الأربعاء , سبتمبر 30 2020
الرئيسية / رمضان / د.أحمد البصيلي يكتب..رمضان شهر السكينة لا للعصبية في رمضان

د.أحمد البصيلي يكتب..رمضان شهر السكينة لا للعصبية في رمضان

شهر رمضان رحلة إيمانية، ومدرسة روحية، نتعلم فيها معنى السكينة التي ينزلها الله في قلوب المؤمنين الصائمين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، إننا نتربي في مدرسة الصوم على المعاني الراقية والرقيقة.. على الحلم والأناة في التعامل مع بني الإنسان، بل مع كل المخلوقات، فهو شهر الرحمة، وشهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر يزداد فيه رزق المؤمن..

إن السكينة من أعظم عطاءات الله في شهر رمضان؛ إذ إنها عطاء خاص من الله للأصفياء من عباده.. نعم.. إنك تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

إن السكينة معناها أن أراك في وسط الشدائد متحملا وراضيا، وبين مدلهمات المصائب مبتسما وهادئا، وفي أحلك أمواج بلاءات الدنيا مطمئنا وواثقا؛ ذلك لأن الله أيدك بالسكينة، فدخلْتَ دائرةَ معيتِه من أوسع أبوابها، فينزل الله لك من جنوده ما يعينك على اجتياز مصاعب الحياة ومتاعب الأحياء.. ” وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ “.

خاسر من تحول عصبيته بينه وبين سكينة هذا الشهر المعظم، لقد خاب وضل، واتبع هواه، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

إن الصوم شرعه الله ليكون من أعظم روافد هدوء البال وطمأنينة القلب وضبط التعاملات على أساس الحلم والعفو والرحمة، وشهر رمضان من أعظم الفرص التي بها يتدارك الإنسان ما فاته من كنوز الخير ومفاتح الرزق، ولا سبيل إلى هذا الاستثمار الإيماني في شهر رمضان بالعصبية والسب والشتم، والأدهى والأشد: تبرير كل هذه الانحرافات بأن الصيام هو المتسبب فيها.. للأسف، هنا انعكست الآية وانقلبت الحقيقة، فبدلا من أن نجعل من الصوم نبراس هداية وهدوء – كما أراده الله أن يكون – ، فلقد جعلناه مبررا لنواقض السكينة ومضادات الرحمة.. فكفى بذلك ضلالا في السعي وسوءا في الوعي..

جميل أن تستعد “ماديا” لهذا الشهر الفضيل، حتى تستطيع أن تصل رحمك، وتُسعدَ أقاربَك، وتكرم ضيوفك، وتسعى بين الناس جابرا للخواطر ليقيَك ربك في الظُّلَمِ شرَّ المخاطر.. هذا مقبول وطبيعي جدا.. لكن ليس مقبولا على الإطلاق في منطق العقل والشرع ألا تستعد “نفسيا وروحيا” لاستقبال نفحات وإشراقات هذا الشهر الأغرّ، الذي جعله الله بالأساس موسم “الروح”، ومحطة تهيئة “النفس” لتحلّق برُوحانياتها في الملإ الملائكي الأعلى ترفرف عليها رايات الرضا من الله..

نعم.. لقد جعل ربك شهر رمضان فرصة عظيمة لتنتصر على شهواتك، وتفك نفسك من قيود نزواتك، لتتحرر روحك من أصفاد المادية البالية، وأغلال الحيوانية البائسة، فلا تسمح لنفسك – وأنت في شهر رمضان – بأن تبقى في هذه القيود، بل تحلل منها فورا، وتشريعات ربك في رمضان خير معين لك في أن تجعل هذا الشهر بوابة الخروج من سجن الشهوات وربقة الشبهات.. وهذا بالطبع يتناسب طرديا مع مدى استعدادك الروحي لاستنشاق نسائم الخير والبركة في هذا الشهر الكريم..

ياخادم الجسم كم تسعى لخدمته *** أتطلب الربحَ مما فيه خسران؟!!

أقبل على النفس واستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

جاء في «إحياء علوم الدين» أن الحسن البصري مر بقوم وهم يضحكون فقال: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته ، فسبق قوم ففازوا ، وتخلف أقوام فخابوا ، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون ، وخاب فيه المبطلون ..

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء ، وكان أبو هريرة يقول: إذا كنت صائما فلا تجهل ولا تساب ، وإن جُهِل عليك فقل: إني صائم ..

نعم.. شهر رمضان شهرُ إصلاح القلوب من أمراض الحسد، والحقد، والغشّ، والخيانة، والشّحناء والبغضاء، ومن التّهاجر، والتّقاطع، وعودتها إلى فطرتها الحقيقة؛ وقد جاء في الحديث: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ حَرَ الصَّدْرِ»

ينبغي علينا أن نثمن ونستثمر هذا الشهر المبارك المليء بالنور بحيث لا يمر علينا يوم من أيامه على الإطلاق دون أن ينزل ضيف على مائدة إفطارنا. أجل، لا بد من إثراء موائد الإفطار بكثرة الضيوف وتنوعهم أكثر من إثرائها بكثرة الطعام. فقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) كما تعلمون:

“طَعَامُ الاثنينِ كافي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَلاثَةِ كافي الأَربعَةِ”

إن مثل هذا الأسلوب في التصرف طريق دبلوماسي مهم من أجل ردم الفجوة وإزالة الجفوة بين مختلف شرائح المجتمع، وتجاوزِ الأحكام المسبقة. فالحقيقة أن هناك كثيرا من المشكلات يتعذر حلها بالقوة والشدة، ولا يُتغلب عليها بالوحدات العسكرية المدججة، ويمكنُ حلّها بهذا الطريق.

لكنه ومع الأسف عاش الناس في عصرنا محرومين من جماليات الإسلام، فلم يلمسوا السلوكيات والأخلاق الإسلامية.. إن أهم مهمة ملقاة على عاتقنا هي الكشف لهم عن الإسلام الحقيقي من خلال بنيتنا الأسرية، والعلاقة بين الأب والأم والأولاد عندنا، ومن خلال ولائمنا وكرمنا. فإن كان البعض يرى الإسلام “عدوا وإرهابا” فالسبيل إلى إزالة هذا هو مخالطتهم وتأسيس علاقة وثيقة بيننا وبينهم. ومن ثمّ ينبغي أن يقوم المسلمون في هذا الشهر المبارك بتحقيق هذا الأمر بشكل معقول وفقا لما يستلزمه موقعهم أيا كان هو، مع الأخذ بالشورى والعقل والمنطق والعقلانية.

إن شهر رمضان من كل عام يعتبر زائرا كريما، يّعلمنا فضائل عديدة ويزرع فينا خصالا حميدة ، أهمها الصبر والحلم والتأني بالتعامل فيما بيننا ، ذلك أن الصوم لا يعني فقط الامتناع عن الطعام وانما هو تهذيب للنفس وتدريب للتعامل السليم مع الاخرين، القائم على المحبة والتفاهم وضبط النفس.

هيا بنا أيها القارئ الكريم، نسعد وننعم بعطاء الله الواسع، في هذا الشهر الجامع، إنه شهر الصوم والصبر والرحمة والمغفرة والعتق من النيران، شهر الانتصارات والبطولات والأمجاد وجميل الذكريات، شهر مضاعفة الأجر والرزق والهبات، شهر إجابة الداعي وإنابة الواعي ومكافأة الساعي.. كيف لا؟! وهو – كما أخبر حبيبك رسول الله – عليه الصلاة والسلام –  شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم -: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ومن أشبع فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة”.

فاللهم ياربنا خذنا إليك منا، وامنحنا رضاك عنا، ولا تحرمنا خير ما عندك لسوء ما عندنا، وأعنا ربنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

 

    

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الشيخ محمد جمال الدين ولقاء فقهي من باب “من ابتاع سلعة”