الرئيسية / سلايدر / د.محمود شلبي يكتب..”الظن بالله تعالى”

د.محمود شلبي يكتب..”الظن بالله تعالى”

من الأحاديث القدسية

حسن الظن بالله تعالى.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” متفق عليه.

حسن الظن بالله تعالى والثقة به والرجاء فيه يوجب للعبد تحقيق مرغوبه، ونيل مطلوبه، ومغفرة ذنوبه، وتفريج كروبه، بموجب هذا الوعد الكريم: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي”، فإذا اعتقد العبد أن رحمة الله أوسع من ذنوبه، فتاب إلى ربه، فإن الله تعالى يقبل توبته، وإذا اعتقد العبد أن الله تعالى قدير على إجابة دعائه، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإنه تعالى يجيب دعوته، وإذا آمن العبد بما أنزله الله تعالى في كتابه، وصدق بالبعث والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، فخاف من عذاب الله خوفاً يُبْعِدُه عن المعصية، ولا يؤيسه من الرحمة، ورجا ثواب الله رجاءً يدفعه إلى الطاعة، ولا يؤمنه من المكر، فذلك هو المستقيم على الطريقة، الفائز في الحقيقة، الذي يُؤَمِّن اللهُ خوفَه ويحقق رجاءَه.
وأما من أساء الظن بالله، وكان في شك مما جاء به رسل الله الكرام، وظن أنَّ ذنبَه أكبرُ من أن تنالَه رحمةُ ربه، فيئس من رحمة الله، وَكَلَه الله تعالى إلى شَكِّه الْمُهْلِك وعقيدتِه الْمُرْدِية، فمهما اعتقد العبد بربه وجد جزاء ربه عند اعتقاده، إن خيراً فخير، وإن شرا فشر.

والعاقل الرشيد هو الذي يتجافى عن اليأس وينأى عن القنوط، فإنهما سبيل الهلاك ودليل البوار، قال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف : 87]، وقال تعالى: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56 ]، كما أن عليه ألا يأمن مكره فإنه آية الخسران، قال تعالى: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف : 99]

وإن الرجاء الذي يحقق للإنسان سؤله، ويقربه من ربه، ويظفره بمطلوبه ومحبوبه، ويدنو به من شاطئ السعادة ومرفأ الأمان، هو الرجاء الذي يقترن بالعمل الصادق والهمة العالية، أما الرجاء بدون عمل فحمق وغرور، وسهو ولهو، وأمنيات وأحلام هيهات أن يتحقق معها رجاء، أو يحصل بها أمل. فحسن العمل دليل على حسن الظن، كما أن سوء العمل علامة على سوء الظن. وإن في القرآن الكريم على هذا المعنى دلالةً واضحةً وإشارةً لائحةً في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة : 218] ، فالرجاء الحق لا يكون إلا بعد الإيمان الصادق، والعمل الصالح، وما عداه زيف وزور، وحمق وغرور، وعجز وقصور.

ومما يوضح ذلك أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث شداد بن أوس]. وقال الحسن البصري : “ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا نحن نحسن الظن بالله تعالى، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل”.
ولله دَرُّ من قال:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه وثوبك الدَّهرَ مغسولٌ من الدَّنَس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

فحريٌّ بالإنسان في كل موطن ولا سيما في مواطن الابتلاء في النفس أو المال أو الولد، أو عند دنو الأجل، أن يحسن الظن بالله، ويعظم الثقة به، والتوكل عليه، والرجاء فيه، فإن المصائب والآلام مواطن يختبر الله فيها إيمان المرء وعقيدته، وصدقه وإخلاصه، ويقينه في الرحمة والفرج القريب، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى : 28]، وقال تعالى: { وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة : 216].

وختاماً أسأل الله تعالى أن يلطف بنا والمسلمين فيما تجري المقادير ، وأن يرزقنا ويذيقنا حلاوة حسن الظن به — جل وعلا — ويجعلنا من عباده الصالحين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتبه د/ محمود شلبي
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر الشريف
مدرس أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة

شاهد أيضاً

د.البصيلي يكتب..فضل قيام ليلة النصف من شعبان وصيام يومها

يستحب في ليلة النصف من شعبان، الإكثار من العبادة والذكر والدعاء. ولقد ورد في فضل …