الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د. أحمد البصيلي يكتب.. في شهر مولده ماهي جهود أمته في حفظ سنته؟

د. أحمد البصيلي يكتب.. في شهر مولده ماهي جهود أمته في حفظ سنته؟

ذهب كثير من المعاصرين من غير المختصين بعلم الحديث خاصة أو الشريعة الإسلامية عامة إلى  أن صحة أي حديث يجب أن تبنى أولاً على صحة متنه وليس على صحة إسناده ، وقالوا عندما نسمع كلاماً لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لابد أن نقول : هل يمكن حقاً  للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول مثل هذا الكلام أو لا؟.

ويقولون إن الغرض من وراء ذلك ليس إلا إثبات صحة كلامه الشريف مع مقتضيات العصر ، وذلك لأنه يوجد في كتب الحديث المعتمدة كالكتب الستة بعض الأحاديث المخالفة للعقل والعلم ، والتى لا يُتصور ان يقول الرسول الكريم قد قالها !! هكذا يقولون.

وآراء هؤلاء ليست بجديدة على تراثنا وثقافتنا الإسلامية ، بل هي تكرار لما قاله بعض المستشرقين والمُدّعين أنصاف المثقفين..

والذى تعرفه الدنيا غير مسلميها قبل مسلميها- أن علماء المسلمين قد قاموا بمجهود مُعجز لخدمة السنةالشريفة ، وما من حديث من الأحاديث النبوية إلا ووُضع تحت المجهر العلمى لدى علماء الحديث الشريف فدُرس سنداً ومتناً ، تصحيحاً وتضعيفاً  ، شرحاًوتحليلاً، وربما قامت المعركة العلمية والمناظرة الكبيرة حول اللفظة الواحدة من الكلام النبوى الشريف، وأُفردت المؤلفات التى لا تحصى حول الحديث الواحد بطرقه وروايته وشواهده ومتابعاته وشرحه وتحليله ، ثم يطالعنا قوم لا خلاق لهم بأن السنة النبوية لم تدرس حق الدراسة ولم تفهم حق الفهم.

قال الخطيب البغدادى  المتوفى 463هـ : (ارتحل كتبة الحديث وتكلفوا مشاق الأسفار إلى ما بعُد من الأقطار للقاء العلماء والسماع منهم في سائر الآفاق ، ومن قبل قد سلك غير واحد من الصحابة هذه الطريقة في الرحلة للسماع ، حتى قال عبد الله بن مسعود :  لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لأتيته ، ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى مصر في سبب حديث واحد ، ورحل جابر بن عبد الله إلى مصر أيضاً في حديث حتى سمعه من عبد الله بن أنيس، وقال سعيد بن المسيب: إني كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام، ورحل الحسن من البصرة إلى الكوفة في مسألة.. وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن بالبصرة ، فما نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم).

لقد اهتم علماء الإسلام بالإسناد على مدار التاريخ الإسلامى أيما اهتمام، منذ عهد الصحابة رضى الله عنهم ومن جاء بعدهم إلى زماننا هذا ؛ حتى قال ابن المبارك : (الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).

ولذلك استطاع المسلمون بمهارة فائقة لم تحدث على مدار تاريخ الإنسانية أن يدونوا لنا أكثر من نصف مليون ترجمة لرواة الأحاديث، يُعرف منها اسمه ، ونسبه ، ولقبه ، وصفاته ، وشيوخه ، وتلامذته ، ومدى صدقه وضبطه ، ويعرضون مروياته على مرويات الثقات ويوازنون ويرجحون بشىء من القوة العلمية والرصانة البحثية فيما لم يعرف فىتاريخ البشرية إلا فى أمة الإسلام.

ومع كثرة الوضع والدس والتحريف والتبديل والتغيير الذى درج على السنَّة النبوية إلا أن السنة أصبحت كالشمس فىضحاها ، وعرفنا كتب الصحاح ، والمسانيد ، والمعاجم ، والمصنفات ، والأجزاء وغيرها ، ومُيِّز الصحيح من غيره ، وكُتبت المؤلفات المفردة للأحاديث الموضوعة ، ولم يُسلَّم لأصحابها حتى تُعقِّب عليها واستقر أمرها حتى برح الخفاء .

إن الرشيد قد أخذ زنديقًا ليقتله فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتُها؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً.

فالمحدِّثون يعلمون عِظم المسئولية التى طوَّق الله تعالى بها أعناقهم فى نقل سنة النبى المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ سالكين فى ذلك أشد أنواع التثبت والتحرى ، فكان الأئمة الأكابر لا يأخذون الحديث إلا مسنداً ، ولا يقبلون سماع المتن إلا بسنده ومن أهله ، فكان الإمام مالك بن أنس يقول : ” إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين : ” وأشار إلى مسجد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” يقولون : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما أخذت عنهم شيئاً ، وإنَّ أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً“.

فلم يكن اعتمادهم على الصلاح والتقوى فقط فتلك العدالة المشترطة ؛ ولكن لا بد من الضبط فى الحفظ والإتقان..

وكان يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يقول : «آتَمِنُ الرَّجُلَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ ، وَلَا أَئْتَمِنُهُ عَلَى حَدِيثٍ.

كل ذلك وغيره كثير جدا، كاف لإبراز التدقيق الزائد فىحفظ الكلام النبوى الشريف ، فهذا المنهج ليس وليد العصور المتأخرة بل هو وليد عهد الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ إذ دققوا فى الكلام النبوى ، وكان الواحد منهم لا يحدث بحديث إلا بعدما يأتى بالشهود الذين شاركوه فىالسماع لهذا الحديث ، فلما جاء أبو موسى الأشعرىرضى الله عنه يستأذن على عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ فاستأذن ثلاثاً ثم رجع، فأرسل عمر بن الخطاب في أثره، فقال: ما لك لم تدخل؟ فقال أبو موسى: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل ، وإلا فارجع ،  فقال عمر: ومن يعلم هذا ، لئن لم تأتني بمن يعلم ذلك لأفعلن بك كذا وكذا، فخرج أبو موسى حتى جاء مجلساً في المسجد يقال له مجلس الأنصار، فقال إني أخبرت عمر بن الخطاب أني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل، وإلا فارجع، فقال: لئن لم تأتني بمن يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا، فإن كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي، فقالوا لأبي سعيد الخدري: قم معه، وكان أبو سعيد أصغرهم، فقام معه فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم كانوا يبالغون فى دقة  الكلام النبوى كما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى لا يغيروا فى معانيه ، ومع إجازة أكثر العلماء لرواية الحديث الشريف بالمعنى إلا أنهم اشترطوا فى الراوى أن يكون من أهل الاجتهاد وأهل العربية عارفاً بمواقع الألفاظ بصيراً بدلالاتها ، وإذا تصرفأحد الرواة في المعنى، تداركه أهل العلم فينبهون عليه.

بل دققوا حتى نشأ علم التصحيف والتحريف الذى يهتم بالحرف الواحد والشكلة والنقطة حتى قالوا : (لا يُنير الكتاب حتى يُظلِم).. وهو علم من العلوم المهمة فى علوم الحديث وقد صُنِّفت فيه المصنفات.

وعليه.. فلو سُمِح للتاريخ أن ينطق، لشهد بأنه لم يعرف شخصا رُصِدت حركاته وسكناته، وَوُثّقَتْ أقواله وأفعاله، وحُفِظَت نظراته وهمساته، بل وسكتاته، إلا محمدا رسول الله.. إنه الشخص الوحيد على كوكب الأرض من لدن آدم إلى يومنا هذا إلى يوم القيامة.. الذي جُعلَت حياته العامة والخاصة دستورا ونبرسا ونظام حياة، وهذه الأمة لها الحق أن تفتخر بما أنتجته من علوم خادمة ومناهج مدققِّة وموثِّقة لهذه التركة المقدسة، ولا ينبغى لإنسان ما أن يطعن فىمنهج علمى عاشت عليه الأمة هذه القرون الطويلة ثم يأتىويدعى هو أن منهجهم كان خطأً وأنهم لم يميزوا الصحيح من السقيم ، وأن هناك أحاديث كثيرة تخالف العقل والعلم ، بل هناك من الأحاديث ما يخالف القرآن الكريم.!!

وهو فى كل ذلك متجنٍ ومدعٍ بلا حجة ولا بينة قوية إذ إن التعارض فى الوحى الصحيح غير ممكن قطعاً ؛ ولكن قد يشتبه بعض الوحى على بعض الناس ، وعند التشابه يجب أن يكون المرجع إلى الراسخين فى العلم ، فهم أعلم الناس به ، ولا بد قبل الطعن والتهجم على الوحيين الشريفين وإبطال العمل بهما أن يعلم الطاعن الفرق بين العام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمفصل وغير ذلك مما لا يتسنى فهم العلم إلا به ، وأن يكون دارساً لعلوم الآلات حتى يمكنه فهم نصوص الشرع الشريف ، ولكن الطامة الكبرى أنك تجد الطاعنين فى سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يجيدون قراءة القرآن من المصحف الشريف ، ولم يدرس أحدهم شيئاً من علوم العربية ، ولا الأصول والمنطق ، وعدم وجود هذا عند الباحث يجعله يتخبط ويأتى بالعجائب كما قال الحافظ ابن حجر : (وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب).

فمن زعم التعارض فليأت به إلى المتخصصين فإنهم أدرى به، وكان الإمام ابن خزيمة يقول : (ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئاً من ذلك فليأتي لأؤلف له بينهما).

وقال الإمام ابن القيم يقول فيما مفاده : (وليس بين أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعارضاً ولا تناقضاً ولا اختلافاً وحديثه كله يصدق بعضه بعضاً).

والحق أن هناك أحاديثا فهمت على غير معناها ، فطعن فيها البعض ، وقبلها البعض بفهم خاطئ، وكان يجب على من يصدِّق بها أن يوضح معناها ، ويكشف عن مشكلها ، حتى يتسنى فهمها للكافة ، وإنه من الواجب على العلماء والدعاة  أن يزيلوا غبار الشك حول ما أُشكل من نصوص الشرع الشريف عند المثقفين وأنصاف المثقفين ليقوموا بواجب وقتهم  كما قام الأئمة الأعلام قديماً بواجب وقتهم ، وإن لم يفعلوا فإن الله تعالى سائلهم عن أمانة العلم التىضيعوها. وألفت الانتباه إلى ضرورة حُسن مخاطبة المخالفين بما يصحح لهم المفاهيم بالمنهج العلمى والعقلىالرصين حتى  يشرحوا صدور الناس إلى الإسلام ويعلموهم الدين على وجهه الصحيح دون حزبية بغيضة ، أو مذهبية مشينة وحينئذٍ يعم نور الله تعالى على العالمين.

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ