الجمعة , نوفمبر 22 2019
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب .. “التنمية في نظر الإسلام”

د.أحمد البصيلي يكتب .. “التنمية في نظر الإسلام”

إذا اردنا أن نلخص الإسلام أو أن نعبر عنه عقائديا لقلنا انه (دين التوحيد)، واذا أردنا أن نعبر عنه سياسيا لقلنا انه (دين الشورى والديمقراطية) لقوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} وقوله تعالى: {وشاورهم فى الأمر.
وإذا أردنا أن نعبر عنه اجتماعيا لقلنا انه (دين الرحمة والمحبة) لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لن تؤمنوا حتى تحابوا).
فإننا نستطع ان نعبر عنه اقتصاديا بقولنا أنه (دين التنمية والتعمير) لقوله تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) أى كلفكم بعمارتها ،وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة [أى شتله زراعية] فإن استطاع الا يقوم حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر).
لقد جاء الإسلام كخاتم للأديان السماوية تنظيما شاملا لكافة البشر ولمختلف نواحى حياتهم العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ..الخ. ومن هنا كان الإسلام دينا ودنيا ، أو ما اصطلح عليه بأنه عقيدة وشريعة.
اما فى المجالات السياسية والاقتصادية والتنظيمية ،فلم يأت الإسلام إلا بنصوص محدودة وعامة ،ومن هنا كانت بدورها صالحة لكل زمان ومكان ، بغض النظر عن درجة التطور السياسى أو الاقتصادى أو الحضارى للمجتمع، وبغض النظر عن أشكال أو أدوات الإنتاج السائدة.
الإسلام والتنمية:
ولعل من أهم ما جاء به الإسلام فى المجال الاقتصادى مبدأ أو أصل (التنمية الإقتصادية الشاملة) بقوله تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} أى كلفكم بعمارتها ، وجعل الإسلام هذا التعمير أو التنمية هو سبيل سعادة الإنسان فى الدنيا والآخرة بقوله تعالى: {ومن كان فى هذه أعمى فهو الآخرة أعمى وأضل سبيلا}.
وانه سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة الله فى أرضه بقوله: {إنى جاعل فى الأرض خليفة}،وأنه تعالى سخر له ما فى السموات والأرض يستثمرهما وينميها وينعم بخيراتها ويسبح بحمده بقوله تعالى: {وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه}.
وقوله تعالى: {فاذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}.
بل لقد بلغ حرص الإسلام على التنمية وتعمير الدنيا ان قال الرسول عليه الصلاة والسلام {إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة أى شتلة زراعة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر}.
والواقع أن التنمية الاقتصادية ،هى من أهم الأصول وأولى المبادئ التى جاء بها الإسلام فى المجال الاقتصادى. ذلك أن الإسلام ومنذ من أربعة عشر قرنا ،وضع المشكلة الاقتصادية ، وهى مشكلة الفقر والتخلف ،منذ البدء وقبل أن تتطور الأحداث وتفرض المشكلة نفسها ، وذلك حيث يجب أن توضع فى الأساس والمقدمة.
بل إن الإسلام حين طالب الناس بالعبادة وذكر الله تعالى ،علله فى القرآن الكريم بقوله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}، وإن سيدنا موسى عليه السلام حين دعا الله {رب اشرح لى صدرى ويسر لى امرى} قرنه بقوله تعالى: {كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا}.
اكثر من ذلك فقد اعتبر الإسلام مجرد ترك أحد أفراد المجتمع ضائعا أو جائعا هو تكذيب للدين بقوله تعالى: {أرأيت الذى يكذب بالدين ،فذلك الذى يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين}.
ومن هنا فقد ساوى الإسلام بين التخلف والكفر، ولم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من شئ بقدر استعاذته من الفقر فيقول عليه السلام: (كاد الفقر أن يكون كفرا) ويقول: (اللهم أنى أعوذ بك من الكفر والفقر) فلما سأله أحدهم أيعدلان قال نعم.
ومن هنا أيضا ساوى الإسلام بين التنمية والسعى فى الأرض وبين الجهاد فى سبيل الله بقوله تعالى: {وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون فضلا الله، وآخرون يقاتلون فى سبيل الله}.
وجعل الإسلام طلب المال الحلال وتنميته فريضة وجهادا بقوله عليه السلام: (طلب الكسب فريضة على كل مسلم) وقوله: (من فقه الرجل أن يصلح معيشته)، وكان عليه الصلاة والسلام يناجى ربه بقوله (اللهم أصلح لى دنياى التى فيها معاشى).
ولقد كان لسيدنا على بن ابى طالب رضى الله عنه تعبير دقيق عن الفقر والتخلف اذ وصفه بأنه (الموت الأكبر)، كما ان للسلف مأثورا دقيق التعبير هو قولهم (إذا ذهب الفقر – بمعنى التخلف – إلى بلد قال له الكفر خذنى معك(.
** لقد وضع الإسلام للتنمية حسابًا خاصًا، فجعلها في حكم الواجب، وقد فسر علماء التفسير قول الله عز وجل {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود :61]. على أنها تفيد الوجوب، فالسين والتاء في «استعمركم» للطلب، والطلب المطلق من الله يكون على سبيل الوجوب، وفي تلك الآية يقول الإمام الجصاص:«إن في ذلك دلالة على وجوب عمارة الأرض بالزراعة والغرس والأبنية».
ومن ذلك قول النبي [:«ما من مسلم يغرس غرسًا ، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».
وفي مجال الحوافز الدنيوية، «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منه له به صدقة».
وفي الآونة الأخيرة أصبح الدمار والخراب والإبادة الجماعية للشعوب المستضعفة جزءًا من استراتيجيات التنمية الوضعية، إذ يؤدي هذا الخراب في اعتقادهم إلى إعادة التوازن في التركيبة السكانية لصالح هذه الدول المتجبرة، ثم يبدأ مسلسل النهب العالمي لثروات المستضعفين من خلال ما يسمى إعادة الإعمار على نهج (إني لأقتله وأبكيه معًا) فبئس ما كانوا يصنعون.
*والعبادة التعاملية هي أهم العبادات لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل: من المفلس؟، فرد الصحابة رضوان الله عليهم «المفلس فينا من لا درهم له ولا مال»، قال صلى الله عليه وسلم: «المفلس من أتى بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيؤخذ هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاته فوضعت على سيئته فطرح في النار».
والشيء الدقيق في خلق الإنسان هو أنه كائن لكنه يتحرك، وقد تحرك لأن الله أودع فيه حاجة إلى الطعام وأخرى للجنس وثالثة تتعلق بحب البقاء، ومن خلال تلك الحركة يستقيم الإنسان أو ينحرف، وبالتالي كانت الدنيا دار ابتلاء، وكل الناس على وجه الأرض مجبولون على حب الوجود وتحقيق السعادة، إلا أننا نجد كثيرا منهم في الشقاء، ومرجع ذلك إلى الجهل الذي يحيط بالناس ويجعلهم محط الشقاء. فأول كلمة نزلت في القرآن كانت «أقرأ» فهذه هي الحاجة العليا في الإنسان، إذا لم يلتزم بها هبط عن إنسانيته.!
والحق أن واقع المسلمين مؤلم جداً والطرف الآخر يرى الإسلام من أفعال المسلمين، والمسلمون يتقاتلون وبينهم 95 بالمئة قواسم مشتركة، أما الطرف الآخر يتعاونوا رغم أن القواسم المشتركة بينهم لا تزيد عن 5 بالمئة، مع أن المسلمين لن يقنعوا الطرف الآخر إلا بالعطاء الحضاري، لاسيما أن الإسلام بناء أخلاقي في الأساس.
فالإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسد يتحرك، وهو يحتاج إلى خشوع وبكاء واتصال بالله، وما لم تلب حاجة العقل بالعلم، وحاجة القلب بحب الله وحاجة الجسد بالطعام يكون هناك نوع من التطرف. وإذا لم تكن هناك تنمية فيستحيل أن تكتمل تلبية هذه الاحتياجات، سُنّةَ الله ولن تجد لسُنّة الله تبديلا ولا تحويلا.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

تسأل سائلة:،ما حكم المسح على غطاء الرأس في الوضوء دون إزالته ؟

  الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله …