الجمعة , نوفمبر 27 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..رأس سيدنا الحسين رضي الله عنه بمصر قولًا واحدًا وخلافًا محسومًا

د.إبراهيم شعبان يكتب..رأس سيدنا الحسين رضي الله عنه بمصر قولًا واحدًا وخلافًا محسومًا

لا يخفى على طالب علم أن هذه المسألة قد اختلف فيها العلماء من قبل اختلافًا كبيرًا، وعلى ذلك نقرر أنه لم يكن من حق أحدٍ كائنًا من كان أن ينقل الإجماع أو الاتفاق على أن رأس سيدنا الحسين بمصر، وليس من حق أحدٍ كذلك أن يجزم بأن رأس سيدنا الحسين ليست بمصر.
وذلك لأن الخلاف في المسألة خلاف قديم بين العلماء، وغاية القول: كان كل واحدٍ من العلماء يرجِّحُ قولًا يميل إليه ويعتقده.
ونحن نقرر هنا ثلاثة أشياء:
1 ـ أجمع المؤرخون وكُتَّابُ السِّيَرِ على أن الجسد الشريف مدفون بكربلاء مكان المعركة.
2 ـ اختلف المؤرخون في مكان الرأس على ثمانية أقوال: فقيل: دُفنت في كربلاء، وقيل: بالمدينة، وقيل: بعسقلان، وقيل: بالقاهرة، وقيل: بدمشق، وقيل: بالرقة، وقيل: بحلب، وقيل: بمرو.
والسبب في هذا الاختلاف ما تقرر عند كافة العلماء من أنها نُقلت غير مرة من مكان إلى آخر، ولعلَّ هذا هو السر في وجود عدد من الأضرحة للرأس الشريف، فكان كل مكان تُدفن فيه الرأس يُبنى عليه ضريح، حتى ولو نُقلت الرأس من هذا المكان فيما بعد.
3 ـ لا شك أن هذه الأقوال الثمانية منها القوي، ومنها الضعيف، ومنها الشاذ الغريب، ويمكن أن أنسب لك كل قول من هذه الأقوال إلى صاحبه، لولا ضيق المقام.
وأولاها بالقبول هو وجود الرأس الشريف بالقاهرة، مع الجزم أنها نقلت إلى الشام أولًا إلى مقر يزيد بن معاوية وهذا لا إنكار فيه، وبذلك جزم أكثر أهل العلم قديمًا وحديثًا، وممن جزم بذلك أو أشار إلى ذلك من المؤرخين والعلماء: ابن المأمون المتوفى 588هـ في (أخبار مصر)، وأبي الحسن الهروي 611هـ في (الإشارات إلى معرفة الزيارات)، وأبي الحسين ابن جبير المتوفى 614هـ في (رحلة ابن جبير)، وأبي عباس الشُّريشي المتوفى 619هـ في (شرح مقامات الحريري) وياقوت الحموي المتوفى 626هـ في (معجم البلدان)، وأبو بكر الدواداري المتوفى 645هـ في (كنز الدرر وجامع الغرر)، وسبط ابن الجوزي المتوفى 654هـ في (مرآة الزمان)، والحافظ المنذري المتوفى 656هـ في (التكملة لوفيات النقلة)، وتاج الدين ابن ميسَّر المتوفى 677هـ في (أخبار مصر)، وابن شداد الحلبي المتوفى 684هـ في (الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة)، وابن الوردي المتوفى 749هـ في (تاريخ ابن الوردي)، والعلامة السبكي المتوفى 771هـ في (طبقات الشافعية الكبرى)، وابن بطوطة المتوفى 779هـ في (تحفة النظار)، وابن دقماق المتوفى 809هـ في (الجوهر الثمين)، والقلقشندي المتوفى 821هـ في (صبح الأعشى)، والمقريزي المتوفى 845هـ في (المواعظ والاعتبار)، وأبي عبد الله الحِميرى المتوفى 900هـ في (الروض المعطار)، وابن إياس المتوفى 930هـ في (بدائع الزهور)، وغيرهم خلائق لا يحصون، ومن المتأخرين كذلك، ومنهم: شيخ الإسلام عبد الله الشبراوي، وشيخ الإسلام العطار، والعلامة الصبَّان، والمؤرخ الجبرتي، وعلي باشا مبارك، والإمام الأكبر عبد الحليم محمود، وشيخ المفسرين الشيخ الشعراوي، والشيخ الفقيه الجليل عطية صقر، وغيرهم خلائق لا يحصون.
فصار القول الذي يقرر وجود الرأس الشريف بمصر هو المقدَّم على غيره، بل وأصبح هذا القول هو المعتمد عند جمهور المؤرخين وأهل العلم، ويشهد له ما حدث في سنة 1175هـ حين أعاد عبد الرحمن كُتْخُدَا بناء الضريح الشريف مرة ثانية، أراد أن يتأكد من صحة وجود الرأس الشريف في محضر من الناس، فأتى بشيخين جليلين من علماء الأزهر الشريف وهما: الشيخ الجوهري شيخ الشافعية، والشيخ الملوي إمام المالكية، فنزلا إلى مكان الرأس ثم خرجا فأخبرا بما شاهداه، وهو كرسي من الخشب الساج عليه طشت ذهب فوقه ستارة خضراء، وداخلها الرأس الشريف، فانبنى على إخبارهم بذلك تحقيق هذا المشهد، وأوقف عليه عبد الرحمن كتخدا أوقافًا من وقتها.
وقد نُقلت الرأس الشريفة إلى مصر من عسقلان سنة 544هـ، تحت سلطة الأفضل ابن أمير الجيوش، حين ملك القدس، فدخل عسقلان، وكان مكان الرأس معروفًا فيها آنذاك، فأخرجه وعطَّره، حتى دخلوا به مصر، فحمله على صدره وسعى به ماشيًا إلى أن أحلَّه مقرَّه بالقاهرة المحروسة.
وفي هذا رد على من نفى وجود الرأس بمصر كابن تيمية، وابن كثير، مع أن المنصوص عليه قبلهما بخلاف ما جزما به، فجمهور المؤرخين على خلاف ما قاله القرطبي وابن تيمية وابن كثير، وصار واقع الوجود يشهد لصحة هذا حتى إننا نقرر ـ الآن ـ أنه من العبث العلمي إبراز الخلاف في المسألة من جديد، وينبغي أن يُعلم القطع والجزم بوجود الرأس الشريفة بالمشهد الحسيني الفخيم بالقاهرة المحروسة، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من احتفالات الساحة بمولد الحبيب..د. عطية لاشين ووقفة مع قوله سبحانه “ياأيهاالنبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا”