الأربعاء , فبراير 26 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب.. إنجاب الإناث بين سلطان القدر وطغيان البشر

د.أحمد البصيلي يكتب.. إنجاب الإناث بين سلطان القدر وطغيان البشر

إن تفضيل إنجاب الذكور على الإناث من الأمية والجهل بمكان، غير أنه منازعة للقدر، واعتراض صريح على قسمة الله، وفوق ذلك هو اتهام لله في حكمته.. إنه مؤشر جاهلي خطير على تزييف الوعي واغتيال المشاعر.. وهذا ناجمٌ عن سلطان العادات الجاهلية والتقاليد الباطلة، وكل ذلك لا أصل له في الشرائع، كما ترفضه الفطرة السليمة والطبائع المستقيمة.

إنه وأد للبنات في ثوب جديد، وظلم واضطهاد للمرأة بنتا وأما وزوجة.. إنه تطرف من نوع قاتل، يفتك بنسيج الأسرة، وينذر المجتمع بالخطر الداهم.. ومن مظاهر ذلك: تقدير الرجل داخل أسرته وبين أبناء عمومته وأقاربه إذا أنجب ذكورا يحملون اسمه من بعده ويرثون ما يتركه لهم من زرع وأموال وعقارات يعتبرونها في حكم الإهدار إذا ذهبت إلى البنت بالميراث الشرعي، بذريعة استحواذ زوجها الغريب عليها.. خاصة إذا كان من خارج العائلة.

لقد وصل الجهل بالبعض أن يذهبوا إلى الدجالين والعرافين اعتقادا منهم بأن لديهم حل لهذه المشكلة التي حسمها العلم ومن قبله الوحي بأن المؤثر فيها هو الله وحده وليس الرجل وليست المرأة، لكن لا تزال هناك بعض العائلات التي تتمسك ببعض التقاليد البالية القديمة في إنجاب الذكور ويعتبرون ذلك “عزوة” ومفخرة وسندا.. ولديهم استعداد في تبديل زوجاتهم أكثر من مرة بل يمكن للرجل أن يطلق زوجته بسبب عدم إنجاب الذكر الذي ربما يكون فاسدا في نهاية المطاف وسببا في إهدار ممتلكات والده الذي يحرص أن تذهب اليه.

تلك المعاناة التي تحكيها امرأة عربية منذ قديم، عندما فارقها زوجها لإنجابها البنات وكان يكنى بأبي حمزة..فأنشدت تلك الأبيات:

ما لأبي حَمزةَ لا يَأتينا

                   يَظلّ في البيتِ الّذي يَلينا

غَضبان أَن لا نلدُ البَنينا

                      تَاللَّه ما ذلكَ في أَيدينا

وَإنّما نَأخذُ ما أُعطينا

                    وَنَحنُ كَالأرضِ لِزارِعينا

ننبتُ ما قَد زَرعوهُ فينا

والذي يثير العجَب انتشار تلك الأمثال الشعبية التي يتخذها البعض دستورا لحياته بديلا عن منهج الله، مثل ” يا جايبة البنات يا شايلة الهم للممات”، وأيضاً  ” يا أبو البنات ما تعوزها مسيرها لبيت جوزها، وكقولهم: “لما قالوا هذي بنية اتهدت الحيطة عليا ، ولما قالوا هذا ولد اتشد ظهري واتسند”...الخ.

إن هذه السلوكيات والاعتقادات فوق أنها جهل بوّاح، تنُمُّ عن ضعف واضح في الإيمان، وعلى شرخ عميق في العلاقة بالله، وبعد ذلك فهي تدمير للأسرة وللأولاد جميعا..

إنها قضية عقل ودين، اهتم القرآن الكريم بمعالجتها في أكثر من موضع، يقول تعالى: وقال: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8-9).

ويقول سبحانه: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(سورة النحل)، والمعنى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى أي أخبر أحدهم بولادة بنت .ظل وجهه مسودا أي متغيرا ، وليس يريد السواد الذي هو ضد البياض ، وإنما هو كناية عن غمه بالبنت . يتوارى من القوم أي يختفي ويتغيب . من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت، أيمسكها وهي مهانة عنده . على رغم أنفه أم يدسها في التراب ، وهو ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية، وقد كان بعض القبائل يدفنون البنات أحياء، كقبيلة مضر وخزاعة; وأشدهم في هذا قبيلة تميم .زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن ، كما في تفسير القرطبي وغيره.

فلا جرم أن حسم الله هذه القضية بأسلوب قاطع، حيث قال: (يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما).

إن هذه العادات دعوة للعنصرية في ثوب آخر، ونوع من أنواع العنف ضد المرأة.. رغم ما حققته من تقدم في الفكر والتقدم في جميع المجالات منذ عهد النبوة وحتى عصرنا المعيش..

ففي صدر الإسلام كانتْ أمهات المؤمنين وعدد من كبار الصحابيات من روَّاد الحركة العلميَّة النِّسائية، وكانت حُجُرات عدد من أمَّهات المؤمنين الفُضْليات مناراتٍ للإشعاع العلميّ والثَّقافي والأدبي، وتأتي أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – في الذّروة والمقدمة فكانت من الفصيحات البليغات العالمات بالأنساب والأشعار، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستمع منها إلى بعض ما ترويه من الشعر. وتَروي بعض الآثار أنَّ عائشة عندها نصف العلم؛ لذا كانت مقصد فقهاء الصحابة عندما تستعصي عليهم بعض المسائل العلميَّة والفقهيَّة، خاصَّة فيما يتعلَّق بِجوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة تحثُّ سائلها ألا يستحيي من عرض مسألته، وتقول له “سل فأنا أمك”، وقد أخذ عنها العلم حوالي (299) من الصحابة والتابعين، منهم (67) امرأة.

أمَّا أمّ سلمة – رضي الله عنها – فكانتْ كما وصَفَها الذَّهبيُّ “من فقهاء الصحابيات”، وممن روى كثيرًا من الأحاديث عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنها كثير من الصحابة والتابعين بلغوا حوالي (101)، منهم (23) امرأة. وتتعدد أسماء الصحابيات والتَّابعيات اللاتي اشتهَرْنَ بالعلم وكثرة الرواية، وتحفل كتب الحديث والرواية والطبقات بالنساء اللاتي روين ورُوِيَ عنهنَّ الحديث الشريف، مثل: أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأسماء بنت عُمَيْس، وجويرية بنت الحارث، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش، رضي الله عنهن. ولم يغفل كبار كتاب الطبقات الترجَمة للمرأة المسلمة خاصَّة في الرواية، فمحمد بن سعد ذكر كثيرًا من الصحابيات والتَّابعيات الراوياتفي كتابه الطبقات الكبرى”، و”ابْنُ الأثير” خصَّص جُزءًا كاملاً للنساء في كتابه أُسْد الغابة” وفي كتاب “تقريب التهذيب” لابن حجر العسقلاني ذكر أسماء (824) امرأة مِمَّن اشتهرن بالرواية حتى مطلع القرن الثالث الهجري.

وقد أشار القرآن لبني آدم في مواقع عديدة (إلى الرجال والنساء معا منها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  

فالمرأة مكلفة مع الرجل من الله جل جلاله في النهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  

والمرأة على درجة واحدة مع الرجل في التكريم والإجلال عند الله  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا  

وقدسية حياة المرأة والرجل على مرتبة واحدة من المكانة والصون عند الله  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا  

والمرأة منبت البشرية ومنشئة أجيالها  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  

والمرأة في الزواج سكنا ومصدرا للمودة والحنان والأمومة  وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  

وأناط الله بالرجال والنساء على السواء مهمة تكاثر السلالات البشرية وتعارفها وتعاونها ، وإقامة الأسرة باعتبارها الوحدة البنائية الأولى والأساس في إقامة المجتمعات البشرية ، من غير تمايز بينهم على أساس الجنس او اللون او العرق .. والعمل الصالح وتحقيق الخير للناس هو مادة التنافس بينهم ، وهو معيار التفاضل بينهم عند ربهم  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  

ومسؤولية الحياة وتصريف شؤونها ورعاية مصالح العباد تقع على عاتق الرجل والمرأة سواء بسواء وبما اختص به كل منهما من واجبات  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ   وفي حديث « كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها“، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا   وفي الحديث «إنما النساء شقائق الرجال»

والشورى والتشاور والتناصح مسؤولية مشتركة بين الرجالوالنساء  وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ   وفي السيرة تجاوز المسلمون أخطر أزمة في بداية تاريخ الإسلام يوم صلح الحديبية بحكمة امرأة ومشورتها وهي أم المؤمنين أم سلمةرضي الله عنها.

فلقد كرم الإسلام المرأة وأنصفها وحماها كإنسان. وأنثى، وبنت، وزوجة، وأم. فهي قسيمة الرجل، لها ما له من الحقوق، وعليها أيضاً من الواجبات ما يلائم فطرتها وتكوينها، وعلى الرجل بما اختص به من شرف الرجولة وقوة الجلد أن يلي رياستها فهو بذلك وليها، يحوطها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده. قال الله تعالى “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌتلك هي درجة الرعاية والحياطة، لا يتجاوزها إلى قهر النفس وجحود الحق.

وحظيت المرأة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجمل تكريم حينما جعل النبي صلى الله عليه وسلم خير المؤمنين الذي يعامل أهله بكل معروف وخير، حيث قال خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ولما ضُربت امرأة على عهده عليه الصلاة والسلام، غضب من ذلك، فعن عبد الله بن زمعة قال وعظ النبي صلى الله عليه وسلم في النساء فقال: يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يعانقها آخر النهار“.!! ولما جاءت نساء يشكون أزواجهن! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم

وقد قامت المرأة بدورها في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، حتى إن أول صوت ارتفع في تصديق النبي عليه الصلاة والسلام وتأييده، كان صوت امرأة هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأول شهيد في الاسلام كان امرأة، هي سمية أم عمار بن ياسر، رضي الله عنهما.

حتى إن منهن من قاتل مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في أحد وحنين وغيرهما، وحتى جاء في تراجم البخاري: (باب غزو النساء وقتالهن).

وفي عصرنا الحاضر نرى منهن الوزيرات والسفيرات والطبيبات والأساتذة في الجامعات ورؤساء للوزارات.. إلا أن المرأة يكمن دورها المقدس وقيمتها العليا في استقرار الأسرة ورعاية الأطفال.. إن بناء مستقبل الأمة يبدأ بدور الأم في تنشئة الأجيال ذكورا وإناثا، ولعمري لهو أنبل وأعظم دور تقوم به الأم كما قال الشاعر أحمد شوقي: الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق.

إن اعتبار الذكور أفضل من الإناث نوع من الخلل الفكري والاجتماعي الذي ينمو بطريقة عشوائية، وستظل محاولات المصلحين مهددة بالفشل ما دامت تلك الثقافات العفنة تعيش في أذهان البعض، يؤسسون عليها بيوتهم، وينشئون عليها أولادهم، وينطلقون منها وكأنها مرجعيتهم المعصومة.!

إن التطليق بسبب إنجاب الإناث حرام، وافتراء على الله قبل خلقه، لأن البنات نعمة من نعم الله ـ عز وجل ـ علينا، متى ما قمنا بما افترضه الله علينا من الإحسان إليهن، ومن المعلوم أن العرب في الجاهلية كانوا لا يحبون البنات، ويترقبون الذكور، للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم في حياتهم وحروبهم، أما البنت فكانوا لا يحبونها، وكان عدم حبهم لها والخوف من عارها يحمل بعضهم على كراهتها بل على قتلها ووأْدِها، حتى بعث الله سيدنا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجرَّم وحرم هذه الفِعلة الشنعاء وهي وأد البنات، فعن ‏المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه‏ ـ أن النبي ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏‏قال ‏: «‏إنَّ الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، وَمَنْعاً ‏‏وهات،‏ ‏ووَأد ‏البنات، وكَرِهَ لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (رواه البخاري).  قال ابن حجر في ” فتح الباري”: قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ووَأدَ البنات» ‏‏هو دفن البنات بالحياة، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة فيهن.

وعن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ‏ ‏قال: ‏قال رسول الله ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏: «مَنْ وُلِدَتْ له ابنةٌ فلم يئِدْها ولم يُهنْها، ولم يُؤثرْ ولَده عليها ـ يعني الذكَرَ ـ أدخلَه اللهُ بها الجنة» (رواه أحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).

ولم يكتفِ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنهي الشديد عن وأد البنات، بل جاء معتنياً بهن، بغية تصحيح مسار البشرية وإعادتها إلى طريق الإنسانية والرحمة، وتكريماً للبنات وحماية لهن، وحفظاً لحقوقهن، بل وأمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحاديث كثيرة بالإحسان إليهن، ووعد من يرعاهن ويحسن إليهن بالأجر الجزيل والمنزلة العالية، ومن ذلك : عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «مَنْ عال جارتين (بنتين) حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه» (رواه مسلم). 

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (دخلتْ امرأةٌ معها ابنتانِ لها تسأَل (فقيرة)، فلم تجدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ، فأَعطيتُهَا إيَّاها، فَقَسَمَتْهَا بينَ ابنتيْها ولم تأكُلْ منها، ثم قامتْ فخرجتْ، فدخلَ النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ علينا فأخبرته، فقال: «من ابْتُلِي من هذهِ البناتِ بشيٍء كُنَّ لهُ سِترًا من النار».(رواه البخاري).

وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «مَن عال ابنتينِ أو ثلاثًا، أو أختينِ أو ثلاثًا، حتَّى يَبِنَّ (ينفصلن عنه بتزويج أو موت)، أو يموتَ عنهنَّ كُنْتُ أنا وهو في الجنَّةِ كهاتينِ – وأشار بأُصبُعِه الوسطى والَّتي تليها» (رواه ابن ماجه). 

وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «مَنْ كان له ثلاث بنات فصبَرَ علَيْهِنَّ، وأطعَمَهُنَّ وسقاهُنّ، وكساهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ (سعته وطاقته)، كُنَّ لَهُ حجاباً مِن النارِ يومَ القيامة»، وفي رواية الترمذي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم يحدد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عددا من البنات، فقال: «مَن ابتُلي بِشَيءٍ من البناتِ فصبرَ عليهِنَّ كُنَّ له حجاباً من النَّار».  قال النووي: ” قوله ـ صلى الله عليه وسلم-: «من ابتلي بِشَيءٍ من البناتِ» إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلاء لأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ في الْعَادَة وَقَالَ اللَّه تعالَى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم} (النحل: 58).

وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «مَن كان له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَوات، أو ابنتان أو أُختان، فأحسَن صُحبتَهنَّ واتَّقى اللهَ فيهنَّ َفلهُ الجنَّةَ» (رواه الترمذي).  وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث: ( أو ) للتنويع لا للشك، ففي رواية جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «مَن كان له ثلاثُ بناتٍ يُؤدِّبُهنَّ ويرحَمُهنَّ ويكفُلُهنَّ وجَبَت له الجنَّةُ ألبتةَ، قيل يا رسولَ اللهِ: فإن كانتا اثنتينِ؟، قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعضُ القوم أن لو قال: واحدةً، لقال: واحدة» (رواه أحمد).

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله علي وسلم ـ: «ليسَ أَحَدٌ من أمتي يعولُ ثلاثَ بنات، أو ثلاثَ أخوات، فيُحْسِنَ إليهنَّ إلا كُنَّ لهُ سِترًا من النارِ» (رواه الطبراني). 

وفي هذه الأحاديث – وغيرها كثير – تأكيد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حق البنات على آبائهم أو من يقوم على تربيتهن، وذلك لما فيهن من الضعف غالباً عن القيام بمصالح أنفسهن، وليست القضية طعاماً ولباساً وتزويجاً فقط، بل أدباً ورحمة، وحسن تربية واتقاءً للهِ فيهنَّ، فالعَوْل في الغالب يكون بالقيام بمئونة البدن، من الكسوة والطعام والشراب والسكن والفراش ونحو ذلك، وكذلك يكون في غذاء الروح، بالتعليم والتهذيب والتوجيه، والأمر بالخير والنهي عن الشر، وحسن التربية.. وبذلك يُعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط، بل المراد ما هو أعم وأعظم من ذلك، كالإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا “.

لقد أحدث الإسلام ثورة أخلاقة واجتماعية، وتحولا فكريا إلى النقيض تماما، في قضية إنجاب الإناث..

لقد جاء الإسلام والمجتمع ينظر إلى الإناث على أنهن عبءٌ ينبغي التنزه بل التنازل عنه والتبرؤ منه، إلا أن الإسلام صحح هذا المفهوم وعدّله إلى أن يراها الرجل صاحبة فضل عليه، وبابا واسعا من أبواب الرزق، وسبيل فسيح للوصول إلى الله والقبول لديه، وضمان أمين لدخول جنة عرضها السماوات والأرض، إلى حدّ أن جعل رسول الله مقياس رجولة الرجال بمدى إحسانهم إلى زوجاتهم وبناتهم، فخير الرجال من أحسن إليها، وشرهم من أساء إليها، كريم القوم من يكرم أهله “خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي ، لا يكرمهن إلى كريم، ولا يهينهن إلا لئيم، يغلبن كلَّ كريم، ولا يغلبهن إلا لئيم، ولأن أكون كريما مغلوبا أحب إليّ من أكون لئيما غالبا..

لقد جعل رسول الله من رُزق ببنت أو بنتين يطير فرحا وابتهاجا؛ لأنه صادف قدرُه قولَ رسول الله عليه الصلاة والسلام: “من عال جاريتين دخلتُ أنا وهو في الجنة كهاتين”. (وضمّ السبابة إلى الوسطى) وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ابتلي بشيء من البنات فصبر عليهن كُنَّ له حجابا من النار”.

وأختم بقول القائل:

أحبّ البنات، فحبّ البـنـات *** فرضٌ على كلّ نفسٍ كريمه

لأن شعيباً لأجل الـبـنـات *** أخدمه الله موسى كلـيمـه

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

إقرأ..من أوراد سيدي أحمد بن إدريس ليوم الاثنين

الحزْبُ الْأَوَّلُ (الْمُسَمَّي بِالنُّورِ الْأَعْظَمِ وَالْكَنْزِ المُطَلْسَمِ وَلَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ …