الرئيسية / سلايدر / د.محمود شلبي يكتب..من أمثال القرآن الكريم: المثل المائي والمثل الناري

د.محمود شلبي يكتب..من أمثال القرآن الكريم: المثل المائي والمثل الناري

قال تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد:17].

ضرب الله تعالى الأمثال للناس في كتابه العزيز لتقرير قضايا الإيمان والتوحيد، وإعداد النفوس لليوم الآخر، وتهيئتها للرحمات الأبدية والسعادات السرمدية، وكبحاً لغلواء الأنفس وما جبلت عليه من الشرور كالحرص والشح والأثرة والكبر والتجبر والغرور. وإن الأمثال تقرب المعاني للأفهام حين تعرضها في مظهر محسوس مشاهد ملموس، كما أنها تفصل المجمل، وتوضح المبهم، وتُذَلِّل العَصِيّ، وتُدني القصيِّ، وتُبيِّن للناس ما غاب عنهم، فتقوم الحجة الغراء، وتلوح المحجة البيضاء.

وفي الأمثال عظات وعبر، ومقاييس للخير والشر، والطيب والخبيث، وهداية الخلق إلى الحق، قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت : 43]، وقال سبحانه: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين}[النور: 34].

وفي هذه الآية الكريمة من سورة الرعد مثل ضربه الله تعالى للحق في ثباته وبقائه ونفعه للناس، وللباطل في اضمحلاله وزيفه وتلاشيه وفنائه.
والأودية جمع “وادٍ” وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء، والفرجة بين الجبلين.
وقوله تعالى: “بقدرها”: أي بمقدارها قلة وكثرة بحسب تفاوت مساحة هذه الأودية صغرا وكبرا، فإذا كان الوادي كبيرا استوعب الماء الكثير وجرى به، وإذا كان صغيرا جرى بما يناسب حجمه، أو يكون المعنى: فسالت مياه الأودية بقدرها أي بقدر مياهها لأنها لا تسيل بقدر أنفسها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما كما في تفسير الطبري رحمه الله وغيره أن هذا مثل للقلوب وتفاوتها في اليقين والشك، فما أنزله الله تعالى للناس من العلم والهدى والحق تحتمل القلوب منه على سعتها، فمن القلوب ما يسع علماً كثيرا لما وقر فيه من اليقين، ومنها ما يضيق فلا يتسع لكثير من العلوم لما حل به من الشك، قال: “فأما الشك فلا ينفع معه العمل, وأما اليقين فينفع الله به أهله”.

وقوله تعالى: {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا}، أي حمل السيل الزبد وهو ما يعلو وجه الماء حين الزيادة والجريان، وما يعلو وجه القِدْر عند غليانها، والرابي هو العالي المرتفع على وجه الماء.

وهذا هو المثل الأول وهو المثل المائي، فالماء الذي أنزله الله للناس مثل الحق، والزبد الذي يذهب جفاء فلا يبقى ولا ينتفع به أحد، وإنما تذهب به الريح ويعلق في فروع الشجر وجوانب الوادي مثل الباطل، فالحق باق ينتفع به الناس، والباطل وإن علا ورَبَى فإنه لا بقاء له ولا نفع فيه.

{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} هذا مثلٌ آخر للحقّ والباطل وهو المثل الناري, والمراد ما يوقد الناس النار عليه من ذهب أو فضة طلب حلية يتخذونها، أو متاع من النحاس والرصاص والحديد وغير ذلك, يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به، فهذه المعادن عند استخراجها تكون مختلطة بالتراب والشوائب، فتدخل النار لتتخلص مما علق بها من الخبث، فيعلوها الزبد كما يعلو السيل، ثم يطرح هذا الخبث ويرمى لأنه لا فائدة فيه، وتبقى المعادن لما فيها من النفع والفائدة.

{كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}، أي إذا اجتمع الحق والباطل فلا بقاء للباطل ولا ثبات له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، وكما لا يثبت مع الذهب وسائر المعادن عند سبكها، بل يذهب ويتلاشى ويضمحل.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} الجفاء: ما رمى به الوادي من الزبد في جوانبه، وفي تفسير الطبري: قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد أَجْفَأَت القِدْرُ, وذلك إذا غلت فانصبَّ زَبدُها, أو سَكنَت فلا يبقى منه شيءٌ.
{كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} كما ضرب الله هذا المثل للحق والباطل، وللإيمان والكفر, يضرب للناس سائر الأمثال ليعلموا ويهتدوا، ويغنموا ويسعدوا، حين ينتفعون بهدايات القرآن وتشرق عليهم أنواره.

وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره أنه ورد في السنة كذلك مَثَلٌ مائيٌّ ومَثَلٌ ناريٌّ. أما الأول فما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”. فهذا مثل مائي.

وأما الثاني فما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا, فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا, فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا, فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا”. فهذا مثل ناري>

وفي إعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر ما في الآية الكريمة من معانٍ وعبر قال: “ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما، والله الموفق” .

(( وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ))

شاهد أيضاً

من تراث الساحة..شاهد الشيخ إسماعيل العدوي: هذه هي فضائل رمضان فاحرص على اغتنامه