الأربعاء , نوفمبر 13 2019
الرئيسية / سلايدر / د.إبراهيم شعبان يكتب..التبرك والتوسل ومشروعيتهما عند الإمام المبجل أحمد بن حنبل وأئمة مذهبه

د.إبراهيم شعبان يكتب..التبرك والتوسل ومشروعيتهما عند الإمام المبجل أحمد بن حنبل وأئمة مذهبه

يزعم الوهابية أنهم على منهج أحمد في الاعتقاد والشريعة، ونحن نجزم بخلاف ذلك في كثير من المسائل، وهذا مثالٌ علمي مؤصل من كتب الحنابلة وأئمتهم في مشروعية التبرك والتوسل بالصالحين بعد الموت، وهو رد على الوهابية الذين ينسلخون من تراث إمامهم وأئمة مذهبه جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن، لعل هؤلاء القوم أن يرجعوا إلى ما عاشت عليه الأمة واتفقت عليه كلمة المسلمين.
فقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب عن أبيه فقال كما في (العلل 2/492): “سَأَلته عَن الرجل يمس مِنْبَر النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتبرك بمسه ويقبله، وَيفْعل بالقبر مثل ذَلِك أَو نَحْو هَذَا، يُرِيد بذلك التَّقَرُّب إِلَى الله جلّ وَعز فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك”.
فالثابت عن أحمد أن تقبيل منبره أو قبره الشريف لا بأس به، وهذا يخالف ما يقرره وهابية العصر، حتى إن محقق كتاب العلل: وصي الله ابن محمد عباس (سامحه الله) لا يعجبه كلام الإمام أحمد فقال في الهامش: “وأما جواز مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك به فهذا القول غريب جدًا، لم أجد أحدًا نقله عن الإمام، وقال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر صـ31: “اتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد”.
فيقول: لم أجد أحدًا نقله، وهو محققه في رواية ولده عبد الله؟ فأي عقل وأي فكر؟! ودون أن يبحث عمن ذكره عن الإمام!!!
وأحمد بن حنبل ينص على التوسل بالجناب النبوي كما نقله أئمة الحنابلة عنه، ونص عليه ابن مفلح في (شرح المقنع 2/207)، والمرداوي في (الإنصاف 2/456)، والبهوتي في (كشاف القناع 2/68)، والرحيباني في (مطالب أولي النهى 1/817): ” قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إِنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي دُعَائِهِ، وَجَزَمَ به فِي “الْمُسْتَوْعِبِ” وَغَيْرِهِ”.
وهذا الإطلاق من الإمام أحمد محمول عند أصحابه على الجواز، وقال بعضهم بل على الاستحباب، والمعاصرون ممن يزعمون أنهم حنابلة: يقولون: التوسل هو طريق الشرك؟! فهل كان الإمام أحمد يسلك طريق الشرك؟!!
بل وذكر الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل كما في (تاريخ الإسلام 18/52): فصل في آدابه: ثم قال: “قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يُقَبِّلُها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جُبِّ الماء، ثم شرب فيها، ورأيته يشرب ماء زمزم، يستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه”.
فها هو الإمام أحمد يتبرك بشعره صلى الله عليه وسلم ويقبِّلُهُ، ويضعه على عينه ويغمسه في الماء ويشربه ليستشفي به، وقد أورد ذلك ولده عبد الله في مسائل الإمام أحمد (صـ447)، والإمام ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (صـ255).
فأين المتنطعون الذين يزعمون أن هذا ضلال وبدعة، بل ويعدونه من الشرك؟!!
وهؤلاء هم الذين عناهم الحافظ الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء 11/212) قائلًا: “أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأسًا”، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع”.
فإنَّ الحافظ الذهبي يرى أن إنكار أمثال هذا ليس إلا من فعل الخوارج وأهل البدع ويستعيذ بالله منهم، فتنبَّه.
بل وكان ولده عبد الله يتبرك به رضي الله عنه، فقد قالت فاطمة بنت الإمام أحمد بن حنبل: “وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بفتاة، فحملوا إليه جهازًا شبيهًا بأربعة آلاف دينار، فأكلَته النار، فجعل صالح يقول: “ما غمَّني ما ذهب إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه”.
قالت: فطفئ الحريق، ودخلوا، فوجدوا الثوب على سرير، قد أكلت النار ما حوله وسَلِمْ”.
قلت: فانظر لتلك الكرامة الكبيرة للإمام أحمد رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته في الدارين، وقد روى هذا عن الإمام أحمد من الحنابلة الإمام ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (صـ400)، والحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (11/230)، وابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/12) وغيرهم.
وروى الإمام ابن الجوزي في (مناقب الإمام أحمد صـ400، 401): ” عن عبد الله بن موسى – وكان من أهل السنة – قال: خرجتُ أنا وأبي في لَيلة مُظلمة نزور أحمد، فاشتدَّت الظلمة، فقال أبي: يا بُني، تعال حتى نتوسَّل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حَتى يُضيئ لنا الطريق، فإني مُنذ ثلاثين سَنة ما توسَّلتُ به إلا قُضيت حاجَتي، فدعا أبي، وأمَّنْتُ أنا على دُعائه، فأضاءّت السماء كأنها ليلة مُقمرة حتى وَصلنا إليه”.
وقال الإمام أبو علي الهاشمي البغدادي الحنبلي المتوفى 428هـ متوسلًا بالإمام أحمد في مقدمة كتابه (الإرشاد إلى سبيل الرشاد صـ3): “وجملة من الفقه على مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه وعنا به”.
فتأمل قوله: “وعنا به” فإنه توسل واضح.
وقال الإمام الفقيه شيخ الحنابلة ابن قدامة في (المغني 3/478، 479) عن التوسل بالجناب النبوي عند زيارته: “ثُمَّ تَأْتِي الْقَبْرَ فَتُوَلِّي ظَهْرَكَ الْقِبْلَةَ، وَتَسْتَقْبِلُ وَسَطَهُ، وَتَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت رِسَالَاتِ رَبِّك، وَنَصَحْت لِأُمَّتِك، وَدَعَوْت إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَعَبَدْت اللَّهَ حَتَّى أَتَاك الْيَقِينُ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْك كَثِيرًا، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أَفْضَلَ مَا جَزَيْت أَحَدًا مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته، يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] .
وَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي، فَأَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ، كَمَا أَوْجَبْتهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِي حَيَاتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ، وَأَكْرَمَ الْآخَرِينَ وَالْأَوَّلِينَ، بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ”.
فماذا يقول الوهابية عن قول ابن قدامة: “وَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي”، هل هذا شرك وطلب واسطة بينك وبين الله كما يفترون؟!
فنقول لهؤلاء القوم اتقوا الله في أمة الإسلام واحفظوا ألسنتكم عن اتهام المسلمين بالزور والبهتان، فليس التوسل شركًا ولا معصية؛ بل هو دليل على تعظيم الحق جل جلاله، لأننا نتوسل إلى الله تعالى بما يحبه ويرضاه، فليست صلاتك وصيامك وطاعتك التي أجزت بها التوسل بأحب عند الله من رسوله وحبيبه، واعلموا أن من قال بالتوسل للأحياء والأموات أكمل اعتقادًا ممن أجازه للأحياء ولم يجزه للأموات، فكأنه بجنايته تلك جعل للحي قدرًا من التأثير، أما من يجيز التوسل للأحياء والأموات فهو أكمل اعتقادًا لأنه لم يجعل للمخلوق أصلًا مهما كان عند الله عظيمًا أي نوع من التأثير، وهو يعتقد أن الأمر كله لله أولًا وآخرًا، وهو صاحب المشيئة والتصرف المطلق على الدوام، والله تعالى أعلى وأعلم.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

من دروس الساحة..د. يسري جبر الأزهري: باب الْعَمَلِ فِى عَقْلِ الأَسْنَانِ من شرح الموطأ