الثلاثاء , سبتمبر 29 2020
الرئيسية / سلايدر / حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؟

حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؟

يجيب د.إبراهيم شعبان:

صح في الحديث عند البخاري وغيره: “فَإنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا”.
فقرر النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً أن لكل طائفة أو دينٍ عيدًا يسمونه باسم عندهم مثل: النيروز (الميلاد)، والمِهْرجان، والفصح، والقيامة … ونحو ذلك، وأنهم يفرحون فيه، ونحن كذلك مطالبون بالفرح في أعيادنا، لكن هل يجوز تهنئتهم أم لا؟.
وفي بيان هذه المسألة لا بد من التفرقة بين عدة أمور مهمة:
1 ـ لا خلاف بين العلماء أنه لا تجوز تهنئة غير المسلمين من المحاربين، أي من قام بينك وبينهم قتال، أو من يعتدون على المقدسات والأوطان، فهذا مما لا أعلم فيه خلافًا، ومودة هؤلاء ليس من الدين في شيء.
2 ـ لا خلاف بين العلماء أن التهنئة إذا وقعت من المسلم لغير المسلمين على جهة الإقرار بصحة معتقدهم ورفع أقدارهم أنها كفر، يجب على المسلم أن ينزِّهَ نفسه عنه، لأن عقيدتنا صافية في الله تعالى، وفي رسله الكرام، وفي قضايا الغيب، بخلاف عقائد غيرنا، وليس معنى التهنئة الإقرار قط، فقد سمح الإسلام لغير المسلمين بتطبيق شعائرهم بحرية مطلقة، بل يتكفل الحاكم المسلم ببناء دور العبادة لهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وليس معنى ذلك الإقرار لهم أو عليهم.
3 ـ يخلط كثير ممن يتكلمون في المسألة بين التشبه بغير المسلمين في أعيادهم، وبين حكم التهنئة، فالتشبه بطقوسهم وعاداتهم (مع قصد التشبه) شيء متفق على حرمته أو كراهته على حسب كلام الفقهاء في التشبه، وذلك للنصوص الواردة في ذم التشبه، وهو عام في العيد وغيره، أما تهنئتهم فشيءٌ آخر غير التشبه، فتنبَّه، ولا تخلط بين المسألتين.
4 ـ ليس يوم الميلاد ولا غيره من الأعياد عند غيرنا معظَّمٌ في شريعتنا، أي: ليس له قدسية كعيد الفطر والأضحى، بل هو يوم اجتماعي كغيره من أيام الله تعالى، وليس له ميزة على غيره من الأيام، والفرح به أو الاحتفاء به ليس شرعيًّا بل لقيام العرف والواقع بذلك ومثله عيد تحرير سيناء، عيد الأم، عيد العمال، فهذا ونحوه لا يحظره الشرع، طالما أنه لا يترتب عليه مخالفة.
5 ـ تكاد تجتمع نصوص العلماء حول مسألة حضور احتفالاتهم بالحرمة، ويعللون حرمة الحضور؛ لما يشتمل عليه احتفالهم من الخمر والمحرمات والذبح لغير الله تعالى ونحوه، وشهود مثل هذه المجالس منهي عنه في شريعتنا، أما إذا كان الحضور لا يشتمل على ذلك فلا شك بزوال الحرمة، وتبقى الكراهة أو الإباحة.
فهذه خمسة أشياء لا بد من إدراكها جيِّدًا قبل إصدار حكم في المسألة، وأتمنى ممن ينقل كلام العلماء في حكم التهنئة أن يدرك هذه الأمور الخمسة حتى يستطيع أن يفهم كلام الفقهاء، ويضعه في موضعه.
وهنا بقي لنا بيان شيءٍ أخير هو محل البحث، وهو حكم التهنئة مجردة عن كل ما ذكرنا، بمعنى أن تكون التهنئة من قبيل حسن الجوار، وإبراز فضل الإسلام وإحسانه إلى غير المسلمين عمومًا، ومن قبيل البر بغيرنا من إخواننا في البشرية والوطن، ومن قبيل المشاركة في الفرح لأمر اجتماعي ونحوه، وحول هذا المعنى نقرر أنه قد اختلف العلماء فيمن هَنَّأ غير المسلمين بأعيادهم مع عدم قصد التعظيم لدينهم ولا الإقرار بعقائدهم، وليس متشبهًا بشيء من طقوسهم الدينية ونحوها، وإنما من قبيل مجاملة الجوار، وحسن الصحبة، وإقرار الأمان، كأن نقول له: كل عام أنت بخير، أو عيد مبارك أو نحو ذلك.
فمنهم من حرم التهنئة بإطلاق، ومنهم من قال بكراهتها، ومنهم من تسامح فيها، وإليك شيئًا من أقوال الفقهاء في موافقة أهل الكتاب في أحكام أعيادهم من أكل ذبائحهم، وقبول الهدايا منهم، بل وإهداؤهم الهدايا في العيد.
فذهب المالكية في المشهور عنهم إلى الكراهة من غير تحريم في مسألة أكل ذبائحهم التي يذبحونها في أعيادهم فجاء عن الإمام مالك كما في (العتبية 3/272): “ما ذبحَ أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم وأعدّوه، فلا أحب أكله، ولست أراه حرامًا”.
وبنحو الأكل من ذبائحهم في العيد جاء في تقديم الهدية لهم في يوم عيدهم، ففي التاج والإكليل (4/319): “وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُهْدِيَ لِلنَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ”، فلو أنك أهديت له هدية ما كنت آثمًا بفعلك، ومعلوم أن الهدية أبلغ في المدح والثناء من القول.
وروي عن الإمام أحمد الكراهة والإباحة، قال ابن قدامة الحنبلي في (المغني 9/391): “فَرُوِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ؛ لِأَنَّهُ ذُبِحَ لِغَيْرِ الله.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ، وَسُئِلَ عَنْهُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَطْعِمُونِي، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَكَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ”.
أما عن التهنئة صراحة قال المجد ابن تيمية المتوفى 652هـ مبيِّنًا حكم المذهب في التهنئة والتعزية والعيادة كما في (المحرر 2/185): “وفي جواز تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان: …”، وحكاه ابن قدامة في الشرح الكبير (10/617)، فقال: “وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان) تهنئتهم وتعزيتهم تخرج على عيادتهم فيها روايتان: …”، والزركشي في شرحه على مختصر الخرقي (5/330)، وابن مفلح في (المبدع 3/377).
ونقل المرداوي في (الإنصاف 10/ 456) أن المشهور في المذهب قول الجمهور ثم قال: “… والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَحْرُمُ، فيُكْرَهُ، وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، في بابِ الجَنائزِ، ولم يذْكُرْ رِوايةَ التَّحْريمِ. وذكرَ في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن» رِوايَةً بعدَمِ الكَراهَةِ، فيُباحُ، وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»”.
ثم لا يخفى أن حكم العلماء الذين أفتوا بحرمة التهنئة إنما كان مقصدهم عدم مشاركة المسلم في احتفالات تقوم على مقصد ديني، بمعنى: أن الاحتفال عندهم يكون مصحوبًا بأنواع من المحرمات واللهو والخمور، وكذا الذبح للأصنام ونحوها، أما التهنئة لهم بعيدًا عن هذا كله فلا نرى وجهًا لتحريمها، وبما ذكرنا لك من نقول يتبين عدم صحة من قال: اتفق العلماء أو أجمع العلماء، ولا يصح الإنكارفي مثل ذلك، لأنه من الخلاف المعتبر، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الشيخ محمد جمال الدين ولقاء فقهي من باب “من ابتاع سلعة”