السبت , أكتوبر 24 2020
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..حياة الخضر عليه السلام

د.إبراهيم شعبان يكتب..حياة الخضر عليه السلام

الذي جعلني أكتب في هذا الأمر هو قول بعض المعاصرين: إن القول بحياة الخضر بدعة منكرة لم يقل بها إلا جهلة المتصوفة، فأفزعتني عبارته، وشممت فيها رائحة الجهل المطبق، وأنه خالٍ عن التحقيق العلمي للمسائل وإليك شيئًا من التفصيل:
يُجمِع السادة الصوفية وأكثر المحدِّثين على أنَّ سيدنا الخضر حيٌ لم يمت، وقد جزم بحياته عشرات من أئمة العلم كمحيي السنة الإمام البغوي، والمفسر الثعلبي، والحافظ ابن الصلاح، والإمام النووي، وابن تيمية في أحد قوليه، والتاج السبكي، والحافظ ابن حجر، والإمام البدر العيني، والحافظ السيوطي، وغيرهم خلائق.
وقد ذكرت لك بعض من قال بحياته من أهل الحديث خاصة حتى لا يُدّّعى أن هذا من خرافات الصوفية كما يدَّعي بعضهم زورًا وبهتانًا؛ بل جمهور المحدّثين الذين هم أعلم الناس بالأثر قد جزموا بحياة الخضر عليه السلام.
وقد قال بموته جماعة من المحدِّثين وغيرهم كذلك كالإمام البخاري، وابن الجوزي، وأبي حيان، وأبي بكر ابن العربي، وغيرهم.
ولكل فريق أدلته التي يستدل بها، وبينهما نقاش وردود ليس هذا موضع بسطها ومناقشتها، وليس فيها نصٌ صحيحٌ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالحياة أو الموت، ولو وُجد لارتفع الخلاف، وكلها أدلة ظنية محتملة.
والذي يقرأ بإنصاف وحيْدَة يُدرك صحة وتصويب القائل بحياته على القول الآخر، لأنه مبني على المشاهدة الصحيحة لكثير من السلف وكذا لما ورد من إثبات حياته عن جمهور أئمة المسلمين، وإليك بعض النصوص الورادة في المسالة.
جاء في صحيح مسلم في الحديث رقم (2938) في قصة الرجل الذي يخرج إلي المسيح الدجال وأنه خير الناس يومئذٍ، أنه الخضر، عن أبي إِسْحَاقَ: «يُقَالُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
وأبو إسحاق هو سيدنا إبراهيم بن سفيان راوي الكتاب عن الإمام مسلم، وكذا قال مِنْ قبله سيدنا معمر بن راشد التابعي الجليل، في جامعه في أثر هذا الحديث ونصه عن سيدنا معمر: “وَبَلَغَنِي أَنَّهُ الْخَضِرُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ ثُمَّ يُحْيِيهِ”، وهذا تصريح من تابعي جليل بحياة الخضر عليه السلام.
وروي إتيان سيدنا الخضر إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز حين بَشَّره بأنه سيلي أمر الأمة ويعدل، وهي قصة صحيحة مشهورة، قال الحافظ الذهبي في (تذكرة الحفاظ 1/90): “رواها يعقوب الفسَوي في تاريخه عن محمد بن عبد العزيز عن ضمرة وإسنادها جيد”. وهذا تصحيح من الحافظ الذهبي حياة الخضر عليه السلام ومقابلته لسيدنا عمر بن عبد العزيز.
وقال الإمام النووي (شرح مسلم 15/135): “جمهور العلماء على أنه حيٌّ موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه، وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشريفة، ومواطن الخير أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر”.
ولابن تيمية قولان أحدها: “الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا مَوْجُودًا، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ لَمْ يَخْرُجْ وَكَانَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ”.
فقد جاء في ترجمة أبي فرج الحنبلي نقلًا عن أبي الحسين الفراء: “ويقال: إنه اجتمع بالخضر ــ عليه السلام ــ مرتين، وكان يتكلم في عدة أوقات على الخواطر، كما كان يتكلم ببغداد أبو الحسن ابن القزويني الزاهد، وكان الملك تتش يعظمه، لأنه تم له مكاشفة معه … إلى أن قال: وكان ناصرًا لاعتقادنا، متجردًا في نشره، وله تصانيف في الفقه والوعظ والأصول.
قلت ــ أي الذهبي ــ: توفي في ذي الحجة، سنة ست وثمانين وأربع مئة، ودفن بمقبرة باب الصغير، وقبره مشهور يزار، ويُدْعى عنده” (سير أعلام النبلاء (19/53).
وقال العلامة المُناوي نقلًا عن سيدي ابن عطاء الله السكندري كما جاء في (فيض القدير 4/30): “وبقاء الخضر إلى الآن أجمع عليه هذه الطائفة، وتواتر عن أولياء كل عصرٍ لقاؤه، والأخذ عنه، واشتُهر إلى أن بلغ حد التواتر الذي لا يمكن جحده”.
وهذا وغيره يدلل على صحة ما ذهب إليه أهل الصلاح وجمهور المحدِّثين من أهل العلم قديمًا وحديثًا، وكما قالوا: “عدم العلم بالشيء لا يدل على عدم وجوده” وليس ذلك من المحال العقلي فقد ثبتت حياة سينا عيسى، وإلياس، والمسيح الدجال، والجساسة ، وإبليس ونحو ذلك كثير فيكون الخضر في زمرة من استثناهم الله تعالى.
ثم إن عدم رؤيتنا له ليس دليلًا على عدم الوجود، ومثله كمن نفى طلوع الشمس في يومه بحجة أنها لم تطلع في بلده، وغيره يراها ساطعة، فالحكم بالإنكار خطأ غير مقبول، واتهام السادة الصوفية بأنهم المبتدعون لهذا القول تجنٍّ على أهل الله تعالى؛ بل وعلى السلف الصالح، وطعن في أئمة الحديث الشريف، وها نحن قد أوردنا لك ما يدلل على ذلك من قول جمهور أهل الحديث الشريف والسلف الصالح؛ ليدرك الحق من أراد أن يدركه، ومن يوفقه الله إليه، اللهم وفقنا لإدراك الحق، واشرح صدورنا له يا كريم، آمين، والله أعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده..شيخ المبتهلين عبدالرحيم دويدار يبدع في “ميلاد الحبيب المصطفى”