الثلاثاء , سبتمبر 29 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..السعادة تنادينا

د.أحمد البصيلي يكتب..السعادة تنادينا

 

في واقعنا المادي المعاصر، كادت السعادة أن تطلب اللجوء إلى قائمة المستحيلات؛ بسبب ما ران على القلوب والعقول من أكِنَّة الجهالة والعَمَى، والاكتفاء بالماديات ونبذ الروحانيات، وجَعْل عالم الشهادة فوق عالم الغيب، والاغترار بالدنيا وتجاهل الآخرة…

وإنه لَمن العدالة ألا تعطيَ شيئا أكبر من حجمه، كما أنه من الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، فمن اتخذ المنصب ربا اتخذه المنصب عبدا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”. ومن ظن أنه فوق المحاسبة، عاش في كَبَد، وجلب على واقعه النّكَد، وقديما قالوا: من أَمِنَ العقوبةَ أساء الأدب.!

إذن الحل أن تجعل الله غايتك من وراء كل ما تفعل وما تترك، وأن يتعلق قلبك بالرازق لا بالرزق، وبالمعطي لا بالعطاء، وأن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك، فالكل منه وإليه، وهو الأعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير، لا يحتاج لأحد أن يقول له افعل ولا تفعل، ولكن يريد من عبده أن يكون معه، لأنه يغار عليه، “يابن ءادم خلقت الكون من أجلك وخلقتك من أجلي فسِرْ في طاعتي يُطِعْكَ كلُّ شيء”، وكأن الله يناديك بأسرار صنعته: “عبدي.. أنا أريد، وأنت تريد، فإن أطعتني فيما أريد، أعطيتك ما تريد، وإن عصيتني فيما أريد، لن تنال ما تريد، ولا يكون إلا ما أريد”.

منا من يعتقد أن السعادة في كثرة الأولاد والأحفاد ، أو أن تكون له وجاهة في المجتمع، أو يتبوأ أعلى المناصب، ويظنها البعض الآخر في أن يتزوج امرأة ذات مال وجمال ودلال.. وللناس فيما يعشقون مذاهب..

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته : : : أتطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على الروح واستكمل فضائلها : : : فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

طلبْنا السعادة في المناصب وما وجدناها، وظننا أنها في الأموال والعقارات والسيارات وفوجئنا بأننا قد أخطأنا عنوانها، والحقيقة المرة: أن اللهث وراء ما له نهاية، شقاء وغواية، وليس سعادة وهداية.. أما التعلق بما يبقى ولا يفنى، وأما التحقق بما هو أبقى وأنقى، فتلكم السعادة العظمى والأرقى..

فالمنصب مثلا انتقل من غيرك إليك، وسينتقل منك إلى غيرك، والمال.. يسير في دورته الحياتية، من يد إلى يد، وهو في النهاية إما لحادث وإما لوارث، فاجعل لنفسك نصيبا ثالثا تدخره بين يديك عند لقاء الله.!

ولست أرى السعادة جمع مال *** ولكن التقي هو السعيد

فإياك أن تحجبك النعمة عن المنعم، وحذار أن يحجبك الكون عن المكوِّن، فإن من الحُمق: الانشغال بالطريق عن الغاية.

إن كانت حاجاتنا كلها دنيا فلقد هبطنا عن مستوى إنسانيتنا إلى مستوى لا يليق بنا، ما دامت حاجاتنا دنيا، متى يرقى الإنسان؟ متى يكبر عند الله؟ حينما يلبي حاجته العليا، الحاجة العليا هي حسن الفهم عن الله، وصحة القصد إليه، وصدق التعرف عليه.!

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإذا فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء))

إن الإسلام إنما جاء ليُسعِدَ الناسَ، سعادة أبدية سرمدية، لا تشوبها العوائق والنقائص، (طه – مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى).

المشكلة تكمن في الخلط بين اللذة والسعادة، إن الفارق بينهما كبير، اللذة تحتاج في تحقيقها إلى مال ووقت، أما السعادة فتتحقق بمجرد تخليك عن العوائق، وتحليك بالحقائق، بالزهد فيما في أيدي الخلائق، والطمع فيما عند الله بالانقطاع عما سواه من العلائق.

السعادة تنبع من أعماقنا، أما اللذة فتأتي من خارجنا، اللذة حسية مادية، أما السعادة فهي روحية قلبية، اللذة تتضائل بمجرد الحصول عليها، والسعادة تتعاظم وتكون أرقى وأبقى ما أقامك الله فيها، هذه متنامية أما اللذة فمتناقصة..

وصفوة الكلام: أن الإنسان بين لذة مستوردة خارجة عنه، آنية، معها كآبة أحياناً، معها ملل، ولن يسمح ربك للدنيا أن تمدنا بسعادة مستمرة، بل متناقصة، لأن الله قد كتب النقص على كل لذة في هذه الدنيا؛ لتبقى الحقيقة المطلقة: “ما عندكم ينفد وما عند الله باق”.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

كثر فى زماننا إلقاء السلام برفع اليد أو بالإشارة فهل يجزىء ذلك عن التلفظ به؟

فالأصل فى السلام أن يكون بالتلفظ . وقد يجمع بين التلفظ والإشارة وهو الأتم . …