الجمعة , نوفمبر 27 2020
الرئيسية / رمضان / الشيخ الدوشي عبد الغفار يكتب..ليلة القدر (تجليات ورحمات)

الشيخ الدوشي عبد الغفار يكتب..ليلة القدر (تجليات ورحمات)

منزلة ليلة القدر
يُعَدّ شهر رمضان فرُصة يُمكن للمُسلم أن يستغلّها في التقرُّب إلى الله -تعالى-؛ بالعبادة والطاعة، وقد اختصّ الله -تعالى- أُمّة سيدنا مُحمد -صلّى الله عليه وسلّم- وفضّلها على سائر الأُمم، وأنزل إليهم القُرآن الكريم في ليلة القدر، وجعل العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ممّا سواها، كما أنّ جبريل -عليه السلام- يتنزّل فيها ومعه عدد كبير من الملائكة بإذن الله -تعالى-؛ ليقضوا ما أمر الله به وقد جاء القول من الله – تعالى- بعُلوّ هذه الليلة بلفظ صريح؛ يقول الله -عزّ وجلّ-: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)؛ فلا أحد يعرف قيمتها ولا فضلها إلّا ما أخبر الله به البشر من بركتها.

سبب تسمية القدر بهذا الاسم
اختلف العُلماء في سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم، وبيان آرائهم فيما يأتي:
القَدْر من العظمة؛ فهي ليلة عظيمة.
القَدْر من الضيق؛ فهي ليلة تُصبح فيها الأرض ضيّقة؛ لكثرة ما فيها من الملائكة، روى السيوطي، في الجامع الصغير، عن أبى هريرة قال , قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الملائِكةَ تلْكَ الليلةَ في الأرْضِ أكثَرُ من عدَدِ الحَصَى).
.
القَدْر ليلة تُقدَّر فيها الأشياء؛ إذ يُطلع الله فيها الملائكة على تقديره لأمور السنة، قال -تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).

القَدْر ليلةٌ نزل فيها الكتاب صاحب القَدْر، مع ملك ذي قَدْر، على نبى ذى قدر في أمة ذات قدر قال -تعالى-: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ).

القَدْر والشرف الذي يكون للعامل فيها؛ فالطائع والعابد في هذه الليلة يصبح ذا قَدْر وشرف ، وهناك أقوال أخرى كثيرة ذكرها العلماء رحمهم الله .

واجبات العبد نحو هذه الليلة المباركة:
1- كثرة العبادة مع الإخلاص

ليلة القدر تفضل عبادة أربعة وثمانين سنة…. ( ليلة واحدة ب ٨٤ سنة عبادة ) …الساعة في ليلة القدر ب ٨ سنين عبادة.. والدقيقه ب ٥٠ يوم عبادة ..فأين المُشمّرون؟

لا تسخّر طاقتك ومجهودك في الانشغال بليلة القدر متى تكون. وفي أي يوم , ولا تشغل نفسك بعلاماتها … سخّر جهدك وطاقتك في أنك تجتهد في العشر الأواخر من ليالي هذا الشهر الفضيل وكأنها آخر عشر ليال من حياتك…. وليلة القدر تأتي في أي ساعة تأتي ……اتعب انت وكلما كنت صادقًا وجادًا سيكون إحساسك وشعورك بها صادقًا وجادًا !
فلو كنت من الذين فرّطوا وضيّعوا أول رمضان .. فما زال عندك فرصة فلا تضيعها…!

يقول أهل العلم ( العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات ) ……أنقِذ ما يُمكن إنقاذه….قال أحدهم ( حُسن الختام خيرٌ من حماسة البدء ) …. والأعمال بالخواتيم. فلنبتعد عن التلفزيون والتليفون ومواقع التواصل على الأقل من المغرب للفجر … وقسّم وقتك ونوّع لنفسك ، صلّ.. فإن تعبت فاقرأ القرآن.. فإن اُجهدت فسبح.. فإن فرغت فادعُ .. فإن قرب الفجر فاستغفر الله إنه كان غفارا .
فلنجتهد …. فلنجتهد….

فالمحروم –والله — من فرّط في ليلة القدر.. ليلة العزّ… ليلة الكنز… ليلة الفوز .. فإنما الأعمال بالخواتيم ..فإننا إذا لم نحسن الاستقبال ..لعلنا تحسن الوداع .

2- كثرة الدعاء والتضرع إلى الله

فليلة القدر كما ذكرنا آنفا سُمّيت هكذا لأنها تُقدّر فيها مقادير العباد السنوية ( فيها يُفرق كلّ أمر حكيم ) فالمولى – سبحانه وتعالى – كتب على الإنسان نوعين من الأقدار
أقدار أزلية
أقدار مُعلّقة
مثال …إذا كتب الله لك قدرًا سيئًا للسنة القادمة (وفاة ابن _ فشل في زواج .فسخ خطوبة…حادثة سيارة ..الخ)… وصرت تدعو بإخلا‌ص في ليلة القدر بالتوفيق والسعادة والعافية والنجاة …فإنّ الله عز وجل يأمر الملائكة أن يمسحوا الصحيفة التي كُتب فيها الشقاء ويكتبون لك ما طلبت ( يَمحُو اللهُ مَا يشاء ويُثبِت وَعِندَهُ أُمُّ الكِتاب)
يقول أحد الصالحين ( ما أدَمت الدُّعاء في رَمضان على أمرٍ إلا وتَجلّى ظاهرًا في شوّال).

3- خير صيغة للدعاء في هذه الليلة
عن ﻋﺎﺋﺸﺔ رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ، ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ وافقت ﻟﻴﻠﺔُ اﻟﻘﺪْﺭِ، ﻣﺎ ﺃﻗﻮﻝ ﻓﻴﻬﺎ؟ ﻗﺎﻝ: ((ﻗﻮﻟﻲ: اﻟﻠﻬﻢ ﺇﻧﻚ ﻋﻔﻮٌّ ﺗﺤﺐ اﻟﻌﻔﻮَ ﻓﺎﻋﻒُ ﻋﻨﻲ) رواه احمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح .
هذا الدعاء هو أعظم الأدعية وأنفعها وأشملها
لأن الله عز وجل إذا عفا الله عنك..
أفلحت .. ونجوت.. وسعدت…
يقول إبن القيم رحمه الله :
إذا كنت تدعُو و ضاق عليك الوقت و تزاحمت في قلبك حوائجك فاجعل كل دُعائك أن يعفو الله عنك…. فإن عفا عنك أتتك حوائجك من دون مسألة…
استشعر مايتضمنه معناها حيث أن العفو هنا :
عفو في الدين ، وعفو في الابدان ، وعفو من الديان ،
– فعفو الأبدان : شفاؤك من كل داء.
– وعفو الدين : توفيقك في الخير ، والعبادة ، والطاعات ،
وكل أعمال الآخرة …
– وعفو الديان : الصفح والعفو والغفران من الله العفو الكريم المنان بمحو الذنب والتجاوز عنه وترك العقوبة عليه…
ومن معاني العفو في اللغة: الزيادة ، والكثرة، فعفو المال زيادته: { يسألونك ماذا ينفقون قل العفو } أى ما زاد عن النفقة الاصلية….
فعفوه بأن يعطيك ما تسأل…. وفوق ما تسأل…
فأكثروا من هذا الدعاء…
خصوصا في رمضان وعشره الأخيرة.

كيف نعلم موافقتنا لليلة القدر ما الواجب علينا حينئذ

هناك علامات و أشارت إ ليها ، آيات سورة القدر وبعض المرويات كنزول الملائكة وحصول السلام والأمن في هذه الليلة وطلوع شمس يومها بيضاء لا شعاع لها ولكن لا يشترط فيمن يوفق لها أن يرى ذلك بل المعيار الأرجح في ذلك ما ينازل القلب من فيوضات وتجليات في تلك الليلة ,قال بعض العارفين ليلةُ *قَدرِكْ * هي لكَ وحدك فلا تبحث عنها في إحساس أو رأي أو أجتهاد أحد ، فإن “أحسستَها” فإنها يقيناً “هي” . ستشعرُ بنسمةٍ تلفحُ برفقٍ روحَكَ وحدَكْ . ستحيا سلاماً وهدوءًا بينما يرى الجميعُ الضجيجَ حولهم ، وستغزلُ الشمسُ خيوطاً ذهبيةً في أفقِ عينيك ، وإن تصببت منها جباهُ الآخرينَ عَرقاً ، هيَّ ليلتُكْ وحدك فلا ترهق نفسك بما رأوه ، أوما أجمعوا عليه أو إختلفوا فيه ، لا تَغُص في العلاماتِ التي يراها أو لا يراها الآخرون ، فهيَّ شعورٌ بالقربِ في لحظةٍ تغيبُ فيها عن المادةِ ، عن العلاماتِ والمعايير ، وأنَّى للمشاعرِ أن تضبُطَها المعايير .

وينبغى على من وفقه الله عز وجل لموافقة ليلة القدر أن يشغل نفسه بشكر الله عز وجل لا بالحديث عما رأى فالانشغال بذكر المنعم والثناء عليه أولى من الانشغال بالحديث عن النعمة ، وكذلك لا يحدث أحدا بما رأى – إلا شيخا مربيا أو محبا صادقا – وذلك حتى لا يقع في الحسد من الأقران، قال تعالى ( يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا )
اللهم بَلِغنا هذه الليلة كما تُحب وترضى ولاتحرمنا أنوارها وأسرارها وتجلياتها بتقصيرنا يارب العالمين
اللهم إنكَ عفوٌ تحبُ العفو فاعفُ عنا ياكريم

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..د. عطية لاشين ووقفة مع قوله سبحانه “ياأيهاالنبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا”