الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / سلايدر / د.احمد البصيلي يكتب..المَوْلدُ النبويّ ومَواطنُ الاقتداء

د.احمد البصيلي يكتب..المَوْلدُ النبويّ ومَواطنُ الاقتداء

 

ليسمح لي القارئ الكريم في بداية هذا المقال أن أسُوق تحذيرا نبويا شديد اللهجة لكل من أدمن قبح الكلام، من السب واللعن والشتائم، فكفى بمن ابتلي بهذا الخلق أن الله يبغضه، وهو محروم بنص حديث رسول الله من أن يشفع في غيره يوم القيامة، فلا يأذن الله له لحقارة وقذارة ألفاظه.. عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء».

ومعظم المسلمين في اعتقادي يحفظون قول الله: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]. وقد ثبت في الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان جالسًا فجاء يهود فقالوا: السام عليكم (أي الموت عليكم) فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة! فقال رسول الله: «يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ولكن قولي: وعليكم». وقد قال رسول الله: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». وعن أنس قال: “لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا، كان يقول عند المعتبة: ماله! تَرِبَ جَبينُه.

وكثيرا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت».

وقال صلى الله عليه وآله: «إن الله عز وجل كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سفسافها».

ومن تلك الأخلاق الرفيعة التي دعانا إليها الإسلام، ونحن محرومون منها في بيوتنا وتعاملاتنا: الصدق في الكلام، والصدق في النيات، والصدق في الأعمال كلها، فهو الذي اتصف بذلك الخلق العظيم، وشهد بذلك أعداؤه قبل أصحابه، وقد كان يسمى الصادق الأمين، وهو القائل: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».

وجعل الكذب علامة من علامات النفاق حيث قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”. فالصدق نجاة والكذب هلاك… وكفى امتداحا للصادقين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}  [التوبة:119].

ومن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم التي نحن في أمس الحاجة إليها أفرادا ومؤسسات : “السماحة والعفو”.. روى البخاري ومسلم عن جابر أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله قفل معهم، فأدركتهم القائلة -أي نوم القيلولة ظهرًا- في واد كثير العضاه (شجر) فنزل رسول الله وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله تحت سمرة (نوع من الشجر) فعلق بها سيفه، ونمنا نومة؛ فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت» وهو في يده صلتًا (أي جاهزًا للضرب) فقال: «من يمنعك مني؟» قلت: “الله، ثلاثًا” ولم يعاقبه وجلس، فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله السيف، فقال للأعرابي «من يمنعك مني؟» فقال: ياأبا القاسم! كن خير آخذ، فقال صلى الله عليه وسلم: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى الرجل أصحابه فقال لهم: جئتكم من عند خير الناس!.

ويروي البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد نجراني (نوع من الثياب) غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!

نعم.. فلقد كان من أخلاقه عليه الصلاة والسلام “الجود والعطاء والبذل: روى الإمام مسلم عن أنس قال: “ما سُئل رسول الله على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم لا يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها”.

ثم أين نحن من تواضعه صلوات الله عليه وآله! فعن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف، (الإكاف: ما يوضع على ظهر الحمار من وقاء للركوب عليه).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته” ، (يخصف: أي يخيِّط ويرقِّع). وقالت: “كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه”. وقالت: قال رسول الله: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». وعن أنس قال: “إن كانت الأمَة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت”. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: “كان رسول الله يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة” (رواه النسائي والدارمي بإسناد صحيح).

ما أحوج فتياتنا ونساءنا إلى استعادة الحياء المسلوب، والتخلق به في عاداتهم ومكالماتهم ومحادثاتهم ومنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مشيتهم في الشوارع، قال عليه الصلاة والسلام: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله: «دعه فإن الحياء من الإيمان». وعن أبي سعيد الخدري قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها”.

والحياء لا يكون في تعلم العلم أو الاستفسار عما أُشكِلَ على الإنسان، أو في قول الحق بحيث يمنعه من طلب العلم، أو قول الحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… بل الحياء في هذا المواضع مذموم إذا كان بتلك المثابة.

ومن حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم المزاح المتزن والانبساط مع الناس… فعن أنس بن مالك قال: إن كان النبي ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النغير»، والنغير: طائر صغير. وقد مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق فرأى رجلًا من أصحابه فمسكه من خلفه وقال: «من يشتري هذا العبد» -على وجه المزاح- فقال يا رسول الله: إذن تجدني كاسدًا! (أي رخيصًا) قال: «لكنك عند الله لست بكاسد» أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ».

ومن أخلاق الرسول الكريم: إكرام الضيف والجار والإحسان إليهما، وهو القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

ومن أخلاقه: احترام الكبير ورحمة الصغير: دخل أعرابي والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين فقال: تقبلون صبيانكم! فقال رسول الله: «أو أملك أن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك”. وقال: «من لا يرحم لا يرحم». وقال رسول الله: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

لقد امتدح الله نبيه وحبيبه على كمال الأخلاق فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] وذلك يظهر من خلال معاشرته للناس ومخالطته لهم، ولقد سُئِلَت عائشة رضي الله عنها كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: “كان خلقه القرآن” (رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي)، فلقد كان –صلوات الله عليه وآله- قرآنًا يمشي على الأرض، أي أنه عمل بأخلاق القرآن، وتمثل آداب القرآن، وذلك أن القرآن أنزل للتدبر والعمل به، فكان أولى الناس عملًا به وامتثالًا لأوامره سيد الخلق. ومما ذكر – أيضا- من الأخبار في حث الرسول على الأخلاق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فحاز صلى الله عليه وآله بكل إعزاز وفخار تلك المكانة التي بوأه ربه إياها، وأمرنا بامتثالها والاقتداء بها والسير على هداها: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].

وما ذُكر في هذا المقال غيض من فيض، وقطرة من بحر، وجزء من مائة ألف جزء من النصوص الصحيحة الدالة على حسن الخلق ومواطن الاقتداء، ولم أُخَرِّجْها تيسيرا على القارئ، واستعجالا لإثبات المطلوب والتذكير به، وهو بالطبع غني عن الإثبات والإيضاح. وقديما قالوا: أَشْكلُ المُشكلات: توضيحُ الواضِحات.

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الدكتور هشام الأزهري يتحدث عن صفات النبى من شرح نور العيون