الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..مشروعية التبرك بالصالحين وآثارهم عند أئمة الحديث الشريف

د.إبراهيم شعبان يكتب..مشروعية التبرك بالصالحين وآثارهم عند أئمة الحديث الشريف

اتفق السلف قاطبة ـ إلا من شذ ـ على مشروعية التبرك بالصالحين وآثارهم في الحياة وبعد الممات، كما أجازوا ذلك بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد انتقاله، ونحن نؤكد أنه ليس للمانعين من حجة إلا زعمهم أن التبرك طريق إلى الشرك، وأنه يعني تأليه المتبرَّك به، وكلاهما وَهْمٌ كبيرٌ يعيش فيه القوم، فليس التبرك معناه أننا نقدس الجماد لذاته، وليس أننا نتبرك بالصالحين أننا نعبدهم، بل نرى أن محبة الصالحين وآثارهم قربة تقربنا إلى الله تعالى، فإذا قلت ذلك تُفاجَأ بأحدهم يقول: قولكم هذا هو نفس قول المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
ونحن نقول لهؤلاء: وأنتم حينئذ تسلكون مسلك الخوارج عندما عمدوا إلى آيات نزلت في المشركين فجعلوها في المؤمنين، كما في صحيح البخاري عن سيدنا ابن عمر: ” إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين”.
ولم يفهموا قول المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ} فهم عبدوهم لذاتهم وتقربوا إليهم بالطاعات مما عصم الله تعالى أمة حبيبه صلوات الله وسلامه عليه، في قوله الشريف كما في الصحيحين: “وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا”، فالرسول الكريم لا يخاف علينا من الشرك وهؤلاء يخافونه علينا!! ولذلك نقرر أن مبالغتهم في ذكر ما حدث مع الأمم السابقة من وجود الشرك فيها لتعظيم الأولياء والصالحين مقارنة بأمة النبي صلى الله عليه وسلم قياس مع النص، وهو لا يجوز باتفاق العقلاء.
ولهذا درج المسلمون على التبرك بالصالحين وآثارهم، ولم يروا في ذلك غلوًّا ولا شركًا؛ بل عدوا ذلك من جنس القربات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى.
وأود أن أنبه إلى أمر في غاية الأهمية وهو أن كل تبرك للصحابة بآثار النبي صلى الله عليه وسلم قد فهمه أئمة الحديث الشريف على عمومه، بمعنى أنه يجوز ذلك الفعل بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وبآثار غيره من الصالحين، وقصره على النبي دون غيره تعنت وقع فيه القوم، وليس لهم فيه سلف، بل أقوال أئمة الحديث حجة عليهم في ذلك.
وقد أكثر من ذلك شراح الحديث الشريف كابن حبان، وابن بطال، وابن عبد البر، والقاضي عياض، والنووي، وابن الملقن، والبدر العيني، وابن حجر، والسيوطي، وأمثالهم ممن هم قبل ابن تيمية وبعده، حين قرروا عبارة: “وفيه جواز التبرك بالصالحين وآثارهم”.
وهذه وحدها تكشف لك الوهم عند من قصر ذلك على الآثار النبوية، حتى برزت عبارات الحفاظ بكثرة في التأكيد على عمومية التبرك بالصالحين أحياءً وأمواتًا، وهكذا فهم السلف، ومن هذه النصوص:
بوب الإمام ابن حبان المتوفى 354هـ في صحيحه بابًا بعنوان: “ذكر ما يستحب للمرء التبرك بالصالحين وأشباههم”، وآخر بعنوان: “استحباب التبرك للمرء بعشرة مشايخ أهل الدين والعقل”، وثالث بعنوان: ” ذكر إباحة التبرك بوضوء الصالحين من أهل العلم إذا كانوا متبعين لسنن المصطفى صلى الله عليه وسلم دون أهل البدع منهم”.
وقال الإمام أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ المتوفى 385هـ كما في (تاريخ بغداد 14/328): “كُنَّا نتبرك بأبي الفتح القواس وهو صبي”.
وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر المتوفى 463هـ في (التمهيد 13/67): “الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم “.
وقال الإمام القاضي عياض المتوفى 544هـ كما في (إكمال المعلم بفوائد مسلم 7/21): ” فيه التبرك بالصالحين ودعائهم”.
وقال الإمام الجليل أبو العباس القرطبي المتوفى 656هـ في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 7/355) عن التبرك بماء البئر التي كانت ترده ناقة نبي الله صالح: “أمره صلى الله عليه وسلم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلًا على بعض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم، هذا، وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض”.
وقال شيخ الإسلام النووي المتوفى 676هـ في (شرح مسلم 5/161) وهو يعدد فوائد الحديث: “ومنها التبرك بالصالحين وآثارهم والصلاة في المواضع التي صلوا بها وطلب التبريك منهم”.
وقال الإمام علاء الدين ابن العطار المتوفى 724هـ كما في (العدة في شرح العمدة 1/380): ” وفي الحديث فوائد كثيرة: منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم … ومنها: استعمال فضل طهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم”.
وقال الإمام أبو عبد الله الفاسي المعروف بابن الحاج المالكي المتوفى 737هـ في كتابه (المدخل 1/255) عن التوسل والتبرك بقبور الصالحين: ” وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَعُلِمَ مَا لله تَعَالَى بِهِمْ مِنْ الِاعْتِنَاءِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، وَمَا زَالَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَكَابِرِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا يَتَبَرَّكُونَ بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَيَجِدُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى”.
وقال الإمام شمس الدين الكرماني المتوفى 786هـ في (الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري 21/99): ” وفيه التبرك بآثار الصالحين ولبس لباسهم”.
وقال الإمام الجليل ابن الملقن المتوفى 804هـ (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 4/327): ” وفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد الصالحين” يقصد النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الإمام شمس الدين البِرْماوي المتوفى 831هـ في (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح 14/461) وهو يذكر فوائد الحديث: “والتبَرُّك بآثار الصالحين ولبسُ لباسهم”.
ويقول الإمام المقرئ الحاذق والمحدث البارع شمس الدين ابن الجزري المتوفى 833هـ عن قبر الإمام الشاطبي إمام القراءات كما في (غاية النهاية في طبقات القراء 2/23): “وقبره مشهور معروف، يُقصد للزيارة، وقد زرته مرات، وعرض عليَّ بعض أصحابي الشاطبية عند قبره، ورأيت بركة الدعاء عند قبره بالإجابة – رحمه الله ورضي عنه”.
وقال الإمام شهاب الدين ابن رسلان الشافعي المتوفى 844هـ في (شرح سنن أبي داود 12/147): “وفيه التبرك بآثار الصالحين من فضل طهور وأكل ولبس وغير ذلك مما ترتجى به البركة؛ ولأنه مما يتداوى به”.
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر المتوفى 852هـ كما في (فتح الباري 1/569): “فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين”.
بل أفرد الحافظ ابن حجر في كتابه: (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) بابًا بعنوان: “باب التبرك بآثار الصالحين”.
وقال الإمام البدر العيني المتوفى 855هـ في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري 8/41): “وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين”.
وقال الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي المتوفى 902هـ في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن بريد الأزهري الشافعي (التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1/102): “دفن بالبقيع بالقرب من قبر الإمام مالك رحمه الله وكان له مشهد حافل جدًّا، وتأسف الناس خصوصًا أهل المدينة على فقده، وقبره ظاهر يزار رحمه الله وإيانا ونفعنا ببركاته”.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى 926هـ في (منحة الباري بشرح صحيح البخاري 2/79): ” وفي الحديث: جواز ضرب الخيام والقباب والتبرك بآثار الصالحين”.
وقال أبو العباس العلامة القسطلاني المتوفى 923هـ كما في (إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 2/396): ” وفيه التبرك بآثار الصالحين”.
وقال العلامة عبد الحق الدهلوي المتوفى 1052هـ في (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح 4/107): “وهذا الحديث أصل في التبرك بآثار الصالحين ولباسهم كما يفعله بعض مريدي المشايخ من لبس أقمصتهم في القبر”.
وقال العلامة نجم الدين الغزي الدمشقي المتوفى 1061هـ في (حسن التنبه لما ورد في التشبه 2/546): ” كذلك ينبغي التبرك بآثار الصالحين، والحرص على ما عسى أن يحصل منهم من كسوة، أو طعام، أو دراهم، أو غيرها تبركًا بآثارهم”.
وقال العلامة أبو عبد الله الزرقاني المتوفى 1122هـ شرحه على موطأ مالك (2/72): ” وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين”.
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي المتوفى 1352هـ في (المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود 4/186): ” ودلت بقية الحديث على جواز التبرّك بآثار الصالحين”.
وهذه النصوص عن أئمة الحديث الشريف وحفاظه دليل على الوهم الذي سرى إلى الوهابية في المنع من التبرك بالصحابة والتابعين وآثارهم، وتكشف لك عن القصور العلمي الذي درج عليه القوم في مخالفتهم الفجة لأئمة العلم وشراح السنة الشريفة، وتبين مدى التضليل الذي أحدثته الوهابية (السلفية المعاصرة) في تحريم التوسل والتبرك بالصالحين وآثارهم على اعتبار أنه طريق إلى الشرك، فهل هؤلاء الأئمة والعلماء عبر التاريخ يجيزون الشرك ويحللون الحرام، وهل كل هؤلاء خالفوا السلف في نظر الوهابية، فإن لم يكن هؤلاء هم السلف فعلى الدنيا السلام.
وعلى من يخالف هؤلاء الأئمة أن يعلم أنه هو من خالف السلف وخرج على عقيدة الأمة وعلمائها وأئمتها، وأن الحق سيسأله عن هذا الضلال الذي به يستبيح عقيدة الناس ويتخذ منه سُلَّمًا لوصف المسلمين بأنهم عبَّاد القبور، وعموم الشرك في المجتمعات، واتهام الناس بفساد العقيدة، وهؤلاء قوم تنقصهم الخشية من الله تعالى، وتنقصهم المعرفة الحقة بتراث أسلافهم من أئمة العلم والدين، وبعد هذه المقدمة سنورد لك الأدلة العملية من فعل السلف الصالح على التبرك بالصالحين وآثارهم الذي اتفق عليه أئمة الحديث، ولكننا سنرجئه إلى المنشور التالي خشية الإطالة، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ