الثلاثاء , سبتمبر 29 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب.. الحياة الأسرية في هدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

د.أحمد البصيلي يكتب.. الحياة الأسرية في هدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

لا توجد حياة أسرية بدون مشكلات, فلم يخل بيتمن المشكلات الزوجية, حتى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من البشر وخيرهم وأكرمهم عند الله وسيد الخلق وهو معصوم من الخطأ, وأما زوجاته أمهات المؤمنين فلسن بملائكة ولا معصومات من الخطأ ولكنهن زوجات خير البرية، وقد أجرى الله بعض المشكلات في بيت النبي لنتعلم كيف نتعامل معها لو حدثت.

ولولا ذلك ما أنزلت سورة الطلاق وذلك عندما طلق النبي صلى الله عليه وسلم السيدة حفصة ابنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, وذلك حتى يتم تشريع أبغض الحلال عند الله الطلاق، هذا القانون السماوي رحمة من عند الله بالعلاقات الزوجية المستحيلة، بخلاف التشريعات الأخرى التي لم تقر الطلاق, ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك, ما حدث لحبيبة زوجة ثابت بن قيس، عندما ضربها فكسر بعضها، فجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, فقالت: لا أنا ولا ثابت، فقال: أتردين عليه حديقته، فقالت: نعم، فطلقها.

وما ورد عن كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع الخلافات الزوجية, فقد حدث خلاف بين النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها فقال لها: من ترضين بيني وبينك.. أترضين بعمر؟ قالت: لا أرضي عمر قط “عمر غليظ”.

قال أترضين بأبيك بيني وبينك؟ قالت: نعم، فبعث رسول الله رسولاً إلى أبي بكر فلما جاء قال الرسول: تتكلمين أم أتكلم؟ قالت: تكلم ولا تقل إلا حقاً، فرفع أبو بكر يده فلطم أنفها، فولت عائشة هاربة منه واحتمت بظهر النبي، حتى قال له رسول الله: أقسمت عليك لما خرجت فإنّا لم ندعك لهذا. فلما خرج قامت عائشة فقال لها الرسول: ادني مني؛ فأبت؛ فتبسم وقال: لقد كنت من قبل شديدة اللزوق (اللصوق) بظهري – إيماءة إلى احتمائها بظهره خوفًا من ضرب أبيها لها، ولما عاد أبو بكر ووجدهما يضحكان, قال: أشركاني في سلامكما، كما أشركتماني في دربكما”.

ولقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أمر رسول الله في البيت فقالت:« كان في مهنة أهله وإذا حضر وقت الصلاة قام فصلى, وكان صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه ويخيط نعله بيده.

وقد ثبت من هديه صلى الله عليه وسلّم أنّه كان يستشير زوجاته ومن أشهر المواقف عندما استشار أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد كانت راجحة العقل نافذة البصر.. ففي الجامع الصحيح للإمام البخاري من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه في قصة الحديبية, وفيها قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا “، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.

فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحَرَ بُدْنَك وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً” .

وقد أوضح الحسن البصري ما يؤخذ من هذه الواقعة‏،‏ من شرعية استشارة النساء‏،‏ فقال‏:‏ إنْ كان رسول الله لفي غنى عن مشورة أم سلمة‏،‏ ولكنه أحب أن يقتدي الناس في ذلك‏،‏ وأن لا يشعر الرجل بأي معرّة في مشاورة النساء‏.‏

إن القوامة فى مفهومها الصحيح هى قيادة حكيمة ورعاية مسئولة, قال صلى الله عليه وسلم:« اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف “. (رواه مسلم).

وقد وضع الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في سورة النساء قانونا هاما في علاج المشاكل الزوجية وحل لقضايا الأسرة, فقال تعالى:« الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”, الآية نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء، وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ فقال: أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لتقتص من زوجها “، فانصرفت مع أبيها ] لتقتص منه فجاء جبريل عليه السلام [ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا.. هذا جبريل أتاني بشيء “، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير”.

فالشرع جعل الضرب للزوجات المرحلة الأخيرة في التأديب بشرط أن لا يكون ضربا مبرحا أو في الوجه, فعن جَابِرٍ رضي الله عنه قال: نهى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الضَّرْبِ في الْوَجْهِ. (رواه مسلم).

ومن علامات حبه صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها, كان يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص على أن يشرب من الجهة التي شربت منها, وكان ينام في حجرها وهي حائض ولا يتأفف منها, وأخبر أن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام, وهي التي كانت تغار عليه حبا.

وأثناء مرضه صلى الله عليه وسلم الأخير، حين اقترب ساعة اللقاء بربه وتفيض روحه إلى الرفيق الأعلى، لا يجد نفسه إلا طالباً من زوجاته أن يمكث ساعة احتضاره في بيت عائشة، ليموت بين سحرها ونحرها، كما في الحديث عن عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليتفقد يقول أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري”, إن ذاك حبا أسمى وأعظم من أن تصفه الكلمات أو تجيش به المشاعر.

ومهم جدا المجاهرة بالحب والاعتراف به بين الزوجين وأمام الأخرين, حيث نجد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يجاهر بحبه لزوجاته أمام الجميع, فعن عمرو بن العاص أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك ؟, قال: عائشة، فقلت من الرجال؟ قال: أبوها”. (رواه البخاري).

وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مؤمنة إن كَرِهَ منها خُلُقًا رضي منها آخَرَ “,(رواه مسلم). قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: أي ينبغي أن لا يبغضها لأنه إن وجد فيها خُلقا يُكره وجد فيها خُلقا مرضيا بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك “.

ومن أجمل قصص الصبر على قضاء الله والرضا بقدره في الحياة الزوجية ما رواه أنس قال: اشتكى ابن لأبي طلحة (أي: مرض) فمات، وأبو طلحة خارج البيت، ولم يعلم بموته، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيَّأتْ شيئًا ونَحَّتْهُ (أبعدته) في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة، قال: كيف الغلام؟ قالت: هو أهدأ مما كان، وأرجو أن يكون قد استراح.

فظن أبو طلحة أنه شفي، ثم قربتْ له العشاء، ووطَّأتله الفراش فجامعها، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمتْه بموت الغلام، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:« لعله أن يبارك الله لكما في ليلتكما). فرزقهما الله ولدًا، وجاء من ذريته تسعة أولاد، كلهم قَرَءُوا القرآن وحفظوه. [رواه البخاري].

وبالنسبة لموضوع الغيرة فمنها المحمود ومنها المذموم, فالمحمود منها من علامات الحب, فالغيرة غريزة طبيعية من غرائز المرأة التي جبلت عليها، وهذا شيء لم تسلم منه أية امرأة مهما بلغت من الدين والتقوى، ولو سلمت امرأة من هذا لكان أولى بذلك أمهات المؤمنين الطاهرات, فعن عروة أن ‏ ‏عائشة زوج النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حدثته ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خرج من عندها ليلا قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع فقال:‏ ‏ما لك يا ‏ ‏عائشة ‏ ‏أغرت فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال: رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أقد جاءك شيطانك قالت يا رسول الله أو ‏ ‏معي شيطان قال نعم قلت ومع كل إنسان قال نعم قلت ومعك يا رسول الله قال نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم. (صحيح مسلم بشرح النووي)

فالمرأة إذا ضعفت ثقتها في زوجها، تبادر إلى ذهنها أن في حياته امرأة أخرى، فتقيس كل تصرفاته وانفعالاته وفق نظرتها، وتتحول حياتها إلى جحيم! وإذا فقد الزوج الثقة في زوجته، أحال حياتها إلى عذاب وحياته أيضاً.. إنه يراقبها في كل وقت، ويفتش في أحوالها وخصوصياتها، وربما يفاجئها في أوقات لا تعتادها منه، فلعله يجد ما يدعم به شكه وما يبرر تصرفاته معها، وبذلك تنهار الأسرة، والسبب هو فقدان الثقة بين الزوجين, نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً أن يخونهم، أو يلتمس عثراتهم. (رواه مسلم)

ومن أخطر المشكلات نشوز المرأة وخروجها عن طاعة الزوج بدون سبب ولا عذر شرعي وكفرانها العشير, وإعلانها العصيان والتمرد على الزوج, فعن‏ ‏أبي سعيد الخدري‏ ‏قال: خرج رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء ‏تصدقن فإني ‏رأيتكن‏ ‏أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن ‏اللعن‏ ‏وتكفرن ‏العشير‏ ‏ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب ‏ ‏للب ‏الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى.قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها”. (رواه البخاري).

وبيّن الإسلام للمرأة أن حق الزوج الشرعي مقدم على حق الله فلا تنشغل عنه بعمل أو عبادة, فعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرأة لا تؤدي حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها وهي على ظهر قتب لم تمنعه نفسها.(رواه الطبراني في الكبير)

وعن أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “إذَا دَعَا الرّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ”.(سنن أبى داود كتاب النكاح)

فالمرأة الناكرة للمعروف المضيعة للعشرة حري أن يسلب الله عز وجل نعمتها, ولتتذكر تلك الزوجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” ولا ينظر الله إلى إمرأة لا تشكر زوجها ولا هي تستغني عنه “. (رواه النسائي)

والحل لهذه المشكلة في طاعة الزوجة لزوجها ابتغاء مرضات الله في كل ما يرضي الله وليس في المعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, فطاعة الزوج من طاعة الله ورضى الزوج من رضا الله, قال صلى الله عليه وسلم: المرأة إذا أطاعت زوجها وصلت فرضها وصامت شهرها وأدت حق ربها قيل لها أدخلي من أي أبواب الجنة شئت “.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لو كنت امراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”.(رواه الترمذي), وينبغي أن تؤدى الطاعة بكل حب ليس باعتبار ذلك ضعفا واستكانه بل هو الود والتكامل والوصال.

وينبغي العلم أنه عندما يجعل الزوج الضرب متنفسًا للمشاعر السلبية والغضب والانفعال، فهو يجمع بذلك بين الألم النفسي والجسدي للزوجة ويؤثر على علاقتهما الجنسية، وهو الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم, فقال: “لا يجلد أحدكم زوجته جلد البعير، ثم يجامعها آخر اليوم” [رواه البخاري]. وهنا تحدث الجفوة النفسية والبعد فيما بينهما، والتي تكون سببًا مباشرًا للتباعد بين الزوجين، وإن جمعهما سقف واحد وفراش واحد، وحتى لو أدى كل منهما حقوقه وواجباته.

وفي لحظة حدوث المشكلة تجد أن ما يزيد في لهيب الصراع وحدة النزاع وتطوره السب والشتم واللعن والغضب والانفعال, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليس المؤمن بالطعان، ولا بالعان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء.

فليمسك الإنسان العاقل لسانه، فاللعن والسب والشتم هو متنفس العاجزين، وبوابة إشعال فتيل المشكلات في البيوت.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. الحبيب عمر الجيلاني: نحن أمة أكرمها الله بالنبي صلى الله عليه وسلم