الجمعة , نوفمبر 22 2019
الرئيسية / المجلس الحديثي / د.إبراهيم شعبان يكتب.. وقفة مع (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كفر أو أَشْرَكَ)

د.إبراهيم شعبان يكتب.. وقفة مع (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كفر أو أَشْرَكَ)

تمسَّك بظاهر هذا الحديث قوم فخرجوا به عن جوهره وحقيقته، ولا زلنا ونحن ندرس في كتب الفقه الإسلامي ندرس (كتاب الأيْمَان)، ولم ينسحب ذلك إلى مسألة الشرك أو الكفر إلا بظهور الفكر المتشدد الذي لا يمثل الإسلام الذي جاءنا به سيدنا رسول الله ﷺ، ومن تتبع كلام الفقهاء عن حكم الحلف بغير الله ــ يجد أن كلمة الفقهاء تدور بين الحرمة والكراهة.
وقد قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: «ومن حلف بغير الله فهي يمين مكروهة وأخشى أن تكون معصية؛ لأن النبي ﷺ سمع عمر يحلف بأبيه فقال عليه السلام: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فقال عمر: والله ما حلفت بها بعد ذاكرًا ولا آثرًا».
والأمة مجمعة على أن الحلف بغير الله تعالى لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الحالف تعظيم المحلوف به على الله سبحانه، والحكم بالكفر أو الشرك حينئذٍ ليس لأنه حلف بغير الله، وإنما لأنه عظَّم أحدًا على الله تعالى.
وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر كما في فتح الباري شرح صحيح البخاري (11/531): «فان اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به، وكان بذلك الإعتقاد كافرًا، وعليه يتنزَّل الحديث المذكور، وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه».
وهذا فهم الأئمة الذي عليه المسلمون على مدار التاريخ، حتى جاء بعض المعاصرين من الوهابية بأحكام لا يعرفها المسلمون عبر تاريخهم فجعلوا من الحلف شركًا وكفرًا.
ولا بد أن نضع في الاعتبار أن ما يصدر عن الناس مما هو في صورة الحلف دون قصد الحلف، فيخرج منهم مخرج العادة، كمن يقول: ورقبة أبي، أو يقول: والنبي، أو غير ذلك، مما يُتهم القائل به، أنه ليس من المحرم ولا المنهي عنه.
وإن كان الأولى أن يتنزه عنه المسلم، لكننا لا نحكم بالمخالفة على القائل إلا إذا قصد به الحلف، فمرجع كونه من الحرام أو المكروه أو المباح راجع إلى قصده.
والذي يدلل على ما أقول: ما رُوِيَ من قول أبي بكر كما عند البخاري وغيره: «يا أخت بني فراس، ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني، إنها الآن لأكثر قبل أن نأكل».
فقال: وقرة عيني.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة  قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: «أما وأبيك لتنبأنه أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان».
فقال: أما وأبيك.
وجاء في الصحيح: «أفلح وأبيه إن صدق».
فنهانا صلى الله عليه وسلم عن الحلف بالآباء ثم يرد عنه صلوات الله وسلامه عليه ما يشبه الحلف بذلك، وجوابه كما قال الإمام النووي في شرحه على مسلم (7/124): «قد يُقال: حلف بأبيه، وقد نُهيَ عن الحلف بغير الله وعن الحلف بالآباء.
والجواب: أن النهي عن اليمين بغير الله لمن تعمَّده، وهذه اللفظة الواقعة في الحديث تجري على اللسان من غير تعمد فلا تكون يمينًا ولا منهيًا عنها».
وعلى هذا فالحلف بغير الله تعالى ليس شركًا إلا في حالة اعتقاد تعظيم المحلوف به على الله تعالى فتنبَّه.
وهو حرام إذا كان بغير الله تعالى مطلقًا كما عند جمهور أهل العلم، وجوَّز الإمام أحمد بن حنبل في رواية عنه جواز الحلف بالنبي وانعقاده به؛ لأنه أحد ركني الشهادة.
ورأى الشافعية أن الحلف بغير الله تعالى ليس بحرام بل هو مكروه.
واتفق العلماء على أن ما صدر لا على جهة الحلف معفوٌ عنه، كقولنا: والكعبة، والنبي، ورقبة أبي، ونحو ذلك، بشرط عدم قصد الحلف، وإن كان التنزه عنه أولى، والله أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

تسأل سائلة:،ما حكم المسح على غطاء الرأس في الوضوء دون إزالته ؟

  الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله …