الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..كيف نتعامل مع بلاء الشائعات؟

د.أحمد البصيلي يكتب..كيف نتعامل مع بلاء الشائعات؟

 

إن الشائعات آفة عظيمة، وبلية خطيرة، ومرض فتاك، وسلاح مدمر، ينزعج منه الأبرياء، ويُتَّهم بسبه البرءاء، وهُدِّمَت بسببه أسر، وخربت بيوت، ووقعت جرائم، وتقطعت علاقات وصداقات.

الشائعة: يصنعها عدو حاقد، ويتلقفها منافق فاسق، وينشرها غِرٌّ جاهل.

الشائعة: كذبة يطلقها خبيث، ويصدقها أخرق، وينقلها أحمق، وتسير بها الركبان.. مع أنها قد تدمر حياة إنسان أو تهدد مصائر أوطان.

كم من الأسر شُرِّدّتْ بسبب كلمة! وكم من البيوت دمرت بسبب وشاية؟! وكم من أولاد تحولوا إلى أطفال شوارع قد انفصل والدوهم بسبب همسة في أذن أو رسالة إلى تليفون أو حتى إشارة خبيثة فيها ما فيها من قطيعة وحقد؟!

إنه ما من شك أنه ليس أخطر من الإشاعة على النسيج الاجتماعي، فهي بمثابة الشرارة التي تتدحرج بعدها كتلة النار لتلتهم هذا النسيج.

وليس أدل على ذلك من قول الله تعالى: “لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً” [الأحزاب: 60].

حيث يتضح أن الحكم الشرعي لمثيري الإشاعات والأراجيف، هو التسلط عليهم ثم الإخراج من دائرة النسيج الاجتماعي فلا سكن لهم ولا مقام في جسد الأمة المتجسد في بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.

إن الشائعات خطرها عظيم، ولها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع والأمة، كم أشعلت امن حروب، وكم أهلكت من قرى، وكم أبادت من جيوش، وكم أوغرت من غل وحقد في الصدور، وكم خربت من بيوت، وفي عالمنا المعاصر  الذي يشهد تطورا تقنيا في وسائل الاتصال، أصبحت الإشاعة أكثر رواجا وأبلغ تأثيرا.

إن محاربة الشائعات والقضاء عليها يجعل  المجتمع يعيش متماسكا قويا لا يضعف ولا يهتز، ويتحقق ذلك بتربية النفوس على الخوف من الله ومراقبته، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذنا لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبيّن، وطلب البراهين الواقعية، والأدلّة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يُسدّ الطريق أمام الأدعياء، الذين يعملون في الخفاء، ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور، ضد كل مصلح ومحتسب وغيور.

وفي ذلك يأتي التوجيه الإلهي: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”. (سورة الحجرات آية 6).

إن الشائعة قد وجدت لها أرضية خصبة لتنمو وتتفاقم إلى حد يصعب عنده الفصل بين الأصل والإضافات، والصحة والافتراءات، ولأن البشر بطبيعتهم يميلون بشدة إلى الجانب الفضولي في دواخلهم فيدسون أنوفهم في كل شيء يخص الآخر.

يروي الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))، والشائعات جريمة ضد أمن المجتمع، وصاحبها مجرم في حق دينه ومجتمعه، مثيرٌ للاضطراب والفوضى، وقد يكون شراً من مروّج المخدرات، فكلاهما يستهدف الإنسان، لكن الاستهداف المعنوي أخطر وأعتى.

إن النفس الانهزامية غير قادرة على المواجهة الصريحة لذا فهي تلجأ إلى أساليب مستترة للانتقام،  ونقطة البداية لمعلومة مغلوطة تظل مجهولة وعصية على الفهم وأكبر من كل التكهنات.. تلك هي بعض معطيات الشائعة في الحرب الكلامية التي ما إن تبدأ من فم إلى أذن حتى تسري نيرانها آتية على كل شيء جميل في حياتنا وأول الأشياء سمعة الإنسان.!

ومع أن الشائعة لا تختلف كثيراً في أسبابها وغاياتها انتقامية كانت او لأسباب شخصية أو حتى لمجرد التشفي والاستمتاع، إلا أنها تظل محكومة بإطار طبقي في المجتمعات الكبيرة، وأيضاً بنسبة الأمية ودرجات الوعي المتفاوتة لكي تأخذ شكلها وأسلوبها، أي أنها ليست حكراً على مجتمع بعينه ولا بمستوى تعليمي أو تثقيفي يحد من انتشارها، فأينما وجد الإنسان كانت الأكذوبة أو القذف أو التشهير.

وعبر صفحات الإنترنت، تجد في كل دقيقة إشاعة وتنتشر بسرعة البرق، وقد استغل هذه التقنية ضعاف النفوس والمفسدون، الذين يريدون زعزعة الأمن، وإثارة البلبلة، وفي الحديث الصحيح: ((يكون في آخر أمتي أناسٌ دجَّالون كذابون، يحدِّثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتِنونكم)).

ترى أية حماقة تلك التي يرتكبها البعض مهما كانت الأسباب؟ إن الشائعة دائما هي سلاح الضعفاء. وفي عصرنا هذا إلى أي مدى تساعد التكنولوجيا في انتشار الشائعة وهل هناك أساليب مبتكرة لترويجها؟ وهل المعالجة القانونية في نصوص قانون العقوبات كافية أم أن الأمر يحتاج الى إعادة نظر؟

إن للشائعات آثارا مدمرة على الأفراد والأسر والمجتمعات بل وعلى الأمم أحيانا. ووقائع التاريخ تدل على ذلك أكبر الدلالة؛ فقد حمل التاريخ لنا أمثلة لشائعات كان لها آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، والتي منها:

الشائعة التي انتشرت في مكة بأن المشركين قد أسملوا بعد أن قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم.. وكان من عواقب انتشار تلك الشائعة أن رجع كثير من مهاجري الحبشة ظنا منهم أن الخبر صحيح، فنالهم من أذى المشركين ما لا يخطر لهم على بال، فاضطروا أن يقاسوا معاناة الهجرة للحبشة مرة ثانية ويعرضوا أنفسهم لمخاطر لا حصر لها.

وفي معركة أحد أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتِل، وقد كان لهذه الشائعة الأثر الوخيم في بث الروح الإنهزامية في نفوس الجند، مما كان لها من أثر في تثبيط همم بعض المسلمين، والإحباط الشديد للبعض حتى ترك ساحة المعركة وتوقف عن القتال؛ مما أدى في النهاية إلى وقوع الهزيمة بالمسلمين في هذه الملحمة الكبرى وذلك اليوم المهيب.

والتي منها أيضا: تلك الشائعات التي أطلقها المغرضون من أذناب ابن سبأ اليهودي وفريقه، واتهامهم لسيدنا عثمان الخليفة الراشد بالتهم الكاذبة والتأليب عليه، فكانت بداية لفتنة كبرى، وتجمع أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وقتل الخليفة الراشد، بل كان من آثار ذلك حرب الجمل وصفين وقتل آلاف المسلمين.. وكان من عواقبها ظهور فتن وفرق وفُرقة إلى يومنا هذا.

ومن أشنع الإشاعات التي أطلقت في زمن النبوة حادثة الإفك: تلك الحادثة التي اختلقها المنافقون (عبد الله بن أُبَيّ بن سلول وأتباعه)، وراجت على بعض المسلمين فنقلوها دون تثبت، حتى سرت في المجتمع كله، فهزت مجتمع المدينة شهرا كاملا.. وكانت من أشق التجارب في حياة المسلمين. ولم يُمكَر بالمسلمين مكر أشد من تلك الشائعة المختلقة الكاذبة، ولولا عناية الله لكادت أن تعصف بالأخضر واليابس بعد أن مكث المجتمع المسلم يصطلي بنارها شهرا كاملا، حتى نزل الوحي ليضع حدا لتلك المأساة وليكون درسا تربويا هائلا لذلك المجتمع ولكل مجتمع يأتي بعد إلى يوم القيامة.

إن حادثة الإفك أقسى تهمة تتعرض لها امرأة في التاريخ.! أن تُتَّهم امرأة شريفة في عرضها وشرفها.. فما بالنا بأمنا عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق رضي الله عنهما؟!حتى قال الصديق أبو بكر: والله ما رُمينا بها في الجاهلية أفنرمى بها في الإسلام؟!

وآخر يوم قبل نزول الوحي – بعد مرور شهر كامل – دخل الرسول على عائشة قائلا: إن كنت بريئة فسيبرؤك الله لا محالة.. فقالت: والله ما أدري ما أقول، ولكني أقول كما قال أبو يوسف، ونسيت أن اسمه يعقوب فصبر جميل، وقمت إلى حجرتي أبكي، فنزل الوحي بتبرأتي، فنادتني أمي وناداني أبي: قومي فاشكري رسول الله، وما كنت أظن أن الله ينزل فيّ قرآنا، وكان منتهى أملي أن يرى رسول الله رؤيا، فيها تبرأتي..!

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ