الإثنين , سبتمبر 21 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد المراحي يكتب..غزوة بدر الكبرى وعشق سوادِ بن غزية رضي الله عنه !!

د.أحمد المراحي يكتب..غزوة بدر الكبرى وعشق سوادِ بن غزية رضي الله عنه !!

في كل عام تهل علينا شمس رمضان المبارك ،وتحمل بين أشعتها المشرقة أنوار النصر والفرج مع ذكرى غزوة ( بدر ) الكبرى ،يوم الفرقان ،عندما نقرأ وننعش أرواحنا بأنوار هذه الغزوة التي كانت مدرسة نتعلم من مواقفها الدروس والعبر ..ومن المواقف المشعّة بالحب النبوي والتعلّق المصطفوي  :

ما أخرجه ابن إسحاق في ” السيرة ” و من طريقه أبو نعيم في ” معرفة الصحابة ” و ابن الأثير في ” أسد الغابة ” .

قال ابن إسحاق : و حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه :

عدل رسول الله صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله في بطنه بالقدح وقال: “استوِ يا سوادُ بن غزية”. قال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق، فأقدني. قال: فكشف رسول الله عن بطنه، ثم قال: “استقد”. قال: فاعتنقه وقبَّل بطنه. فقال: “ما حملك على هذا يا سواد؟” فقال: يا رسول الله، حضر ما ترى فلم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدك. فدعا له رسول الله بخير، وقال له خيرًا”

ماهذا الجمال ؟!

ماهذا الكمال ؟!

ما هذا الحبّ ؟!!

ماهذا العشق ؟!!

ماهذا الهُيام ؟!!

في وقت الحرب ،وفي أول غزوة للمسلمين — مع قلة عددهم وعتادهم — أمام المشركين في المدينة المنورة ،يغتنم هذا الصحابي الجليل — روحي له الفداء — الغنيمة الكبرى ،والفوز الأكبر ،والنصر الأجلّ ،والفوز الأكيد ،يغتنم بركة مس الجلد الأشرف الأنور الأقدس ، الجلد النبوي الأكرم ، يمس ( البطن الشريف) على صاحبه الصلاة والسلام ، لما علمَ من هيبة الحرب وشدتها ،وقدر الله له أن يمسه قدح المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ فسارع ولم يفكر إلا في الحب ،والعشق ،وأن يترجمه حسًّا ،كما ذاقَ جمال معناه ،فما تاقتْ نفسُه قبل شرف الشهادة إلا أن يترجم عشقه لمعشوقه-  عليه الصلاة والسلام- وأن يكون آخر عهده من الدنيا — إن قدر الله له الاستشهاد — أن ينالَ ذلك الشرف الأقدس !!

هنيئا لك سيدي سوَاد صاحب بياض القلب الأنور ،والحب الأكبر !

هذا هو حب صحابة النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – لصاحبهم ،حبٌّ يغشاه الجمالُ والجلالُ ،حبٌّ يغشاه الكمالُ والوقار ، حبٌّ لم يقف عند التشريع وحسب ؛ بل تعداه في محاكاة كل الشؤون النبوية ،والأحوال المصطفوية — على صاحبها الصلاة والسلام — وكانوا يستحضرون في أنفسهم أنَّ تتبُّعَهم لأفعاله (ديانةً وعبادةً) يتقربون بها إلى الله. ولا يمكن أن يوصف تأسِّيهم به بالغلو والتشدّد، فضلا عن أن يوصف بالابتداع والضلال!!

فهذا هو سيدنا عبدالله بن عمر بن الخطاب — رضي الله عنهما — وَهُوَ مَن هُوَ في مرتبة الصحبة والرواية ،المشهور بين الصحابة — رضي الله عنهم — بالعاشق المتتبع للآثار النبوية .

وروى أبو نعيْم من رواية خارجة بن مصعب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، قال : لو نظرتَ إلى ابنِ عمر إذا اتبعَ أثر النبي – صلى الله عليه وسلم – لقلتَ : هذا مَجنون !!!

ما أجملَ هذا الجنونَ ، الذي أخذتْ الآثارُ المحمديةُ عقلَه ولبّهُ ، لم يوصف سيدنا عبدالله ابن عمر — رضي الله عنهما — بهذا الوصف إلا لشدة محبته وهيامه ووجده في الاتباع والاقتداء والتأسي !

 

لم يخالف نصّاً — وحاشاه — لم يترك هديًا وأنَّى له ذلك ؟وهو الراوي الثقة في حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو المحدث الفقيه ،وابن الخليفة الثاني العادل الفاروق سيدنا  عمربن الخطاب — رضي الله عنه — ، كان ابن عمر من أكثر الناس اقتداءً بسيرة النبي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، ومن أكثرهم تتبُّعًا لآثاره. كما كان قبلة لطُلاّب الحديث والفتاوى في المدينة المنورة، وطلاّب العطايا لما عُرف عنه من سخائه في الصدقات، والزهد في الدنيا.

وقد روى ابن سعد :عن عائشة ، قالت : ما كان أحد يتبع آثار النبي – صلى الله عليه وسلم – في منازله ، كما كان ابن عمر  يتبعه.

ومن أجمل المواقف وأطرفها وأدقها في الحب والتعلق والعشق  ما روي من  طريق أبي مودود ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ، ويقول :((( لعلَّ خُفًّا يقعُ على خُف))) – يعني : خف راحلة النبي- صلى الله عليه وسلم – .

انظروا يامن تتكلمون عن المبالغة ،والغلو ،الإفراط . هذه هي عقيدة ذلكم الصحابي سيدنا عبدالله ابن عمر — رضي الله عنهما — يرجو في محبته وتتبعه لآثار محبوبه أن يقع خفّ راحلته على خف راحلة محبوبه !!!!

هل تراني — بعد إذ — أَتَوانَى في محبتي ؟؟! أَتَوانَى في عشقي ؟؟! أَتَوانَى في هُيَامي ؟؟! لا وربّ المحبوب صلى الله عليه وسلم .

ولكني أهمسُ في أذن المحب العاشق، وأقول له : إذا أردتَ المحبة والعشق فاجعل نصب عينيك قوله تعالى :

(( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) فالاتباع والاقتداء هو شرط المحبة ،وكلما اجتهدتَ في الاتباع والاقتداء كنتَ محبّا صادقاً .

وكذلك اجعل نصب عينيك قوله تعالى :(( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))

وأخيرا أردد معك قول القائل — لله درُّه — :

لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ ***** إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

اللهم  ارزقنا كمال الاتباع والاقتداء لسنة سيد الأنبياء — عليه الصلاة والسلام — حتى نكون صادقين في محبتنا وعشقنا وهيامنا لحضرته الشريفة ،واجعل هذه المحبة توصلنا إلى مرضاتك يارب العالمين ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل ،والحمد لله رب العالمين .

 

                                                                                 د/ أحمد المراحي

                                                                                 عضو هيئة التدريس

                                                                               جامعةالأزهر الشريف

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

د.أحمد البصيلي يكتب..إتقان العمل فريضة إسلامية وضرورة إنسانية

ظهر في هذا الزمان مصطلح ( الجودة ) الجودة النوعية – الجودة الشاملة، وجعلوا لذلك …