الرئيسية / سلايدر / د.محمود شلبي يكتب..من كلام النبوة الأولى

د.محمود شلبي يكتب..من كلام النبوة الأولى

عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ”.
هذا الحديث رواه البخاري، ورواه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه، ولم يخرجه مسلم في صحيحه، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: “وأظن مسلماً لم يخرجه لأنه قد رواه قوم فقالوا: عن رِبْعِيّ عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم فاختُلِفَ في إسناده، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن القولَ قولُ مَنْ قال: عن أبي مسعود، منهم البخاري، وأبو زرعة الرازي، والدارقطني وغيرهم، ويدل على صحة ذلك أنه قد رُوِيَ من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه.
وفي هذا الحديث دلالة على أن هذه الجملة “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” مما أُثِر عن الأنبياء السابقين، وأن الناس قد توارثوها ونقلوها عنهم جيلا بعد جيل، والظاهر أنها منقولة عنهم بمعناها لا بلفظها، لأنَّ لغاتِ الأنبياء مختلفةٌ متعدِّدةٌ، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
قال الخطَّابي رحمه الله: “معنى قوله «النُّبوَّة الأولى» أنَّ الحَيَاء لم يزل أمرُه ثابتًا، واستعمالُه واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم يُنسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها”.
والحياءُ تغيُّرٌ وانكسار يعرِض للإنسان من خوف ما يعاب به ويلام عليه، وهو مشتق من الحياة، فكأنَّ الحيَّ يكون ناقصَ الحياة ضعيفَ القوة لما يعتريه من الانكسار والضعف والتَّغيُّر.
وفي تأويل هذا الحديث وجهان:
الوجه الأول: أن المراد من الأمر التوبيخ والوعيد والتهديد، والمعنى على هذا: إذا لم يكن عندك حياءٌ يصدُّك عن القبائح، ويزجرك عن الرذائل، فدونَك فافعل ما تشاء، ومن وراء ذلك الحسابُ والجزاء، ونظير ذلك قوله تعالى: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15]، وقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، وقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، فالمراد بالأمر في ذلك كله إنما هو التوبيخ والتهديد والوعيد.
الوجه الثاني: أن الكلام جاء بصورة الأمر لكن المراد به الخبر، والمعنى إذا كان الفعل الذي تودُّ الإقدامَ عليه مما لا يُستحيا منه فليس عليك من حرج في فعله، طالما أنك موفور الحياء والمروءة، فإن حياءك سيُجنِّبُك فعلَ المآثم والقبائح.
والحياء في الإنسان قد يكون فطريًّا فيه، مخلوقًا معه، فهو فيه طبيعة وجِبِلَّة فطرية، ولا شك أن هذا خلق جليل، وسمت نبيل. وقد يكون الحياءُ مكتسبًا امتثالا لأوامر الشرع الشريف، وانقياداً لوصايا الدين الحنيف، والحياء المكتسب له منزلة رفيعة ومكانة عالية. فالفطري خَلِيقة، والمكتسب تخلُّق، وفي كل خير إن شاء الله.
والحياء خاصة إنسانية، قال ابن القيِّم رحمه الله: “خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصَّة الإنسانيَّة، فمَن لا حياء فيه، فليس معه مِن الإنسانيَّة إلَّا اللَّحم والدَّم وصورتهما الظَّاهرة، كما أنَّه ليس معه مِن الخير شيء”.
وخير إنسان تمثل فيه الحياء هو النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ” [متفق عليه].
وقد كثرت الأحاديث الدَّالَّة على قيمة الحياء ومكانته وكونه من أخلاق الإسلام وشُعَب الإيمان، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ” [متفق عليه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه]، وقوله صلى الله عليه وسلم: “الحياء لا يأتي إلا بخير” [متفق عليه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه]، وفي رواية لمسلم: “الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ” أَوْ قَالَ: “الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ”، وقال عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ” [رواه ابن ماجه والطبراني في الأوسط من حديث أنس رضي الله عنه]، وعن ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّه عنهما: أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: “دَعْهُ، فإِنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ” [متفقٌ عَلَيْهِ]، وغير ذلك كثير.
ومن مظاهر الحياء التي أرشدت السُّنَّةُ النساءَ إليها عدمُ الاختلاط بالرجال ، وتَرْكُ مزاحمتهن إياهم في الطرق. في سنن أبي داود عن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ – وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ – فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ :اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ” فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. وقوله “ليس لكن أن تحققن الطريق”، معناه: ليس لكن أن تَسِرْنَ في وسط الطريق، بل في جانبيه. وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا الأدب في قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23].
وليس من الحياء المحمود ما يمنع من قول الحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنه ليس من الحياء الذي دعا إليه الإسلام تضييع الحقوق، والعجز عن أداء الواجبات، قال ابن رجب رحمه الله: “الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد به الخُلُق الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء، وإنما هو ضعف وخَوَر وعجز ومهانة”، والله أعلم‏.‏
اللهم ارزقنا نعمة الحياء، واهدنا لأحسن الأخلاق، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، آمين.

شاهد أيضاً

في كفارة اليمين هل يجوز دفع المال نقدا للمساكين أم الإطعام؟

أجاز فقهاء الحنفية وغيرهم دفع القيمة بدلا عن الإطعام في كفارة اليمين وغيرها، خلافا لجمهور …