الأربعاء , فبراير 26 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..هل صح قول الإمام البسطامي: (سبحاني سبحاني ما أعظم شاني)؟

د.إبراهيم شعبان يكتب..هل صح قول الإمام البسطامي: (سبحاني سبحاني ما أعظم شاني)؟

للعلماء في هذا قولان مشهوران:
الأول: إثبات ذاك عنه، مع حسن الظن به وحَمْلهِ على محملٍ حسن.
قال الحافظ الذهبي (ميزان الاعتدال 2/346): ” ومن الناس من يصحح هذا عنه ويقول: قاله في حال سكره”، ونقل الصلاح الصفدي عن الإمام الرازي مثله في (الوافي بالوفيات 16/295) ونصه: “وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ: ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ: سبحاني مَا أعظم شاني، وَلَكِن لَا نظن بِهِ إِلَّا خيرًا”.
وحملوه على أنه قاله على جهة الحكاية عن الله تعالى وبه جزم حجة الإسلام الغزالي، أو قاله في حال غيبة وفناء، والقول في حال الغيبة والفناء لا يؤاخذ به الإنسان، لأنه خرج عن حالته الطبيعية إلى حالة أخرى تمامًا، فقد فنيت الأوصاف النفسانية ونحوها، وانشغل العبد بالله ـ تعالى ـ وبعبادته، وليس معنى الفناء ذهاب جسده كما توهم البعض، فيقول المؤمن الصادق في هذا الحال ما لا تنطوي عليه نفسه، كقول الرجل الذي نشد ضالته، وبعدما أيس من الحياة وجلس ينتظر الموت وجد ناقته تقبل عليه فقال كما في الحديث الصحيح: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”، فهذا خطأ ناتج عن شدة الفرح لا يؤاخذ به الإنسان، وإذا ما ذكرت صاحبه إلى مثل هذا أنكره.
ومثله جاء في قصة الرجل الذي أمر أولاده بحرقه بعد الموت فإنه قال لهم: ” فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّى لَيُعَذِّبَنِّى عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا”، قال الإمام البدر العيني في (عمدة القاري 25/ 136): “قاله وهو غير ضابط لنفسه، بل قاله في حال دخول الدهش والخوف عليه فصار كالغافل لا يؤاخذ به”، فهذا قول ناتج عن شدة الخوف لا يُقصد به حقيقته؛ لأن الجهل بقدرة الله تعالى كفر على الصحيح، فصح القول في حال الغلبة وهو ما يُسمى بحال السكر أو الفناء أو الغيبة.
وعن هذا الصنف يقول الحافظ السخاوي في (الجواهر والدرر 2/942): “لا يُقتدى بأقوال مِنْ هذا سبيلُه ولا بأفعاله، بل يُعذر على ما يصدر منه لكونه في حال غَيْبَةِ عقله الذي هو مناطُ التَّكليف”.
وقال العلامة المناوي في (فيض القدير 1/456): “وهذا وأشباهه إذا وقع من أولئك الأجلة الأكابر إنما يصدر عنهم في حال السكر، فلا يؤاخذون به كما نقل عن أبي يزيد البسطامي من نحو: سبحاني، وما في الجبة إلا الله”.
الثاني: يرى أن هذا من المنسوبِ كذبًا إلى أبي يزيد رضي الله عنه، قال حجة الإسلام الغزالي في (الإحياء 1/36): “وأما أبو يزيد البسطامي ـ رحمه الله ـ فلا يصح عنه ما يُحكى، وإن سُمع ذلك منه؛ فلعله كان يحكيه عن الله ـ عز وجل ـ في كلام يردده في نفسه، كما لو سُمع وهو يقول: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي} [سورة طه: 14] فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلَّا على سبيل الحكاية”. فها أنت ترى حجة الإسلام ينفي عنه هذا، وإن قاله فمحمول على الحكاية، وهذا من حسن الظن به.
ويرى الحافظ الذهبي ـ أيضًا ـ عدم صحة ذلك عنه، وإن قبله بعضهم وحملوه على محمل حسن فقال كما في (تاريخ الإسلام 6/345): “وقد نقلوا عنه أشياء من متشابه القول، الشأن في صحتها عنه، ولا تصحُّ عن مسلمٍ، فضلًا عن مثل أبي يزيد، منها: سبحاني”.
وعلى هذا: مكانة الرجل أعلى وأجلّ من الحكم عليه بعبارة موهمة، فهي غير صحيحة عند قوم، وهو ثابتة عند قوم ولها محمل حسن كريم، لا ينقص من قدره رضي الله عنه.
فأبو يزيد البسطامي كان من أهل الصلاح والولاية، مع التمسك بالسنة الشريفة وملازمة الهدي المحمدي الكامل، وهو صاحب المقولة المشهورة: “لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الشريعة”.
ويحكي الحافظ المناوي في (فيض القدير 1/271) عن سيدي ابن عطاء الله السكندري أنه قال: “وُصِفَ لأبي يزيد البسطامي رجل بالولاية فقصده، فخرج الرجل يتنخم في حائط المسجد، فرجع ـ أي البسطامي ـ ولم يجتمع به، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب الشريعة، فكيف يؤمن على أسرار الله تعالى؟”.
وجاء في (دليل الفالحين 5/50): “وقيل لأبي يزيد البسطامي: متى يكون الرجل متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا، ولا يرى أنَّ في الخلق من هو شرّ منه”.
حتى قال عنه السبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان 15/430): “كان أبو يزيد أفضلَ أهل زمانه، وأجلَّهم حالًا، له لسان في المعارف والتدقيق، وفي العلوم والمكاشفات، والفناء والبقاء لم يُسبَق إليه”.
وعلى هذا ينبغي أن نحسن الظن به وبأقواله، وأن نحملها على محمل حسن، يليق به وبمنزلته في العلم والزهادة، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

إقرأ..من أوراد سيدي أحمد بن إدريس ليوم الاثنين

الحزْبُ الْأَوَّلُ (الْمُسَمَّي بِالنُّورِ الْأَعْظَمِ وَالْكَنْزِ المُطَلْسَمِ وَلَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ …