الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب..العبور الأعظم إلى بر الأمان بالتخلق بأخلاق العدنان

د. أحمد البصيلي يكتب..العبور الأعظم إلى بر الأمان بالتخلق بأخلاق العدنان

العبور الأعظم إلى بر الأمان بالتخلق بأخلاق العدنان

لا يخفى على شريف علمك أيها القارئ الكريم أن الأخلاق أحد المجالات الرئيسية الثلاثة التي تمثل الدين الإسلامي الحنيف، فهو عقيدة وشريعة وأخلاق.

والأخلاق هي روح الإسلام، والمقصد الأسمى لتعليماته وشعائره، وبغيرها يصير الدين معادلة جافة، وقوانين عقيمة، لا تسمو بالإنسانية إلى مراد الله.

ومن يدَعي أن هناك دينا إلهيا بغير أخلاق فقد أراد أن ينسب العبث إلى الله، لأنه بذلك يجَرِّف الدين من محتواه الروحي والحضاري، ويجرِّدُه من القِيَم، ويجعله عبئا على البشر بدلا من كونه عونا لهم في عاجلهم وآجلهم، يشخص لهم الداء ويصف لهم الدواء.. إن ادعاءً كهذا يريد تحجيم فضل الله، وإضلال الخلق عن حكمة ورحمة الخالق..

وكما يقال: لغة الإحصاءات لا تكذب.. فإليك عزيزي القارئ هذه الإحصائية على عجالة:

عدد آيات القرآن الكريم 6236 (ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية)، وجملة الآيات التي تحدثنا وتحثنا على الأخلاق تفوق نسبتها على (95%) خمسة وتسعين بالمائة، وباقي الآيات والتي تقل نسبتها عن 5% (خمسة بالمائة) عليها مدار الفقه بأحكامه وعقوده وحدوده وجميع أبوابه ومجالاته التراثية والمعاصرة..!

حتى الآيات التي نتعلم منها الأحكام الفقهية والفتاوى الحياتية لا نعدم التعاليم الأخلاقية منها كما في قوله تعالى: “الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان….”، إلى آخر الآية والآيات التي تليها من سورة البقرة، فهي تنبه الإنسان إضافة الى الأحكام الفقهية –إلى قدسية العلاقة الأبدية بين الرجل والمرأة، والتي تخضع للقانون الإلهي، والإشراف المقدس، فهي في حالتها الطبيعية (إمساك ومعاشرة بالمعروف)، وفي حالة الطوارئ: (مفارقة بلطف وتسريح بإحسان).!

فقبل أن تستفيد الحكم الفقهي عزيزي القارئ ينبهك الوحي الشريف إلى السلوك الخُلُقي الذي هو بمثابة الثمرة والهدف والغاية المرجوة من وراء الحكم الفقهي.

وهكذا دواليك في عموم نصوص الوحي الشريف بمصدريه القرآن العظيم وسنة نبينا الكريم..

كما أن عدد الأحاديث النبوية المنسوبة إلى سيدنا رسول الله صلوات الله عليه وآله، والمبثوثة في آلاف المجلدات، تبلغ 60000 (ستون ألف حديث)، وعدد الأحاديث التي تدعونا إلى مكارم الأخلاق تبلغ حوالي 58000 (ثمان وخمسون ألف حديث)، وبقية الأحاديث التي تبلغ زهاء الألفين عليها مدار الأحكام التكليفية العملية (الفقه).

فلو أردنا – وبدون أدنى مبالغة أن ندوِّنَ موسوعة خُلُقية نَجمَع فيها نصوص الوحي الشريف (نصوصا فقط بدون شرح أو إضافات) لاستغرقنا أزمنة مديدة ومدادا عديدة، من أجل رصد واستقصاء دعوات الشرع الحنيف إلى تمام مكارم الأخلاق.!

ولعل صدرك عزيزي القارئ يتسع لذكر مجرد نماذج للدلالة على ذلك، منها:

1- الأخلاق الحسنة من أسباب دخول الجنة:

قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناسالنار فقال: الفم والفرج)) .

2- الأخلاق الحسنة سبب في محبة الله لعبده:

وقد ذكر الله تعالى محبته لمن يتخلق بالأخلاق الحسنة، والتي منها الصبر والإحسان والعدل وغير ذلك، فقد قال الله تعالى: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

وقال أيضًا: وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146].

وقال أيضًا: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين [المائدة: 42].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا)).

3- الأخلاق الحسنة من أسباب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والقرب منه دنيا وآخرة:

قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا)).

4- مكارم الأخلاق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة:

قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق)).

5- الأخلاق الحسنة تضاعف الأجر والثواب (عبادة من غير عناء):

قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله عزَّ وجلَّ لكرم ضريبته (أي: طبيعته وسجيته)، وحسن خلقه)).

6- الأخلاق الحسنة من خير أعمال العباد:

قال صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذرٍّ، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فو الذي نفس محمد بيده، ما عمل الخلائق بمثلهما)).

7- الأخلاق الحسنة تزيد في الأعمار وتُعَمِّر الديار:

قال صلى الله عليه وسلم: ((حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)).

8- الأخلاق الحسنة علامة على كمال الإيمان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم)) .

وفي حديث عمرو بن عبسة أنَّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإيمان أفضل؟ قال: ((حسن الخلق)).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء»

وعليه.. فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق، وكان أفضل الخلق أخلاقًا وأحسنهم آدابًا، وبيَّن رسول الله أنه ما بُعِثَ إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فلقد كانت في الجاهلية والديانات السالفة أخلاق كريمة فأتى الرسول ليتممها، وذلك بإصلاح ما فسد منها، والثناء على ما كان فاضلًا، والحث عليه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (هكذا رواه الإمام أحمد، وورد بلفظ: «مكارم الأخلاق»، ورواه الإمام مالك بلفظ: «حُسْنَ الأخلاق»).

هذه نبذة يسيرة، أعرضها على القارئ ليرى من خلالها أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلمس السبب الذي جعل الناس يلتفون حوله، ويتمسكون به، ويغارون عليه، ويستوحون منه الحكمة، ويستلهمون من تعاليمه الهداية والرشاد، ويغترفون من ينابيعه العذبة رحيق السماء.

وليس لكاتب أو محقق أو مؤرخ أن يحيط بشمائل المصطفي صلى الله عليه وسلم، أو بزاوية من زواياخصاله الفاضلة الطاهرة.

وأعتقد أن البشرية كلها لو اتخذت من الذهب أقلاما، ومن المسك مداداً، ومن الكافور أوراقاً، ومن اللآلئ ألفاظاً، لما استطعنا أن نعدد مآثره الشريفة، أو نحصي أمجاده العريقة، فصدق الله العظيم إذ يقول في حقه: ﴿ وماَ أرْسْلناكَ إلَّا رحمًة للْعاَلمين ﴾، ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾، ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.

ولله دَرُّ البوصيري حين قال مادحا إياه صلى الله على حضرته وآله:

فَمَبْلغُ العِلمِ فِيهِ أنَّهُ بَشَرٌ *** وَأنَّهُ خَيرُ خَلقِ اللهِ كُلِّهمِ

أكَرِمْ بِخَلْقِ نَبيٍّ زاَنَهُ خُلُقٌ  *** بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ

كالزَّهرِ فِي تَرَفٍ وَالبَدْرِ فِي شَرَفٍ  ***  والبَحْرِ فِي كَرَمٍ والدَّهْرِ فِي هِمَمِ

كَأنَّهُ وَهْوَ فَرْدٌ مِنْ جَلَالَتِهِ *** فِي عَسْكَرٍ حِينْ تلَقْاهُ وفَي حَشَمِ

مولاي صَلِّ وسلم دائما أبدا *** على الحبيب وآل البيت كلهِمِ

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الدكتور هشام الأزهري يتحدث عن صفات النبى من شرح نور العيون