الرئيسية / سلايدر / د.سيدة مشكورة تكتب..”إنه القلم”

د.سيدة مشكورة تكتب..”إنه القلم”

حمدا لربنا الذي علّمنا بالقلم، وعلّم الإنسان ما لم يعلم! وصلى الله على حبيبنا ورسولنا محمد المعلم الوحيد الذي علم البشرية كلها بنعمة القلم، وعلى آله وصحبه وبارك وسلَم. وبعد!
لقد تسيطرت شبكات الاتصال وتسلطت على كثير من نواحي حياتنا العامة -بقطع النظر عن الفوائد والمفاسد والمضار التي تشتمل عليها ونتعرف عليها يوما فيوما حسب التكنولوجيا المتطورة- فالكلام اليوم ما سنح به الخاطر هو يتعلق عن نعمة “القلم” التي كفرناها أو نسيناها وابتعدنا عنها أو سلبت عنا هذه النعمة لكثرة استخدام الإنترنت بالأجهزة المختلفة وشغلنا فيه -سواء كان شغلا علميا أو أدبيا وما إلى ذلك..- بمختلف برامجها وتطبيقاتها.
القلم! وما أدراك ماالقلم؟! لقد أقسم ربنا جلا وعلا بالقلم فقال: “ن والقلم وما يسطرون”. فلا يحسن بمن له ارتباط بالعلم والأدب أن يجهل قيمته، وقد أقسم به سبحانه وتعالى به، وبه عَلَّمَنَا.. عَلَّمَنَا ما لم نعلم! وهذه النعمة الكبيرة لم نقدرها وقد ابتعد عنها هذا الجيل الجديد ابتعادا لا نعرف هل يعود إليها أم لا؟!
أذكر ما قاله سيدنا الإمام الحسن بن عليّ -رضى الله عنهما- عن معرفة المرءِ النعمةَ والجهل عنها بأن “النعم تجهل إذا أقيمت، فإذا وُلّت عُرفت كما قاله”.
كما أن الإنسان عندما يغلبه شعور من الحزن أو الفرح وما إليه من الأحاسيس والحالات المختلفة فيضطر إلى تعبيره وإحاطته بالبيان عما بداخله؛ فمنهم من يعبره بالقلم ومنهم من يعبر عنه باللسان ومنهم من يعجز عن البيان عما به لغلبة ما به بسبب غلبة مشاعر الفرح أو الحزن فيعدم القدرة على البيان.
فالذي تواجهه الكاتبة الآن هو أنني عندما بطشت يداي القلم وبدأت أكتب شيئا فشيئا جعلت أشعر بأن سحابة من النعمة الربانية تغشاني و أن رحمة مفقودة تحيطني وتضمني فأشعر شعور النائم المستريح على الحشايا والفرش الناعمة بعد تعب شديد، وكأني عدت إلى الفطرة، الفطرة!! (علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم) به تعلّمنا، وبه ارتقينا، وبه سعدنا، واليوم جعلنا نبتعد عنه، وأَخَذَت ( الكيبوردات) (لوحات المفاتيح للكتابة) والشاشات اللمسية منا هذه النعمة العظيمة الحبيبة و كأنها احتلت مكانته العالية !!
فقد تعبت تعبا، ليس تعبا بالأعمال! بل تعبا بتغيير طريق الكتابة، ورجعت إلى “قلمي” آخذه الآن في أناملي ولا زلت أكتب ولا أزال أكتب وأتمتع بالكتابة، لا بأس لي لو لم أؤدي حق الكتابة و حق الإبانة و الإفصاح ،وكيف أؤدي حق الكتابة، وقد اعترف الكاتبون الماهرون بالتقصير في كتاباتهم؟!! وكيف أؤدي حق الإبانة والإفصاح وقد أُخِذ كبارُ البلاغيين بزلاتهم؟!! نعم…! رغم كل ما يوجد بيني وبين التعبير عما في داخلي من مشاعر الحب للقلم أنا فرحة بأني جعلت أُحَرِّك قلمي ولا أزال أجد لذة عجيبة رائعة ،ولا يعرفها إلا من ذاقها!!
لا نبكي على زماننا وعادات عصرنا وتقاليده ولو بكينا لاتُّهِمْنا بالتخلف وعدم التكاتف مع الزمان! ولكن!! نريد أن لا ننسي فضل القلم ومكانته السامية بين نظرائه (الكيبوردات) المحسوسة و الملموسة ،وقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية أن كثرة استخدام الشاشات اللمسية تسبب إلى عدد كبير من الأمراض الجلدية، وستأتي بحث في الأيام القادمة في فضل القلم فتعرفه جميع الأقوام التي ترفض التقاليد للعادات القديمة ،وتحب التتابع مع كل دراسة جديدة وابتكار حديث واختراع محدث.
يقول الناس أن السعادة في هذا وفي ذاك من الأشياء المتعددة المحبوبة لديهم و يجتهدون في نيلها ثم الحفاظ عليها ليجدوا السعادة التي كانت تسيطر على أحلامهم يقظة ومناما، وأنا الآن أشعر لو أنهم أخذوا القلم نسوا جميع ما يتلذذون به ،ويرون أن السعادة فيه وجعلوا يعبرون به ما عندهم لأنهم فقدوه منذ مدة..!
لا أعرف إلى أين يصدق هذا القول مني وكم؟ ولكني أعرف بأن من طبع الإنسان “القياس” فهو مجبول عليه ومفطور فيقيس كل شيء وفق علمه ومعرفته.
ما أحسن لو جعلنا أحد أيام عامنا يوما “للقلم” نتخلص فيه من جميع آلات عصرية نعبر به عما بداخلنا، ونَهَب أيدينا وأقلامنا للقلم فقد ظلمناه ظلما كبيرا، وتركناه تركا قبيحا وأقمنا مقامه أشياء مساويها أكثر من محاسنها ،وأين هي من القلم؟! القلم! الذي أقسم الله تعالى به !!
(لعل أحد من القراء خطر بباله أن كل ما يعبر به الإنسان هو يكون قلما وكل شيء نظير للقلم له نفس الفضل الذي منحه الله تعالى للقلم فهذا الموضوع يتطلب بحثا ودراسة للوصول إلى الصواب، نعم يشمل كل ما نكتبه ونسطره -في سبيل الحق- بالقلم أو نظراءه شامل معه في: “وما يسطرون”).
وأخيرا…! -ولا أريد أن أختم كتابي، لشدة حبي للقلم، فقد لاقيناه بعد مدة كبيرة وعانقته أصابعي ولا يخفي على المحبين علاقة الوصل والفراق-. ما أحسن لو بدأنا استخدام القلم وعرفناه حق معرفته وما أحسن لو نعدّه سلاحا حقيقيا، وأين أجهزتنا الحديثة أمامه -رغم كونها ذات فضل كبير- مهما ارتقت التكنولوجيا فالقديم يكون حبيبا.
فلنتقدم نحو القلم من جديد ،ونأخذه ونتلطف بنعمة الله علينا ونشكره عليها. نعمتِ النعمةُ هذه!! لطمأنينة القلب والتعبير عما في النفس و راحة الجسد و سلامة العيون و ضياءها.
فالحمد لله لنعمة القلم ونستغفره -تعالى- مما أسرفنا في حقه وفي جميع نعمه، ونشكره تعالى على جميع النعم والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي علّمه ربنا وعصمه من الناس وسلّمه من منة الخلق ،فهو معلم لكل الإنسانية جمعاء.

وكتبته
د/ سيدة مشكورة
مدرس مساعد / باحثة الدكتوراة قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية — حيدرآباد. — الهند.

شاهد أيضاً

د.البصيلي يكتب..فضل قيام ليلة النصف من شعبان وصيام يومها

يستحب في ليلة النصف من شعبان، الإكثار من العبادة والذكر والدعاء. ولقد ورد في فضل …