الأحد , سبتمبر 27 2020
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..إزهاق الروح بين الأزمات النفسية والأحكام الشرعية

د.أحمد البصيلي يكتب..إزهاق الروح بين الأزمات النفسية والأحكام الشرعية

 

ليعلم القارئ الكريم أن المُقدِم على الانتحار قد خسر الدنيا والآخرة..

فأما خسارة الدنيا: فالمنتحر قد فقد رأس ماله وهو الحياة فإن الحياة هي رأس مال الإنسان بها يتاجر مع الله تعالى وبها يصلي ويصوم ويبيع ويشتري ويتزوج وينجب.

وأما خسارة الآخرة: فهي لأن المنتحر قد سد على نفسه باب التوبة واستحق العقاب الذي أخبرنا عنه سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ومات وهو مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر.

وأما ما يشاع من التعاطف باحتمال وجود ضغوط نفسية فهذا يهوِّن في النفس قضية الانتحار ويسهل وقعه على النفوس.

ليس هناك مصائب أعظم من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات فأي ضغوط نفسية أعظم من ذلك ومع ذلك فإن الله تعالى لم يرخص الانتحار وإنما دعانا إلى الصبر ووعدنا على الصبر: الأنس بالله بحصول الصلوات والرحمة من الله للصابر. “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)” (سورة البقرة).

ولو كانت الأزمات النفسية ترخص في الانتحار لما ترك الله تعالى إباحتها ولكن لمّا لم يذكر الله تعالى إباحة ذلك مع احتمال إصابة بعض الناس بأزمات نفسية دلنا على أن الإنسان مهما بلغ به الحال من السوء لا يباح له أن يقْدم على الانتحار.

وإذا كان الله تعالى أباح للمضطر الذي لا يجد الطعام المباح وخاف من الهلاك أباح له أن يأكل من لحم الخنزير حفاظا على رأس ماله وهو الحياة، فكيف يبرر بعض السطحيين قطع الحياة بوجود الضغوط النفسية.

ولعل القارئ الكريم يتساءل: هل المنتحر كافر ؟!

لا ليس كافرا بل مرتكب لكبيرة من أكبر الكبائر .

إنها أكبر من جريمة قتل الغير، التي رتب الله عليها العذاب الشديد.

١_لأن القاتل قد يتوب أو يقام عليه حد القصاص فيغفر الله له أما المنتحر فلا فرصة له ليتوب وهذا من اسوء علامات سوء الخاتمة أن يموت العبد علي كبيرة من أكبر الكبائر.

٢_لان القاتل غالبا ما يكون سبب قتله للغير عداوة بينهما أما المنتحر فالعداوة بينه وبين قضاء الله وقدره لأن انتحاره بسبب مصيبة في المال أو الأهل أو الولد أو النفس فضلا عن ضعف إيمان شديد باليوم الآخر، ولو كان ينعم بإيمان حقيقي لَعَلِم أن بعد الموت عذاب أو نعيم وأن الموت لا يعني العدم، وأن الدنيا بما فيها ومن فيها لا تعدو إلا أن تكون مرحلة من المراحل التي يمر بها الإنسان، فهي مرحلة وسط بين عالم الذر ودار الآخرة الأبدية، والذي ينتحر قد خسر دنياه وآخرته.!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) رواه البخاري ومسلم.

وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات . قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) رواه البخاري ومسلم.

ومع ذلك فإنه ينبغي الالتفات إلى شيء مهم، وهو الإجابة على هذا التساؤل: هل المنتحر كافر؟!

من المعلوم أن الانتحار من أكبر الكبائر على الإطلاق، وأن الوعيد الشديد عليه لا ينفك عنه، لكنّ هذا لا يسوّغ لنا أن نحكم بكفر من فعل ذلك، بل تجري عليه أحكام أموات المسلمين، من الغسل والتكفين والدفن في مقابر المسلمين، وغير ذلك من أحكام الميراث.. لكن لا يصلي عليه أكابر الناس في المجتمع مثل ممثلي الدولة، والمشهورين الذين يُلتفَت إلى حضورهم، والعلماء الذين يُقتدَى بهم.. وذلك زجرا لمن يفكر في الانتحار ولا يجوز إظهار الشفقة عليه لأن تعاطف الناس معه كارثة تهوّن الانتحار في قلوب الناس.

كما لا يجوز نشر حملات الاستغفار له علي مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام العام.

ويجب أن يعلم كل من يعلق ويتعاطف معه أن من انتحر فقد أغضب ربه أشد الغضب.

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو أحرص الناس على الناس وعلى المغفرة لهم من ربهم لم يُصلّ علي المنتحر، فلن تكون أنت ارحم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص منه علي أمته.

عن جابر بن سمرة قال : أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه . (رواه مسلم).

والمِشقص : سهم عريض له طرف حاد.

ومن أراد ان يستغفر له فليستغفر له بينه وبين نفسه. كما لا يجوز لنا أن نتهمه بالكفر، بل أمره مفوّض إلى ربه.

وفيما يلي بعض النصوص التي توضح ذلك:

١_قوله تعالي (إن الله لا يغفر  أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ومن المعلوم أن الانتحار ليس كفرا ولا شركا، لذلك فإن المنتحر تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وان شاء الله غفر له.

٢_هناك حديث صريح في أن الله غفر لعبد منتحر وأدخله الجنة بسبب أعماله الصالحة قبل ذلك

ففي صحيح مسلم (116) عَنْ جَابِرٍ : … فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ !! فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ . فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ).

إذن ما معنى خلود المنتحر في النار؟!

لعلماء أهل السنة في ذلك تأويلات في ذلك سأذكر بعضها:

١_إن الخلود في النار هنا معناه المكث الطويل في النار وليس الخلود الأبدي للكافرين.

٢_ معنى “حرمت عليه الجنة” أي لا يدخلها في أول الداخلين فهي محرمة عليه فترة كبيرة لبقائه في النار ثم يخرج من النار ويدخل الجنة.

وهل يُعذَر المنتحر إن كان مريضا نفسيا ؟!

الحق أن المرض النفسي يكون عذرا اذا فقد معه الإنسان عقله وصار كالمجنون فهنا يكون معذورا لفقدان عقله.

أما اذا لم يصل لهذه الدرجة وكان يفهم الخطأ من الصواب وأين يذهب ومع من يتكلم.. فلا شك أنه غير معذور.

وإن الإسلام يأمر بالحفاظ على النفس البشرية، بل جعلها من الضرورات الخمس التي يجب رعايتها، وهي: الدِّين والنَّفس والنَّسل والمال والعقل.

قال الشاطبي: “فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أنَّ الشَّريعة وُضعت للمحافظة على الضرورات الخمس -وهي: الدِّين، والنَّفس، والنَّسل، والمال، والعقل”.

وبذل الوسع في حفظ النفس مطلوب، ولو وصل الأمر في حالة الاضطرار إلى مواقعة محرم ليبقي على نفسه، ويحفظها من الهلاك.

ومن العجيب أن يصل الحال بإنسان أن ينهى حياته بيده، وكأنها ملك خالص له، وكأن الموت سينهي معاناته ويريحه من كل مشكلاته، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الظن خاطئ بيِّن الخطأ؛ فالله سبحانه وتعالى خلقنا واستعمرنا في الأرض، وأعلمنا أن الدنيا دار عناء وابتلاء، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، وقال عز من قائل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأنعام: 165].

والمؤمن يعلم هذه الحقيقة، ولذلك يستقبل المصائب بالصبر والاحتساب، وقد ساق الحق سبحانه وتعالى البشرى لمن صبر على البلاء ولم يجزع، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 – 157]، وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له».

ولذلك فالمقدِم على هذه الجريمة ظالم لنفسه، مهما حاول أن يلقي باللائمة على الظروف المعيشية والحياتية فهذا ليس مبررًا للانتحار.

وقتل النفس من أكبر الكبائر فهي إزهاق للروح التي حباك الله إياها، وعدم صبر على اختبار الله سبحانه وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]، واستعجال ما قُدر، ولذلك توعد الله سبحانه وتعالى المنتحر بالعقاب الأليم، قال تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) } [النساء: 29 – 32]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة » [صحيح البخاري].

وقد لا تنجيك أعمالك الصالحة في الدنيا حال ارتكابك لهذه الجريمة الشنعاء من العقاب – {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119]-، ولنا في هذه القصة العبرة والشاهد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار»، فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالًا شديدًا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت له إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا وقد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار»، قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراح شديد، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله»، ثم أمر بلالا فنادى بالناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»[صحيح البخاري].

والحق أن المسلم مبتلى، والمؤمن الصادق يعلم أن هذه الدار ليست دار راحة، بل هي دار عناء وتعب، ومواجهة هذه المتاعب جهاد لا بد له من إيمان ويقين، كما قال تعالى {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إليه} [التوبة: 118].

وننوّه إلى أن الانتحارات دليل على تقصير الأسرة بالدرجة الأولى في تنشئة الأولاد على الإيمان بالله تعالى والإيمان بالقضاء والقدر..

أفيقوا أيها الآباء وغذوا أبناءكم حب الله تعالى وحب رسوله وعلموهم الرضا بما عند الله تعالى والصبر عند مجاري القدر.

وعلموا أبناءكم أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، وأن حياة الإنسان في الدنيا مهما طالت إنما هي تحديد مسار  لرحلة لا نهاية لها  إما جنة أبدا أو نار أبدا .

وعلموهم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا وأن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن العظماء من البشر مروا بمحن شديدة وأزمات شاقة صبروا عندها واجتازوها حتى وصلوا إلى التميز والشهرة وتخليد ذكراهم.

وعلموهم أن الشدة لا تدوم وأن الله تعالى يبعث الأمل من رحم الألم،  ويورث المنحة بالصبر على المحنة.

وعلموهم أن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لا تدفع الى الانتحار عند صدق الإيمان والتوكل على الله تعالى فالصحابة رضي الله تعالى عنهم حوربوا سياسيا، وحوصروا حصارا اقتصاديا دام ثلاث سنين حتى أكلوا أوراق الشجر ولم ينتحر منهم أحد لامتلاء القلب بصدق الإيمان ، وكان لهم الصدارة الحضارية والتقدم الحضاري بصدق إيمانهم وصبرهم عند مجاري الأقدار.

كونوا لأولادكم يكونوا لكم، ولا تهجروهم فيسلبهم غيركم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من لقاءات الساحة.. الحبيب عمر الجيلاني: نحن أمة أكرمها الله بالنبي صلى الله عليه وسلم