الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..مسؤولية المواطن في بناء الوطن والحفاظ عليه

د.أحمد البصيلي يكتب..مسؤولية المواطن في بناء الوطن والحفاظ عليه

للمسؤولية في الإسلام صورٌ كثيرة، وأشكالٌ متعدِّدة، وقد أحاط النبى- صلى الله عليه وسلم بكثيرٍ من صورها وجوانبها بقوله: ((إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه))، وقوله: ((كلُّكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيَّتها، والخادم راعٍ في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
• ومن صور المسؤولية في الإسلام مسؤولية الفرد تجاه نفسه، وتجاه والديه، وتجاه أهل بيته؛ كزوجته، وولده، وخادمه، وتجاه عمله، وتجاه وطنه، وتجاه مجتمعه، وتجاه بيئته، وتجاه أمته الإسلامية، وكل مسؤولية من هذه المسؤوليات تندرج تحتها واجبات وحقوق يجب أن يؤدِّيَها الفرد.
• ومسؤولية الإنسان تجاه نفسه تكمن في حفاظه على الكليات الخمس التي هي من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي الحفاظ على الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ومسؤولية الإنسان تجاه والديه تنحصر في برهما والإحسان إليهما، ومسؤولية الإنسان عن أهل بيته تكمن في رعايتهم الرعاية المادية من حيث توفير المأكل والمشرب والملبس، والرعاية الإيمانية من حيث حثهم على أداء حقوق الله – عز وجل – وفرائضه، والبعد عمَّا حرم على عباده، ومن مسؤولياته المعاملة الحسنة لأهل بيته وحسن الخلق، وأن يتعامل بالعدل في أهل بيته، وأن يجنِّبهم الأذى وأن ينصح لهم.
• والنساء شقائق الرجال، وعليهن مثل ما على الرجال من المسؤوليات تجاه أنفسهن وتجاه أولادهن، وتجاه الأمة وتجاه المجتمع، وتجاه البيئة التي يعشن فيها، وعليهن العبء الأكبر والنصيب الأعظم في تربية جيل المستقبل وصناعة رجال الأمة وحملة لوائها.
• والحاكم عليه مسؤوليات جَسِيمة وخطيرة لتعلُّق حقوق الرعية والعباد به، وارتباط مصالح البلاد بقرارته وخطواته، ومسؤوليته تتركَّز في الحفاظ على الأموال والدماء والأعراض …الخ، وهو مسؤول عن رعاية مصالح العباد والنصح لهم، ودفع الأذى والضرر عنهم، والنظر في مظالمهم وشكاواهم، والعدل بينهم في المعاملة، وحماية بيضة الدين، والدفاع عن حوزته، وتأمين حدود البلاد، وإعداد الجيوش القوية لمواجهة أعداء الدين والوطن، وهو مسؤول عن الحفاظ على أموال المسلمين، وإسناد الوظائف وتقليد المناصب للأكفاء والأمناء، ومتابعتهم بالمراقبة والمحاسبة، وهو مسؤول عن اختيار البطانة الصالحة التي تُعِينه على القيام بحقوق الله – عز وجل – وحقوق العباد ومصالحهم.
• والعامل في عمله مسؤول عن قضاء حوائج المسلمين دون أن يشق عليهم، ومُطَالب أن يؤدِّي عملَه بإتقان، وأن يحافظ على مال المؤسَّسة التي يعمل بها، كما أنه مُطَالب بالتعاون مع زملاء العمل للارتقاء بمؤسستهم، ومُطَالب باحترام اللوائح والقوانين التي أقرَّتها المؤسسة وارتضى أن يعملَ وَفْقها مالم تخالف تلك القوانين شريعةَ رب العالمين.
• وكل أفراد المجتمع مسؤولون عن البيئة التي يعيشون فيها، وعليهم مسؤولية الحفاظ عليها من التلوث، والحرص على تجميلها بالغرس والزرع والتعمير، وعدم التعدي على مواردها بالائتلاف أو الإهدار أو الإسراف.
• ومسؤولية الأفراد عن الأوطان تكمن في حب الوطن، والشعور بالانتماء إليه، والحفاظ على أمنه واستقراره، والعمل على رقيه ونهضته، والحفاظ على موارده ومقدراته، واحترام النظم والقوانين التي وضعتها الحكومة وعدم خرقها.
• ومسؤولية الأفراد عن الأمة تكمن في التعاون والتكاتف بين أفرادها، والتناصح والتواد والتعاطف والتناصر، والاهتمام بقضايا الأمة، ومحاولة إيجاد الحلول لمشكلاتها، والمشاركة الإيجابية والفعالة فيها.
• ومسؤولية الفرد عن المجتمع تكمن في أداء حقوق أفراد المجتمع عليه، وكف أذاه عنهم، والتعاون بين أفراد المجتمع على البر والتقوى، والتناصح فيما بينهم، والتكافل الاجتماعي.
• وغياب الشعور بالمسؤولية سلوك سلبي له آثار كبيرة على المجتمع وعواقب وخيمة، وهو السبب الرئيسي لما آلت إليه أوضاع الأمة من تردٍّ بالغ على كافَّة الأصعدة الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والصحية، وغيرها، ولغياب الشعور بالمسؤولية صور وأشكال متعددة، وهناك مظاهرة سلبية كثيرة تصاحبه، منها الإهمال في أداء العمل، والتهرب من مسؤولية الفعل، وإلقاء التُّهم على الآخرين، واختلاق الحجج والأعذار للهروب من المشكلة أو من العقوبة.
• وغياب الشعور بالمسؤولية من أهم أسبابه غياب الوازع الديني وضعفه عند بعض الناس، وغياب مبدأ الثواب والعقاب في المؤسسات، وغياب التربية على الشعور بالمسؤولية، وضعف الوعي لدى الناس بالمسؤوليات وأهميتها وخطورة غياب الشعور بالمسؤولية على الفرد والمجتمع.
• وغياب الشعور بالمسؤولية له آثار سلبية؛ منها: حلول الفوضى، والإخلال بالالتزامات الأدبية والمادية، وضياع الحقوق، وغياب الثقة وضياعها بين أفراد المجتمع، وظهور الاتكالية لدى الأفراد، وعدم القدرة على الاعتماد على النفس، والتبعية للغير وعدم الاستقلالية، وتأخر البلاد عن اللحوق برَكْب التقدم، وبقاؤها في عداد الدول النامية والمتخلفة.
• وللأسرة دور كبير في إيجاد مجتمع يشعر أفراده بالمسؤولية، وعليها في المقام الأول تقع مسؤولية تربية الأبناء على الشعور بالمسؤولية وغرسها في نفوسهم، من خلال إيجاد القدوة الحسنة التي يتأثَّر بها الطفل، ومن خلال غرس الثقة في نفس الطفل، وتربيته على الشعور بقضايا الأمة والمنكوبين من حوله في المجتمع، ومن خلال تربيته على الحفاظ على البيئة وحب الوطن والانتماء إليه، ومن خلال تربيته على احترام حقوق الآخرين ومَن هم أكبر منه سنًّا، ومن خلال منحه الفرصة لأداء بعض المسؤوليات، وإعانته على أدائها، وبإفراطِ الأسرة في محبة الولد وزيادة تدليله، وتلبية كل حاجاته – تنشأ لديه الاتكالية على الغير والتبعية له، وعدم القدرة على الاعتماد عل النفس، ومن ثَمَّ ضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة على حل المشكلات والهروب منها.
وحينما تغيب هذه المفاهيم عن الإنسان يضطرب سلوكه في الكون.
* وقد خُلق الإنسان ليعمر الأرض ويكون خليفة فيها، لذلك عليه أن يكون واعيا بما تصلح به حياته وبما يفسدها، ما يجعله يثابر في الإتيان بما يساعده على التحمل الأمثل لمسؤولية الخلافة في الأرض، بينما قلة الوعي بهذا الجانب باعث على تبديد الطاقات وعدم توجيهها الوجهة الصحيحة التي تثمر الحياة الطيبة. فالإنسان ميّال إلى اتباع ما فيه مصلحته ونفعه، لذلك نجد أنّ الوحي استعمل هذا الميل لتقرير بعض المبادئ والمفاهيم الأساسية في تفعيل الانسان، أهمّها: الترغيب في طيب الحياة، فقد قال الله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ “النحل: 97 . وكذلك الترغيب في الفوز والصلاح وينبثق منه وضوح التصور حول المصير والجزاء، فعقيدة الجزاء تعتبر أنّ مصير الإنسان في الحياة الأخرى مرتبط بدوره في ساحة الدنيا: “مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىآ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَىا وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ” [غافر: 40]. وللإيمان باليوم الآخر أثر تربوي جليل في حياة الإنسان، حيث إنّه لا يقتصر فقط بكونه طريقا للثواب في الحياة الأخرى، إنّما هو كذلك الحافز على الخير في الدنيا، بإصلاحها وإنمائها، على أن يُراعى أنّ هذا الإصلاح وذلك الإنماء ليسا هدفا في ذاته، وإنّما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه وكرّمه على كثير من خلقه… وبالإيمان بالآخرة على هذا الأساس يتبيّن الفرق بين من يشعر أنّ حياته على الأرض هي كلّ ماله في هذا الوجود ومن يشعر أنّ حياته على الأرض ابتلاء يُمهّد للجزاء.
فالوعي بما يصلح للإنسان وينفعه يجعله راغبا في تحصيل سعادته والتزام السبيل المؤدية إليها بكل عزم، وذلك بالقيام بمسؤولياته التي من شأنها أن تحقق له الصلاح في الدنيا والفوز في الآخرة.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ