الأحد , ديسمبر 8 2019
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب: الحارث المحاسبي.. مواقف ولطائف

د.أحمد البصيلي يكتب: الحارث المحاسبي.. مواقف ولطائف

في هذه الكليمات القلائل عزيزي القارئ نتعرف على شيء من سيرة ومسيرة العارف بالله إمام الزاهدين وقدوة السالكين ونبراس المريدين سيدي أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسِبي..

واسمه: الحارث بن أسد بن عبد الله التميمي، يُكنّى أبا عبد الله، ويُلقّب بالمحاسبي لأنه كان شديد المحاسبة لنفسه. وُلد على الأرجح في حدود سنة 170 هـ في مدينة البصرة ونشأ فيها، ثمّ انتقل إلى بغداد وفيها توفّي سنة 243 هـ. اشتهر بميله إلى الزهد وعُدّ من أوائل شيوخ التصوّف، وأشاد كثيرون بسيرته وعلمه وأخلاقه وعلوّ كعبه في الكلام والقياس والأصول. ومنهم أحمد بن حنبل الذي يروى عنه أنّه طلب من إسماعيل بن إسحاق السرّاج أن يستقدم الحارث المحاسبي إلى منزله (أي منزل إسماعيل) فيسمع كلامه وشهد له أنّه لم ير أحدا يتكلّم في الزهد مثله..

كما أن المحاسبي كان إماما في علم الكلام، لأن عصره كان مشحونا بالآراء الفلسفية الكلامية المتناقضة والمتعارضة، والتي مثّلت حجابا بين الناس وبين صفاء العقيدة ووضوحها، ويظهر ذلك من خلال استقرائنا لردوده رضي الله عنه على المعتزلة والرافضة.

ومن شيوخ الحارث المحاسبي: الحسين بن هارون الفقيه، ويزيد بن هارون. ومن أبرز تلاميذه: الجُنيد بن محمّد، وابن مسروق، وأحمد بن عبد الله بن ميمون، وأحمد بن الحسن الصوفي، وابن خيران الفقيه.. ويذكر الإمام أبو عبد الرحمن السّلمي في طبقاته أنّه كان أستاذ أكثر البغداديّين. وكان معاصرا للإمام أحمد بن حنبل.

هذا.. وقد ترك المحاسبي كتابات عديدة، منها: رسالة المسترشدين، و“الرعاية لحقوق الله”، وهو من أشهر كتبه “الزهد” و”أصول الديانات” و”الرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة وغيرهما” و”الدماء” و”البعث والنشور” و”الفكر والاعتبار” و”شرح المعرفة” و”التوّهم” و”الوصايا” أو “النصائح“.

وكان رضي الله عنه شديد الورع، وما يُرْوَى عن مواقفه في هذا الباب يندُر أن يوجد له نظير في أحوال الناس، حتى الصالحين منهم.

قال الجنيد: “خَلَّفَ له أبوه مالًا كثيرًا فتركه، وقال: صحَّت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يتوارث أهل ملَّتين شيئًا».. وكان أبوه واقفيًّا”؛ أي يقف في القرآن فلا يقول هو مخلوق ولا غير مخلوق، فرفض المحاسبي أن يرث منه؛ لأنه لم يجزم بأن القرآن غير مخلوق، على الرغم من تركه لمال كثير.

ومن القصص الأخرى التي تدل على ورعه الشديد، ما يُحكى عن الجنيد أن الحارث المحاسبي وهو شيخ الإمام الجنيد سيد الطائفة – مَرَّ به يومًا فرأى فيه أثر الجوع فدعاه لدخول الدار وتناول الطعام فوافق. فكان في البيت شيء من طعام عُرْسِ قومٍ، فقدَّمَه إليه، فأخذ المحاسبي لقمة وأدارها في فمه مرات ثم قام وألقاها وغادر. فلما رآه الجنيد بعد ذلك بأيام قال له في ذلك وعاتبه، فقال المحاسبي: “إني كنت جائعًا وأردت أن أَسُرَّك بأكلي وأحفظ قلبك، ولكني بيني وبين اللَّه سبحانه علامة، أَن لا يسوِّغني طعامًا فِيهِ شبهة فلم يمكني ابتلاعه، فمن أين كَانَ لَك ذَلِكَ الطعام؟” فأجابه الجنيد أنه “حُمِلَ إليَّ من دار قريب لي من العُرس”، ثم قال له الجنيد: “تدخل اليوم”، فقال: “نعم”. فقدَّم إليه كِسرًا يابسة؛ فأكل وقال: “إذا قَدَّمْتَ إلى فقير شيئًا فقدِّم إليه مثل هذا“.

فلم يحمله الجوع رضي الله عنه على أكل طعام ظنَّ فيه شبهة، واكتفى بالطعام القليل اليابس، وما ذاك إلا من شدَّةِ ورعه وتقواه، وهذه القصة نسوقها لا لحمل الناس على ترك الطعام والشراب ومتع الدنيا التي أباحها الله سبحانه وتعالى، فأحوال هؤلاء الصالحين يصعب على كثير من الناس تحمُّلها حتى في زمانهم. ويُروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يحذر الناس من متابعة الحارث بن أسد المحاسبي لهذا السبب أنه كان يرى في حاله شدَّةً لا يحتملونها، ولكنَّا نأخذ العبرة من هذه القصة في ضرورة تحري الحلال وعدم التهاون في أمر الرزق، عسى أن يتغمَّدَنا الله برحمته ويسبغ علينا عفوه، فننجو في الدنيا والآخرة وننال رضاه سبحانه وتعالى.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..كلمة د.جمال فاروق في احتفالات الساحة بمولد الحبيب