الجمعة , نوفمبر 22 2019
الرئيسية / سلايدر / مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي..بين المجيزين والمانعين

مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي..بين المجيزين والمانعين

كتبه: د.أحمد البصيلي
أولا: المجيزون وأدلتهم :
أجاز الاحتفال بالمولد النبوي جمع من أهل العلم :
منهم : السيوطي في الحاوي في الفتاوي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، فيما نقله عنه السيوطي، والحافظ أبو الخطاب بن دحية قال ابن خلكان في ترجمته: كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء قدم من المغرب، فدخل الشام والعراق، واجتاز بإربل سنة 604هـــ فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب التنوير في مولد البشير، وقرأ عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار، وقال: وقد سمعناه على السلطان في ستة مجالس في سنة خمس وعشرين وستمائة، وقال السيوطي في سلطان مظفر الدين: أحد الملوك والأمجاد والكبراء الأجواد كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ، ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا محمود السيرة والسريرة.
ومنهم أبوشامة المقدسي شيخ الإمام النووي 665هـــ (الباعث على إنكار البدع والحوادث) : من أحسن ماابتدع في زماننا من هذا الفصل ماكان يفعل بمدينة إربل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع مافيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكر الله ـ تعالى ـ على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى صاحب إربل.
ومنهم الحافظ السخاوي (852هـــ) تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني: حيث قال: وإذا أهل الصليب قد اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر، وقال أيضا : (عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعده ثم لازال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعمل الولائم البديعة المشتملة على الأمور المبهجة الرفيعة ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات ويعتنون بمولده الكريم ويظهر عليهم من بركته كل فضل عميم) سبل الهدى والرشاد ليوسف الصالحي الدمشقي (ت 942هــ) الجزء الأول الباب الثالث عشر.
ومنهم الحافظ العراقي فقد جاء في شرح المواهب للزرقاني أنه قال: ( إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الشهر الفضيل ولايلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة)​
ومنهم القسطلاني في المواهب اللدنية (ولازال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات … ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا ليكون أشد علة على من في قلبه مرض أو عناد) المواهب اللدنية 1/27.
ومنهم ابن الأمير الحاج حيث قال : (فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم) (المدخل 1/361.
ومنهم ابن حجر الهيتمي المكي حيث قال: والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي : بدعة حسنة) السيرة الحلبية 1/137
ومنهم ابن الجوزي المحدث حيث قال : (لازال أهل الحرمين الشريفين ومصر واليمن والشام وسائر بلاد العرب من المشرق والمغرب يحتفلون بمجلس مولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويفرحون بقدوم هلال ربيع الأول ويلبسون الثياب الفاخرة ويتزينون بأنواع الزينة ويتطيبون ويكتحلون ويأتون بالسرور في هذه الأيام ويبذلون على الناس بما كان عندهم ويهتمون اهتماما بليغا على سماع قراءة مولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينالون بذلك أجرا جزيلا وفوزا عظيما) (الميلاد النبوي لابن الجوزي/58)
وممن أجاز الاحتفال أيضا البيهقي والمخلص الكتابي وقطب الدين الحنفي وجمال الدين بن ظهيرة وشمس الدين بن ناصر الدمشقي (ت 842هــ) صاحب المورد الصادي في المولد الهادي.
ومنهم أيضا الشيخ حسنين مخلوف مفني الديار المصرية الأسبق حيث قال: (إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق منه النور المحمدي بذكر الله وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود … وإن لم يكن مأثورا في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولافي عهد السلف إلا أنه أمر لابأس به وبدعة حسنة) فتاوى شرعية 1/131.
أدلتهم:
1ـ الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه بسنده عن قتادة ـ رضي الله عنه ـ قال: سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل عليّ) قال ابن حجر ـ فيما نقله عنه السيوطي في الحاوي في الفتاوي : والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقات والتلاوة.
2ـ الحديث الذي رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن العباس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (في أبي طالب) وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح) (رمل أو صخر يتجمع قريبا من سطح الماء) وفي رواية أخرى لهما ( ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ورواية أخرى لهما أيضا (أهون أهل النار عذابا أبو طالب) ينظر : (البخاري حديث رقم 3883 و مسلم 209/ 358،357)
3ـ أن أبا لهب أعتق ثويبة لمابشرته بمولد الحبيب فأرضعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشر حِيبةٍ قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سُقِيت في هذه بعتاقتي ثويبة) وقد علق الحافظ ابن ناصر الدمشقي (ت 842هــ) على ذلك قائلا :
إذا كان هذا كافرا جـــــــــــــــــــــــــاء ذمـه * وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يـــــــــــــــــوم الاثنين دائما * يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي عاش عمره * بأحمد مسرورا ومات موحدا
4ـ أن الفرح بنعم الله مطلوب لقوله تعالى : (قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا… ) (يونس/58) قال ابن عباس : فضل الله العلم ورحمته النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينظر في ذلك : روح المعاني للآلوسي وإرشاد العقل السليم لأبي السعود، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي والدر المنثور للسيوطي. ولقوله ـ تعالى ـ (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (التوبة/128) قال الفخر الرازي: وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم، ولقوله تعالى : (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) () في تفسير البيضاوي وأبي السعود والخازن والسيوطي وروح المعاني وروح البيان: المراد بالنور : رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. ولقوله ـ تعالى ـ (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا …) (إبراهيم/28) قال السيوطي : وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، ولقوله ـ تعالى ـ (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياتنا ويزكيهم) () ولقوله تعالى : (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين) (المائدة/114 ) والآية دالة على مشروعية الاحتفال بمنن الله ونعمه الكبرى.
4ـ جاء في صحيح البخاري بسنده عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ماهذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه)
5ـ أن الاحتفال بالمولد النبوي اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسن ، قال ابن حجر: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وذكر حديث عاشوراء، ثم قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة ، ثم قال: وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ، وذهب السيوطي إلى تخريجها ـ أي: البدعة الحسنة في الاحتفال بالمولد ــ على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ لأن النبي عقّ عن نفسه بعد النبوة، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر عند مولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من القربات وإظهار المسرات قاله السيوطي في الحاوي.
ثانيا: المانعون وأدلتهم:
من القائلين بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي: ابن تيمية والفاكهاني والشاطبي وابن الحاج المالكي والملا علي القارى والشيخ محمد رشيد رضا.
أدلتهم :
1ـ أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة لم يفعلها رسول الله ولاصحابته من بعده وهم أولى الناس برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكثرهم حبا له.
2ـ أن الصوم الوارد كل اثنين وليس صوم يوم مولده فقط، مع الاقتصار على الصوم وحده.
3ـ أن الاحتفال من جنس القربات، لامن جنس العادات، ولاتعظيم إلابالوارد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
4ـ أن في ذلك مشابهة لأهل الكتاب ونحن مأمورون بمخالفتهم.
رد المجيزين:
1ـ ردوا القول بأنه بدعة بأن البدع نوعان ، قال الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة فماوافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم، والمحدثات ضربان: ما أُحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا، فهذه بدعة الضلالة، وما أحدث من الخير لايخالف شيئا من ذلك فهي محدثة غير مذمومة ، وهذا القول يجمع بين الحديثين الصحيحين ( ألا إن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) (سنن النسائي/حديث رقم 1578 ) والحديث الذي رواه مسلم (. . . من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزراهم شئ) (مسلم / حديث رقم 1017) وقد قال الخطابي في شرح حديث كل محدثة: (ما أحدث على غير مثال أصل من أصول الدين وعلى غير عبادته وقياسه، وأما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردودا إليها فليس بدعة ولا ضلالة) وقد قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت660هــ) في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام: أن البدعة فعل مالم يعهد في عصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي منقسمة إلى بدعة واجبة وبدعة محرمة وبدعة مندوبة وبدعة مكروهة وبدعة مباحة والطريق في معرفة ذلك أن تعرض على قواعد الشريعة : فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة وإن دخلت في قواعد المباحة فهي مباحة، وضرب لذلك أمثلة فالاشتغال بعلم النحو واجب لأن حفظ الريعة واجب، ولايتم حفظها إلا بمعرفته، ومالايتم الواجب إلا به فهو واجب، وضرب مثالا للبدع المندوبة بصلاة التراويح والكلام على دقائق التصوف وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول.
2ـ روى الترمذي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يارسول إني كنت نذرت إن ردّك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها رسول الله : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب)
3ـ أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يحتفلون فقد روى الإمام مسلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ماهدانا للإسلام ومنّ به علينا. قال: آالله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله ـ عز وجل ـ يباهي بكم الملائكة)
4ـ روى البخاري ومسلم بسنديهما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ( لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) والحديث لم يحدد شكل المحبة.
5ـ روى البيهقي في الدلائل أن العباس ـ رضي الله عنه ـ قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إني أريد أن أمتدحك قال : قل لايفضض الله فاك فأنشد أبياتا، فالمديح مشروع.
6ـ القاعدة المقررة في الأصول أن الترك ليس دليل المنع.
هذا وقد علم مما سبق عرضه أن القول بالجواز هو الأعلى لقوة أدلته

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

تسأل سائلة:،ما حكم المسح على غطاء الرأس في الوضوء دون إزالته ؟

  الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله …