الأحد , نوفمبر 29 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يجيب.. ما حكم الدعاء للميت على القبر بعد الدفن جهرًا؟

د.إبراهيم شعبان يجيب.. ما حكم الدعاء للميت على القبر بعد الدفن جهرًا؟

لا خلاف بين العلماء في سنية واستحباب الدعاء على القبر للميت بعد الدفن مباشرة، وقبل أن ينصرف الناس، وقد ثبت في الحديث الصحيح عند الإمام أبي داود (3221) وغيره عَنْ سيدناعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه أنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: “اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ”.
وفي صحيح الإمام البخاري (1327) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نعى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي صاحب الحبشة، يوم الذي مات فيه، فقال: «استغفروا لأخيكم».
وفي صحيح الإمام مسلم (121) من وصية سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه: “فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي”.
فالدعاء لم يختلف العلماء في مشروعيته ولا في استحبابه بعد الدفن، وجاء الأمر به على جهة الإطلاق في نصوص كثيرة، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: سرًّا، ولم يقل: جهرًا.
ثم رأينا بعض الناس من متعصبي زماننا يحكمون بالبدعة على من وقف يدعو على القبر بعد الدفن ويؤمِّن الناس من خلفه على دعائه.
فإذا ما سألته: لمَ تقول: بدعة، ردَّ قائلًا: السنة أن يكون الدعاء سرًّا.
ولا أدري ما مصدر كلامه هذا؟! وعمن تلقَّفه؟!
ولي على هذا الفهم المغلوط عدة ملاحظات:
الأولى: لم يرد قط في نصٍّ صحيح ولا ضعيف ـ على حسب علمي ـ يقول بوجوب أو استحباب الدعاء على جهة الإسرار، وبالتالي فصار إنكاره من جهة فهْمِهِ هو، لا من جهة النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الوارد عن السلف الصالح.
الثانية: قوله بأن يكون الدعاء سرًّا صار من أكبر الصوارف التي تصرف الناس عن الدعاء بعد الدفن، إذ معظم الناس لا يجيدون الدعاء، ولا تسمو هممهم للصبر هُنيهة على الدعاء بعد الدفن، فصار تركُ الدعاء من أحد العلماء أو الشيوخ يجعل الناس يعزفون عن الدعاء، وبالتالي يهجرون السنة.
أما إذا وقف أحد الشيوخ ودعا وأمَّن الناس على دعائه، فقد فاز بتطبيق السنة والحرص عليها، وتحبيب الناس فيها.
الثالثة: سنفرض ـ جدلًا ـ أن السنة في الدعاء على القبر أن يكون سرًّا، إلا أن الناس يتناسون تلك السنة إذا لم يجهر بها أحدهم، فهل يصح الجهر في موطن الإسرار على جهة التعليم أم لا؟! نقول: جمهور أهل العلم يُجَوِّزون الجهر بالطاعة في موطن الإسرار إذا كان المقصد دلالة الناس على السنة، ولفت أنظارهم إليها، وقد رَوَىَ الإمام البخاري في صحيحه (1335) عن ابن عباس: أنه صلى على جنازةٍ فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها سُنَّةٌ.
فحبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما يجهر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، مع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يجهر بها، ولكن ليُعَلِّمَ الناس أنها سنة ثابتة، والمسألة معلومة في كتب الفقه على المذاهب الأربعة.
الرابعة: دعوى أن الجهر بالدعاء على القبر لم يرد، دعوى كاذبة وغير صحيحة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (4080) عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، شَهِدَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: “فَأَظْهَرُوا الِاسْتِغْفَارَ – فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَنَسٌ، قَالَ هُشَيْمٌ: قَالَ خَالِدٌ، فِي حَدِيثِهِ – وَأَدْخَلُوهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ”، وَقَالَ هُشَيْمٌ مَرَّةً: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، فَشَهِدَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، “فَأَظْهَرُوا لَهُ الِاسْتِغْفَارَ”.
قال الشيخ الساعاتي في الفتح الرباني (8/58): ” أي: دعوا للميت بالمغفرة جهرًا عند إدخاله في القبر، وهو جائز؛ بل مستحب، ويؤيد ذلك أحاديث وآثار وردت في الدعاء للميت عند إدخاله في القبر ستأتي في زوائد الباب، أما المكروه فهو الجهر بالاستغفار له أو الذكر أو نحو ذلك حين تشييع الجنازة والسير بها”.
وبهذا يُعلم أن الدعاء على القبر سنة ثابتة، ولا يضرنا الإسرار فيها أو الجهر، بل المهم أن يحرص إخواننا من الأزهريين خاصة على تطبيق تلك السنة الغائبة، وألَّا يبالوا بإنكار المنكرين، أو إعراض المعرضين، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..الشيخ إيهاب يونس يبدع في (فرحَ الزَّمانُ اليومَ حَان الموعد)