الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..انتبه “ابن تيمية مَرَّ بمرحلتين”

د.إبراهيم شعبان يكتب..انتبه “ابن تيمية مَرَّ بمرحلتين”

من صور تدليس الوهابية في ترجمتهم لابن تيمية (مقال مهم جدًا جدًا).
لا أتعرض هنا لذكر من قدح في ابن تيمية بإطلاق كالتقي السبكي وعلاء الدين البخاري، والصفي الهندي، والصدر ابن الوكيل، وابن جملة الانصاري، والسروجي، والبدر ابن جماعة والحافظ ابن حجر المكي وغيرهم ممن حكم عليه بالكفر أو البدعة، ويمكن أن أذكر النصوص عنهم في ذلك.
ولكنني سأذكر لك من اشتهروا من محبيه ونُقلت أقوالهم فيه بالمدح،لنحقق القول في ذلك، وترى كيف أن محبي ابن تيمية بعصبية خالفوا نزاهة البحث العلمي والأمانة.
ولا بد من إدراك أن ابن تيمية رحمه الله مر بمرحلتين: الأولى كان معتدلًا فيها، وهو حافظ كثير الحفظ يسرد من الحديث وأقوال السلف الشيئ الكثير، وهذا يستحسنه منه العلماء حتى امتدحوه مدحًا بالغًا، ثم طرأ عليه حال آخر وهو خروجه بمسائل جديدة واستنباطات غريبة جعلت علماء المذاهب الأربعة يخرجون عليه حتى سجن بإجماع علماء المذاهب الأربعة وهذا سبب موته في السجن، فالذين يصورون أنه مظلوم ومضطهد لأجل مقالة الحق والدفاع عنه ليس عندهم أمانة لأنه سجن بفتوى أئمة المذاهب الأربعة من العلماء العاملين، أفيصح أن نتهمهم جميعًا ونصدق ابن تيمية؟؟؟حتى يحكي الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته أن بعض قضاة العدل من أصحابنا منعه من الإفتاء ببعض ذلك، ومن هنا حدث الخلط بين المدح والقدح عند كثيرين ووضعوا النصوص في غير مواضعها في ابن تيمية.
1 ـ فيذكرون مدح ابن دقيق العيد: “ما اظن أن الله بقى يخلق مثلك” وينسون أن ابن دقيق العيد توفي سنة 702هـ، وابن تيمية 728هـ ومعلوم أن ابن دقيق العيد إمام أشعري مشهور فلو سمع ابن تيمية يتفوه بمقالاته لكان أول من واجهه، ثم إن الوهابية لا يذكرون قول ابن دقيق العيد لما سئل عنه: فَقَالَ هُوَ رجل حفظَة، قيل لَهُ فَهَلا تَكَلَّمت مَعَه؟ فَقَالَ هَذَا رجل يحب الْكَلَام وَأَنا أحب السُّكُوت”. ولا يخفى أن هذا ليس مدحًا.
2 ـ يذكرون مدح الذهبي له، والذهبي مكثر في مدح ابن تيمية كثيرًا وهذا حق، ولا يذكرون قوله: “وأنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية” يعني في العقيدة والشريعة، ولو ذكرها بعضهم وكان أمينًا لم يسعه أن يعلق عليها.
بل ولا يذكرون رسالته في آخر عمره “زغل العلم صـ38” وقوله عن ابن تيمية: “فوالله ما رمقت عيني أوسع علما ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له: ابن تيمية، مع الزهد في المأكل والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبت في وزنه وفتشته حتى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت قد أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب، وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور، نسأل الله تعالى المسامحة، فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم منه ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، وما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه، وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون، فلا تكن فى ريب من ذلك”، وقد أثبت تلك الرسالة الحافظ السخاوي ونقل منها لأن بعض الجهلة يطعن فيها لأنها تظهر خروج الذهبي على ابن تيمية وهم لا يرضون ذلك، وهي مطبوعة وحققها غير واحد، فهل يصح بعد هذا أن يُذكر مدح الذهبي لابن تيمية بعدما أظهر عنه ذلك؟؟! أقول: إن هذه خيانة علمية كبيرة..
3 ـ يذكرون مدح ابن الزملكاني له: “اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها” ويذكرون مدحه: ماذا يقولُ الواصفونَ له … وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ.
دون أن يذكروا انه رد عليه بكتابين في مسائل، بل وهو من تولى مناظرته فيما بعد كما حكاه غير واحد من المؤرخين، فهل يصح أن تذكر مدحه أولا وتنسى أنه ناظره ورد عليه بكتابين، لا أرى هذا إلا تدليسًا وخيانة للعلم.
4 ـ يذكرون مدح وثناء الإمام ابن رجب الحنبلي في ذيل طبقات الحنابلة، وينسون أنه تبرأ من أقواله في آخر عمره، وقد نص على هذا الحافظ ابن حجر العسقلاني في (إنباء الغمر 1/460): فقال: “ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره التيميون”.
فكيف يستدلون بمدح ابن رجب الحنبلي وقد هجر أقواله والرجوع عنها وترك الإفتاء حتى مات؟ بل يحكي التقي الحصني عنه أنه كان يقول في مجالسه: معذور السبكي أي في تكفيره.
فهل يصح بعد هذا ان يذكروا مدحه دون بيان رجوعه عن أقوال ابن تيمية ونقده لها؟
5 ـ يذكرون مدح الحافظ ابن حجر العسقلاني وتقريظه على الرد الوافر وبعض عباراته التي يمدح فيها ابن تيمية، ويتناسون أن الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام أشعري مشهور، ولا ينكر هذا إلا جاهل بالعلم، وتخطئته لابن تيمية في فتح الباري في أكثر من مسألة كقدم العالم والتوسل وشد الرحل وغيرها مما يخالف فيه ابن حجر ابن تيمية ثم لك أن تتأمل عبارته فيه: “فَالْوَاجِب على من يلتبس بِالْعلمِ وَكَانَ لَهُ عقل أَن يتَأَمَّل كَلَام الرجل من تصانيفه الْمَشْهُورَة أَو من السّنة من يوثق بِهِ من اهل النَّقْل فيفرد من ذَلِك مَا يُنكر فليحذر مِنْهُ قصد النصح ويثني عَلَيْهِ بفضائله فِيمَا أصَاب من ذَلِك كدأب غَيره من الْعلمَاء الأنجاب”.
وأرى أن الحافظ ابن حجر أحسن به الظن لأنه كان يرى أن ابن تيمية رجع عن قوله في العقيدة، وقال أنا مفوض على مذهب الأشعري، ونص ابن حجر في (الدرر الكامنة 1/172): “وأحضر إِلَى القلعة وَوَقع الْبَحْث مَعَ بعض الْفُقَهَاء فَكتب عَلَيْهِ محْضر بِأَنَّهُ قَالَ أَنا أشعري ثمَّ وجد خطه بِمَا نَصه الَّذِي اعْتقد أَن الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله وَهُوَ صفة من صِفَات ذَاته الْقَدِيمَة وَهُوَ غير مَخْلُوق وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَأَن قَوْله {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} لَيْسَ على ظَاهره وَلَا أعلم كنه المُرَاد بِهِ بل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَالْقَوْل فِي النُّزُول كالقول فِي الاسْتوَاء وَكتبه أَحْمد بن تَيْمِية ثمَّ أشهدوا عَلَيْهِ أَنه تَابَ مِمَّا يُنَافِي ذَلِك مُخْتَارًا “.
وطبعًا الوهابية يكذبون ابن حجر في هذا ويقولون لم يصح عن ابن تيمية، مع أن الحافظ ابن كثير يذكر رجوع ابن تيمية أيضًا في جواز التوسل فيقول في (البداية والنهاية18/74، 75 طبعة هجر) قال ابن تيمية: “وَلَا يُسْتَغَاثُ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْتِغَاثَةً بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ، وَيُتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى اللَّهِ. فَبَعْضُ الْحَاضِرِينَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي هَذَا شَيْءٌ. وَرَأَى الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ أَنَّ هَذَا فِيهِ قِلَّةُ أَدَبٍ”.
وأيضًا لا يوافق الوهابية على رجوعه هنا ويستدلون بكتبه، ولا يرضون بهذا عن ابن كثير.
وهنا يبقى سؤال مهم: إذا كان هذا موقف العلماء من ابن تيمية في عصره وبعد عصره فلم اشتهر بهذه الصورة الكبيرة؟ قلت: مات ذكر ابن تيمية ولم يكن له ذكر في عصره ولا بعد عصره بقرون ولا تُذكر إلا أقواله في الفرعيات، وإذا ذكرت في العقائد ذكرت على سبيل التخطئة والنماذج من هذا اكثر من أن تحصى، حتى جاء ابن عبد الوهاب فجدد الخلاف وأحدث الفجوة من جديد، واتهم الناس بالشرك حتى قال: أتباعه: مات التوحيد حتى أحياه ابن عبد الوهاب، وهو وهم كبير على عادتهم.
وليس هذا كلامي أو استباطي، بل به شهد زعيم السلفية في مصر محمد خليل هراس في كتابه (الحركة الوهابية صـ43) حين أشار إلى طبع كتب ابن تيمية فقال: “وتلك مفخرة من مفاخر هذه الدعوة ستظل تذكر لها بالعرفان والتقدير، فإن كتب شيخ الإسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح”.
ويذكر رشيد رضا وهو من رؤوس الوهابية في كتابه (الخلافة صـ82) أن حكومة الحجاز كانت تمنع من دخول كتب ابن تيمية وابن القيم فقال: ” أَن هَذِه الْحُكُومَة خصم لكل علم يعين على الْإِصْلَاح الديني والدنيوي فَهِيَ على كراهتها للعلوم والفنون العصرية – حَتَّى تَقْوِيم الْبلدَانِ – تمنع كثيرا من الْكتب الشَّرْعِيَّة ككتب شَيْخي الْإِسْلَام المصلحين الكبيرين ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وَغَيرهمَا من دُخُول بِلَاد الْحجاز”.
وجاء في كتاب ( تراجم المؤلفين التونسيين 2/80) في ترجمة سالم بن عمر بو حاجب البنبلي المتوفى 1924م: “قيل إنه أول من نقل في دروسه عن ابن القيم في وقت كان الرأي السائد عنه أنه من المبتدعة هو وشيخه ابن تيمية ان لم يقع الارتقاء بهما إلى درجة الكفر”.
وهذا ينبئك عن حالة السطو العلمي الذي حدث في تلك المرحلة أما قبلها فلم يكن لابن تيمية ولا مؤلفاته ذكر او وجود، وليس له كتاب علمي واحد يدرَّس في أي مدرسة علمية في التاريخ كله.
فكن منصفًا وأمينا لتعلم أن ابن تيمية رحمه الله خرج على الأمة بمسائل في العقيدة والشريعة هجره العلماء عليها، وهو بشر من البشر يصيب ويخطئ، ونسأل الله التوفيق والسداد آمين.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ