الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / سلايدر / السادس من أكتوبر.. أسطورة تحققت بدماء الشهداء

السادس من أكتوبر.. أسطورة تحققت بدماء الشهداء

د.أحمد البصيلي يكتب:

إننا نعيش في شهر أكتوبر ذكريات جليلة، ومناسبات جميلة، إنه شهر الانتصار، وموسم رد الاعتبار، ومحل التأييد والعون من لدن القوي الجبار، ومحطة الوصول والقبول لدى العزيز الغفار..

إن شهر أكتوبر يذكّرنا – من ضمن ما يذكّرنا به – بحدث تاريخي وطني إيماني فريد، لو تحث عنه التاريخ لَجَثَا على رُكبتيه، ولو تحدثت عنه الدنيا لتمرّغت تحت قدميه، إنها المعركة الفاصلة بين الحق والباطل، بين الشرف والهوان بين الوطنية والضياع.. إنه حرب العاشر من رمضان.. ذلك الحدث التاريخي الفريد الذي اهتزت له القلوب طربًا، وابتسمت له الثغور فرحًا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرًا.

إنه الحدث الذي عوضنا عما فُوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967م، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، واكتسبت إسرائيل ما اكتسبت، وأجرمت في حق الله الله والإنسان.. وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، إضافةً إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو حرب السادس من أكتوبر (10 رمضان 1393هـ/ 6 أكتوبر 1973م). و(شهر رمضان) ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان لكل ذلك أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء.

ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصًا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل!

لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورًا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرًا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب؛ ولهذا حُفظ السر، ولم يبح به أحد.

وبعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزًا ترابيًّا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

وكان كل شيء مُعدًّا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كلُّ سلاحٍ بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كلٌّ قام بما هيئ له، وما كلف به.

وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيًّا وروحيًّا؛ لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبًا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

وكان الوقت مناسبًا من ناحية أخرى أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد؛ لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ لأن مثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

إنني أظن أن غالبية المسلمين يحفظون هذا الحديث: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”.

وهذه الروح العظيمة هي التي رأيناها في ملحمة السادس من أكتوبر “العاشر من رمضان” تلك الملحمة المُهابةِ الخالدةِ، إن هذه الروح هي سر النصر المؤزّر، إنها مقصد أسمى وغاية عليا للإسلام العظيم..

وقد ساهم سلاح النّفط مساهمةً فاعلة في هذه الحرب؛ حيث اجتمعت دول النّفط العربي لتقرّر تقليص إنتاج النّفط ورفع أسعاره حتّى ضاقت الولايات المتّحدة الأمريكيّة ذرعًا بهذا الإجراء، فأرسلت مبعوثها وزير الخارجية هنري كيسنجر ليقوم بمساعي سلام بين الدّول المتصارعة انتهت بانسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي التي احتلتها.

إنها العودة إلى وحدة الأمة؛ لقد أدركت كل دولة أنها لا بد أن تكون قوةً لأختها، وكان شعار الجميع قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ بعد أن أدرك الجميع أن التفرق سر الضعف وأن التنازع باب الفشل ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾.

وأيقنوا أن العدو حريص على العبث بنا وبمقدساتنا، ومجتهد في شق صفوفنا، وجاد في العمل على الانفراد بكل منا على حدة، في الوقت الذي تجتمع كل قوى الاستعمار العالمي على معاونة الصهاينة ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، ومن هنا كان الاستخدام العربي الناجح لسلاح قطع البترول عن الدول المساندة للكيان الصهيوني.

وكان رائد ذلك الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله، فضلا عن الكتائب العربية التي دخلت المعركة إلى جوار الجيش المصري والسوري، وإن كانت في معظمها رمزية، لكنها كانت تعبيرا عن حالة الوحدة التي لا غنى للأمة عنها إذا أرادت أن تكسب معركتها مع عدوها.

هذا على المستوى الدولي..

أما على مستوى الأفراد والقوات، فلقد سجل التاريخ كلمته.. كيف كان المسلم الصائم في رمضان يقاتل مدافعا عن وطنه بجانب أخيه المسيحي اللذين بذلا النفس والنفيس فداء للواجب، وتخليدا للشرف والمجد..

كيف كان القائد بجانب الجندي في ميدان المعركة.. الكل يبذل روحه في سبيل إعلاء كلمة الله وراية الوطن..

لقد ارتوت أرض سيناء الحبيبة ومصرنا العزيزة بدماء شهدائها البررة، الذين خلّدوا ذكراهم بأحرف من نور على صفحات من ذهب.. إنهم أحياء عند ربهم يرزقون.. فرحين بما ءاتاهم الله من فضله..

إن حرب أكتوبر المجيدة هي أكبر حرب تم تنفيذها على ساحة الميدان بعد الحرب العالمية الثانية؛ فقد قلبت موازين القوى رأسا على عقب، وسطّر الجيش المصري دروسا خالدة في كيفية إدارة معارك الأسلحة المشتركة، وإعادة هيكلة المفاهيم القتالية مرة أخرى.. لقد تم في حرب اكتوبر 73 وعلى مسرح عملياتها تنفيذ أكبر معركة جوية استمرت لأكثر من 53 دقيقة فى قتال جوى متلاحم، وتم خلالها أيضا تنفيذ اكبر معركة بالمدرعات بعد الحرب العالمية الثانية..

إن من أهم أسباب النصر: متانة الجبهة الداخلية وقوة الوحدة الوطنية، إذ أدرك المصريون جميعا مسلمين ومسيحيين أنه لا يمكن أن نواجه التحديات إلا بصف وطني متماسك، ولحمة قوية متينة على سائر المستويات، ومجتمع مترابط، وصف متحد، وقد كانت صيحة (الله أكبر) نشيد الجندي المصري المسلم والمسيحي على السواء.

ولم يسمح العقلاء في الأمة للفتنة الطائفية أن تطل برأسها أو حتى أن تلعب بذيلها، فصدر الجميع عن روح وطنية رائعة، وحمل الجميع أرواحهم على أكفهم فداء لوطنهم ولعزتهم، وفي ذلك أكبر دليل على سلامة النسيج الاجتماعي الوطني المصري، وعلى أن ما يحصل الآن من محاولات زرع فتيل الأزمة وإشعال الفتنة هو أمر مصنوع ودخيل على الشخصية المصرية، ومن واجبنا جميعا أن نقف بالمرصاد لكل من يسعى لإحداث الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد.

لا نقول هذا الكلام من باب المصلحة الآنية، أو تمشيا مع ظروف معينة، بل إننا ندين بوحدتنا الوطنية ونتعبد بها لله رب العالمين، وإن من يسعى لإفساد ذات البين بين أبناء الوطن الواحد، مبغوض عند الله منبوذ عند الناس.. لدرجة أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” (ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟) قالوا:بلى , قال :(صلاح ذات البين , فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر , ولكن تحلق الدين ).. أي تذهب بالدين من القلب حتى يصير صاحبه كالأنعام أو أضل سبيلا..

وواجبنا الآن أن نحافظ على ما قد مات أباؤنا وأجدادانا في سبيل الحفاظ عليه، نحافظ على وحدتنا ومقدراتنا ووطننا، مع تمام الاعتقاد أن هذا من صميم تديننا وتعبدنا لله.. لأنه لا يُتصوَّر في عقل عاقل دين بلا وطن، ولا وطن بلا تضحية وبناء وإعمار..

فاللهم احفظ علينا ديننا، ووطننا، واستعملنا اللهم في خدمتهما على الوجه الذي يرضيك عنا، ولا تحرمنا خير ما عندك لسوء ما عندنا.

 

 

 

 

 

 

 

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الدكتور هشام الأزهري يتحدث عن صفات النبى من شرح نور العيون