الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / سلايدر / د.أحمد البصيلي يكتب..الهجرة النبوية وإصلاح الواقع المعاصر

د.أحمد البصيلي يكتب..الهجرة النبوية وإصلاح الواقع المعاصر

يهل علينا هلال شهر الله المحرم لعام 1438 من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والهجرة جزء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته وحدها منهج حياة لهذا الإنسان؛ فالكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، قرآن يتحرك، قرآن يتعامل مع الخلق، فحينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن، والنبي – من مسلمات العقيدة – معصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي صفاته، لأنه معصوم أمرنا الله عز وجل أن نأخذ عنه، وأن ننتهي عما نهانا عنه، قال تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

وخطة الرسول عليه الصلاة والسلام للهجرة وما بعدها، لم تكن خطة عام واحد، وإنما كانت لمرحلة كاملة من الدعوة إلى الله ، ولم تكن لفرد واحد أو أسرة واحدة أو قبيلة بمفردها، وإنما كانت لأمة ممتدة زمانًا ومكانًا ليستطيع كل منَّا أن يضع خطة لنفسه وأسرته وعائلته بل وأمَّته أيضًا.
فماذا ستفعل خلال عام قادم ؟!
إن هذا السؤال يقودنا إلى سؤال أصعب منه، وهو ماذا فعلت خلال عام بل أعوامٍ مضت؟!
إن الهجرة بكل ما تحويه من أحداث وخطط وأسباب ونتائج تعد نبراسا لكل من يريد أن ينجح في حياته الخاصة والعامة، الدنيوية والأخروية..
نتعلم من الهجرة قيمة “الأخذ بالأسباب” وكأنها كل شيء، والاعتماد على الله وكأنها ليست بشيء.. كما نستفيد منها خطورة “الصحبة” وعِظَمَ أثر الصديق، كما أبرزت لنا الهجرة “عزة النفس”، التي لا غنى لمسلم بل لآدمي عنها.. حين قال أبو بكر : فخذ بأبي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين . فقال له صلى الله عليه وسلم : بالثمن .لأنه صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أن اليد العليا خير من اليد السفلى. لقد علمتنا الهجرة كيف تكون الوحدة الوطنية والأخوة الحقة والتكافل الاجتماعي والتكاتف المجتمعي بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والبذل والإيثار، وتقديم المصلحة العامة على النزوات الفردية والمصالح الشخصية.. في مواقف خلدها التاريخ بأحرف من نور على صفحات من ذهب.
درس في الحب :
الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول :” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ” .
إن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحاً بصحبته صلى الله عليه وسلم . . .
حين كان جالساً مع أهله في الظهيرة، إذ أقبل النبي عليه الصلاة والسلام متقنعاً مغطياً رأسه، ففزع أبو بكر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتيهم في تلك الساعة.. يدخل النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: يا أبا بكر أخرج من عندك . قال أبو بكر : إنما هم أهلك يا رسول الله . قال :فإني قد أذن لي في الخروج . قال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله . فقال : نعم . فبكى أبو بكر ولسان حاله يقول:
طفح السرور علي حتى إنني *** من عظم ما قد سرني أبكاني
روي عن عائشة أنها قالت : فما شعرت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ .إن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله .
إن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب صلى الله عليه وسلم على أهله ونفسه .
إن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم على أحر من الجمر .
درس في التضحية والفداء :
لقد سطر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية، والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين .. لقد هاجروا لله ولم يتعللوا بالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
فيوم أن بات علي في فراشه صلى الله عليه وسلم وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش ، ويوم أن قام آل أبي بكر (عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر) بأدوارهم البطولية كانوا يعلمون أن مجرد اكتشافهم قد يودي بحياتهم .
هكذا كان شباب الصحابة فأين شبابنا .. أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة .
نعم .. لقد نام شبابنا عن الصلاة يوم أن نام علي مضحياً بروحه في سبيل الله ، فشتان بين النومتين .
أين شبابنا الذين كلّت أناملهم من تقليب أجهزة القنوات ومواقع الشبكات . أين هذه الأنامل من أنامل أسماء وهي تشق نطاقها لتربط به سفرة النبي عليه الصلاة والسلام . ويوم القيامة ستشهد الأنامل على تضحية أسماء ، وستشهد على الكل بما كانوا يعملون .
الشاهد: أن الإسلام انتشر على كاهل الشباب، وأن تاريخ الأمة الإسلامية زاخر بشباب غيروا مسار التاريخ، وخلدوا ذكراهم بأحرف من نور على صفحات من ذهب، ويوم أن كان الشباب مشاركين في منطقة صنع القرار، كانت العزة والرفعة لهذه الأمة، لأن التغيير منهم وبهم، وبغيرهم تفقد الأمة أعصابها، وبتهميشهم تصبح الأمة مستهلِكة غير منتجة، ومأمورة غير آمرة، وتابعة غير متبوعة..
علينا أن نعيد جدولة اهتمامات الشباب، فبدلا من أن تُشحن عقولهم وتنشغل قلوبهم بسفاسف الأمور، والتسكع في الشوارع، والمعاكسات على النواصي، والإدمان، والتدين المغشوش.. عليهم أن ينظروا إلى أولويات الحياة نظرة اعتبار، لا أقصد بذلك تضييقا عليهم، أو مصادرة لترفيههم، ولكن عليهم أن يجمعوا بين الترفيه والتوجيه، والتسلية والتوعية.. وأن يكون الترويح عن النفس موافقا لتعاليم دينهم، وهوية وطنهم، وعادات أهليهم وتقاليدهم..

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

شاهد..الدكتور هشام الأزهري يتحدث عن صفات النبى من شرح نور العيون