 30 2020
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد المراحي يكتب..وَرَحَلَ أَبِي الزّليتْنِي الكَبير !!

د. أحمد المراحي يكتب..وَرَحَلَ أَبِي الزّليتْنِي الكَبير !!

منذ أن نشأت في كنف سيدي الوالد – رحمه الله تعالى – ذقتُ حلاوةَ محبةِ العلماء والعارفين والأولياء والصّالحين من أهل الفضل والنور والسرّ ؛ لكن عندما تجتمع كل هذه الصفات في رجلٍ واحدٍ فهذا هو الفضل الكبير ؛ نعم اجتمعت في مَنْ صحبتُه وتتلمذتُ على يديه وشربتُ من معينه الرائق ،ونهلت من علمه الفائق ،وغصت في بحره الذائق سيدي وأبي وشيخي مولانا الزليتني الكبير – رحمه الله تعالى – تلك الصفات التي تندر في نعت أحدٍ في هذا الزمان العجيب !!!

أما عن العلم ؛ فقد كان شيخنا علَماً عالماً متبحراً في علوم الشريعة والحقيقة واللغة والأدب ، تتجلى فيه الموسوعية بكمالها وجمالها ،يتخلى بها عن التخصصية المتشددة ،التي اتسم بها الكثير في زماننا من طلبة العلم !!!

وأما عن المعرفة ؛ فقد كان من المقربين لأسرارِ أنوارِ بركاتِ علم رب العالمين ،الذي يخص به الخواص من عباده ؛ يتضح ذلك لمن ذاق وارتقى ،وفقِهَ واستقَى ،وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم !!!

وأما عن الولاية   ؛ فعندما تقرأ قوله تعالى ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) تجد في عقبها ( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  ) وقوله: (الذين آمنوا) من نعت “الأولياء ” ، ومعنى الكلام: ألا إن أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فنجد شيخنا ممن اتصفوا وعُرفوا بتلك الأنوار ،ولاحرج على فضل الله !!!

وأما عن الصلاح  ؛ فهو الرجلُ الصالح الذي إذا رأيتَه ذكرتَ اللهَ ربَّ العالمين ( جل جلاله ) وهو أيضاً الرجل المُصلِح ؛ الذي كانت تجيئه الأمور المعضلة ،والمشاكل الشائكة بين العوائل يحملُها أصحابُها على عواتقهم ،ثم سويعات نورانية صادقة مخلصة تنحل وتنقشع غمامة تلك المعضلات والمشكلات بإخلاص ذلكم المصلِح مولانا الشيخ الزليتني ،ونرجو له من الله أن ينعم – في هذا الباب – ببركات قوله تعالى( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم) ْ وكذلك بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟” قَالُوا: بَلَى، قَالَ: “إِصْلَاحُ ذاتِ البيْن ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ”

كل ماذكرتُه – على قدري لا على قدر الشيخ – فقد شهدتُ بما علمْتُ ،فقد كان الشيخ أخاً لوالدي – في الله – يجمعهما حب الله تعالى ورسوله ،وقد أكرمني الله قبل ثلاثة عشر عاماً – أثناء وجودي في فرشوط- بملازمة الشيخ ومتابعته ؛ حيث كنت أذهب إليه فرحاً مسروراً لأتعلمَ واقرأ عليه – ما يأذن لي به – من كتبه ومؤلفاته ودواوينه الشعرية ،وخواطره النورانية ،واستنباطاته العالية بمعانيها الغالية ،ومنها على سبيل الفأل الحسن – لمن يقرأ الآن – كنتُ كثيراً ما أسألُه عن أصحاب المخالفات الشرعية التي نراها في زماننا العجيب ؛ فيبتسم ويقول بالنص (( ياولدي ؛ الله تعالى أولى بعباده وهو الذي يهديهم وييسر لهم طريق التوبة )) فأقاطعه ( يامولانا : المعاصي وأصحابها كثروا ……..) فيرد بنفس الابتسامة النادرة ( اسمع فضيلتك : الله تعالى يقول : وإني ” لغفّار ” هذه صيغة ايش ؟ أقول : صيغة “مبالغة” لكثرة المغفرة المتتالية ،فيقول : هذه الصيغة تقابل قوله عليه الصلاة والسلام  : كل بني آدم ” خَطّاء ” فانظر ياولدي للصيغتين تجد أنوار المغفرة والتوبة والقبول لعباد الله على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم )!!!!!!!!

هذا غيضٌ من فيض في حق هذا الداعية – إلى الله على بصيرة – الذي ذاع صيتُه في جميع البلاد العربية والإسلامية الذي سافر إليها بأنوار وأسرار علومه ،وكانت آخر محطة في حياته هي دولة الإمارات الشقيقة التي عمل هناك في دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية وكانت له خطب جريئة في الحق ،ونورانية في الصدق منها خطبة عن ( التبرّك وآثاره في ضوء الكتاب والسنة ) وكانت له لقاءات إذاعية مسموعة ومرئية ومنها برنامج ( إفتاء على الهواء ) .

ولما عاد الشيخ إلى بلاد الصعيد ؛ وبلدنا الحبيبة( فرشوط ) بعد رحلاته المنورة  الدعوية ،لم يغلق باب بيته في وجه أحدٍ مهما كان قدره ومذهبه ؛ بل أخذ على عاتقه ليجدد أنوار الدعوة ويروي شجرتها لتثمر من جديد جيلاً بعد جيل ليحمل أنوار الرحمة للأمة كلها ؛ مقتبساً من بركات قوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) بل

وحارب المذهبية والتشدد والتطرف بالحكمة والموعظة الحسنة ،إلى أن جاء موعد الفراق الذي كتبه على العباد الخلاّق لتنطفئ الشمس الزليتنية ،وتبكى عليه السموات والأرض {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} ويرحل عنا سيدنا ومولانا وإمامنا وشيخنا المربي والمعلم والأب والمؤدِب ؛ فإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضى ربنا وخالقنا وإنا لله وإنا إليه راجعون ،وإنا على فراقك ياشيخنا لمحزونون ،والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه ،وهو حسبنا ونعم الوكيل .

 

كتبه د/ أحمد المراحي

عضو هئية التدريس بجامعة الأزهر الشريف

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الشيخ محمد جمال الدين ولقاء فقهي من باب “من ابتاع سلعة”