الأحد , نوفمبر 29 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يجيب.. هل يجوز إهداء ثواب الأعمال الصالحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كقراءة القرآن والحج والعمرة ونحو ذلك؟

د.إبراهيم شعبان يجيب.. هل يجوز إهداء ثواب الأعمال الصالحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كقراءة القرآن والحج والعمرة ونحو ذلك؟

منع بعض العلماء من العلماء وحجتهم: أن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه ليس محتاجًا منا إلى مثل هذا الدعاء أو القرآن أو الصدقات، وأن أعمالنا واصلة إليه فعلًا دون طلب منا أو دعاء له، وقد توسع في تأكيد هذا الرأي العلامة الحطاب في مواهب الجليل (2/544).
والجمهور من أهل العلم على جواز ذلك أو استحبابه، مع الاعتراف والإقرار بهذا، على حدِّ قول البوصيري: والمرء في ميزانه أتباعه … فاقدُرْ إذًا قدر النبي محمد.
ومع قولنا بهذا نجزم أن الرسول المكرم والنبي المعظم ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ليس في حاجة إلى دعائنا ولا إلى أعمالنا، بل نحن المفتقرون إلى جنابه وإلى شفاعته صلوات ربي وسلامه عليه، ولكن إهداء الثواب له لا شك أنه واقع من أمته محبة له، ورفعة في درجته، كما نصلي ونسلم عليه فنقول: “اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد”، وذلك لأن شرفه ومقامه وإن كان عاليًا مفخمًا جليلًا فإنه يقبل الزيادة من الرفعة والتشريف والتكريم، حتى قال الحافظ ابن حجر في الفتاوى الحديثية (صـ 13) وهو يؤكد على استحباب الإهداء لحضرته الشريفة: “اعلم يَا أخي ـ وفقني الله وَإِيَّاك ـ أَن نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ أشرف الْمَخْلُوقَات وأكملهم فَهُوَ فِي كَمَاله وزيادته أبدًا مترقٍّ من كَمَال إِلَى كَمَال، إِلَى مَا لَا يعلم كنهه إِلَّا الله تَعَالَى، وَلَا مُحَال فِي تزايد كَمَاله وترقِّيِه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه بعد كَونه أكمل الْمَخْلُوقَات، وَنحن نطلب لَهُ الزِّيَادَة فِي الْكَمَال إِلَى تِلْكَ الدرجَة الَّتِي لَا يعلم كنهها إِلَّا الله”.
وينقل الحافظ ابن حجر في الفتاوى الحديثية (صـ13) عن شيخ الإِسلام زكريَّا الْأنْصارِيّ أنه سُئِلَ عن واعظٍ قَالَ: لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لقارئ الْقُرْآن والْحَدِيث أَن يهدي مثل ثَوَاب ذَلِك فِي صَحَائفِ سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه أفتى المتقدمون والمتأخرون.
فَأجَاب شيخ الإسلام: بِأَن مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْوَاعِظ الْقَلِيل الْمعرفَة يسْتَحق بِسَبَبِهِ التَّعْزِير الْبَالِغ بِحَسب مَا يرَاهُ الْحَاكِم من نَحْو حبسٍ أَو ضربٍ، ويثاب زاجرُهُ، وَيَأْثَم مساعده على ذَلِك”.
وهذا ينبئ عن ضعف قول من منع ذلك دون النظر إلى أدلة الشرع وعمل السلف الصالح، وإليك بعض ما ورد في ذلك ردًّا على من زعم عدم وروده عن السلف:
1 ـ روى البخاري في صحيحه برقم (6010) وغيره من أصحاب السنن أن أعرابيًّا دعا وهو في الصلاة، فقال: “اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا”.
وروي أيضًا أن أعرابيًّا قال ذلك خارج الصلاة، ولم ينكر عليه المصطفى دعاءه له، فكان تقريرًا منه لجواز ذلك وعدم حظره، وما أجازه في حياته هو جائز كذلك بعد انتقاله.
2 ـ ثبت في الحديث الذي رواه أبوداود (2790)، والترمذي (1495)، والحاكم (7556) وغيرهم أن سيدنا رسول الله وصَّى عليًّا رضي الله عنه أن يضحيَ عنه، فكان سيدنا علي يضحي بكبشٍ عن نفْسِهِ وبآخر عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه لما سئل عن ذلك قال: “أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضحيَ عنه، فأنا أضحي أبدًا” صححه الحاكم ووافقه الذهبي وغيره.
3 ـ ثم توراد عمل السلف على هذا فقد روى الإمام البخاري في التاريخ الكبير عند ترجمة التابعي الجليل هرم بن حيان رقم (2700) أن سيدنا قتادة السدوسي قال: صليتُ عن عَمْرو بْن هرم بعدما دُفن”.
ويروي الخطيب البغدادي في تاريخه (12/ 110) عن سيدنا الإمام الحافظ العابد الثقة علي بن الموفق المتوفى 270 هـ أنه قال: “حججت على رِجْلَيَّ ستين حَجَّة منها عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثين.
قَالَ أَبُو العباس السرَّاج: فأنا أقتدي بعلي بْن الموفق، حججتُ عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع حجج، وضحيت عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مئة وسبعين أضحية، وقرأت القرآن عَن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سنة ستين اثني عشر ألف ختمة- أو دونه بقريب- وجعلت أعمالي كلها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ويروي ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام الحافظ أبي العباس الثقفي المشهور بالسرَّاج المتوفى 313هـ كما في السير (14/ 393): ” وُلِدتُّ سنة ثماني عشرة ومئتين، وختمتُ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اثني عشر ألف ختمة، وضحيتُ عنه اثني عشر ألف أضحية.
ثم يُعَلِّقُ الحافظُ الذهبيُّ قائلًا: “قلتُ: دليله حديث شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش، قال: رأيت عليًّا – رضي الله عنه – يضحي بكبشين …” الحديث.
وكان الحافظ العابد أَبُو إِسْحَاق المزكِّي رضي الله عنه يقول: “إني قد اقتديت بأبي العباس، حججت عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع حجج، وختمت عنه سبع مئة ختمة”.
ونص على ذلك من أئمة الحنابلة المَجْدُ ابن تيمية وابن عقيل، فقال المجد كما في الإنصاف (6/262): “يُسْتَحَبُّ إهْداءُ القُرَبِ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وبنحوه قال ابن عقيل كما في كتابه: «الفُنونِ»: يُسْتَحَبُّ إهْداءُ القُرَبِ، حتى للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم”.
وجاء في حاشية الجمل (4/67): “وما ادَّعاه بعضهم من منع إهداء القرب للنبي – صلى الله عليه وسلم – ممنوع مخالف لما عليه المحققون”.
وعقد خاتمة المحققين العلامة ابن عابدين في حاشيته (2/244) مطلبًا بعنوان: “مطلب في إهداء ثواب القراءة للنبي – صلى الله عليه وسلم -“، ثم قال: “وقول علمائنا: “له أن يجعل ثواب عمله لغيره” يدخل فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر، وإسداء جميل له، والكامل قابل لزيادة الكمال، وما استدل به بعض المانعين من أنه تحصيل الحاصل؛ لأن جميع أعمال أمته في ميزانه.
يجاب عنه: بأنه لا مانع من ذلك، فإن الله – تعالى – أخبرنا بأنه صلى عليه، ثم أمرنا بالصلاة عليه، بأن نقول: اللهم صلِّ على محمد، والله أعلم”.
وهذا وغيره ينبئك عن قبول هذا وممارسة أهل الصلاح له، وأن ذلك نابع من شدة محبتهم للجناب النبوي الكريم، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبيًّا عن قومه، ورسولًا عن دعوته ورسالته، وارزقنا اللهم شفاعته ومرافقته، اللهم آمين آمين.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..الشيخ إيهاب يونس يبدع في (فرحَ الزَّمانُ اليومَ حَان الموعد)