الرئيسية / سلايدر / د.محمد الجبَّه يكتب.. الأزهر الشريف كعبة العلماء

د.محمد الجبَّه يكتب.. الأزهر الشريف كعبة العلماء

الأزهرَ الشريفَ( ) هو الحِصنُ الذي انتهت إليه مواريثُ النبوَّة، واستقرَّت فيه أمانةُ السلف الصالح، واستعصمتْ به لغة القرآن الكريم، حتى غدت أرضُهُ حَرَمًا، وجنابُهُ حِمًى، وقولُهُ في الأمور فصلًا ليس بالهزل، وقد غدا عبر الزمان حصنَ العقيدة، ولسانَ الشريعة، ومَظْهرَ الحقيقة.
قدَّر الله للأزهر الشريف أن يكون كعبةَ العلماء، ومرجعَ الفقهاء، وقبلةً للمسلمين في العلوم والمعارف، كما قدَّر الله للكعبة المشرفة أن تكون قبلةً للمصلي والطائف، وهيَّأ الله له بقعةً مُباركةً تتوسَّطُ العالم، وعُلماءَ أُمناءَ على الشرع يذبُّون عن نُصوص الوحيين الشريفين ذَبَّ اللّيوث، ويجودون على الأسماع بما ينفع الناسَ في أمر دينهم ودنياهم منها جُودَ الغُيوث.
فاضْطَلعَ بحمل أمانة العلم بسنده الموصول بصاحب النور المحمدي ، وصار مصنعًا فَريدًا يُصنع فيه العلماء في كلِّ فَنٍّ، عن طريقِ منهجٍ دقيقٍ مُحكَمٍ نسَجَهُ عبر قرون، شاركت فيه عقولُ الأمَّة جمعاء، عن طريق عُلماءِ الأرض الذين زاروه، ودرَّسوا فيه، وطُلَّابِه الذين قصدوه من أقصى الأرض إلى أدناها وحَطُّوا رِحالَهم فيه، ليجمعهم على هؤلاء العلماء الذين يُوَرِّثونهم العلم كما ورثوه عن أشياخهم، فيتصل بذلك إسناد الطبقة من طلاب العلم بطبقة شيوخهم، إلى رسول الله، وهيَّأ لهم أماكن لإقامتهم، وأجرى عليهم من المال والطعام والمأوى ما يُعينهم على تحصيل العلم في أماكن تُسَمَّى الأروقة.
فاجتمعت علومٌ وخبراتٌ ومهاراتٌ، وتجاربُ بشريةٌ تطبيقية ممتدةٌ، صِيغَ منها هذا المنهج الذي يُناسِبُ الأمَّةَ جمعاءَ، من غير شطط أو تقصير.
فيخرج طلابُ الأزهر وقد حقَّقوا الغايةَ من إنشاء هذا المصنع الذي يُصنع فيه العلماء، فيخرجون وقد حفظوا نصوصَ الوحيين الشريفين، وتعلَّموا مفاتيحَ فهمها، وصَقَلَ فيهم ذلاقةَ اللسان، وقوةَ الجَنان، والصلابةَ في الدين، والمهابةَ عند الناس، والبراعة في العلم، حفظًا وضبطًا، ثم إتقانًا وبيانًا، وفهمًا ودرايةً، ثم أداءً وروايةً.
فيظهر منتجُهم للعالمين منتجًا علميًّا فائق الجودة، يأتيه رُوَّادُهُ من مختلف الأقطار رغم وجود مدارس علمية كبيرة في المشرق والمغرب، وأربطة ومحاضر كبرى في بلاد الشام والعراق والحجاز والديار اليمنية وأرخبيل الملايو والهند وأفريقيا والمغرب الأقصى تقوم بما يقوم به الأزهر الشريف، وتنهض بالعلوم والمعارف كما ينهض به، وتحافظ على اللغة والدين كما يُحافظُ عليها، إلا أنَّها لم تقوَ على مواجهة عوادي الزمن، ولم تستطع الصمود في وجه أعداء هذا المنهج.
لذا كان أوَّلُ ما ينبغي أن يُقَدَّرَ للأزهر الشريفِ هو أنَّ اللغةَ العربيةَ وجدت فيه مَعقلًا تأوي إليه في عصورٍ كانت اللغةُ التركيةُ هي لغةَ حكامِ مصر، ثم وليتها اللغة الإنجليزية لغة المحتلِّ، ثم اللغة الفرنسية لغة المستعمر، وأنَّ هذه الدروسَ التي ظلَّت قائمةً في الأزهر حول علوم اللغة العربية من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ مكَّنت اللغةَ العربيةَ من أن تستمرَّ لغةَ علمٍ وثقافةٍ إلى أن أدركها العصرُ الحديثُ بنهضته.
وأمرٌ ثانٍ: وهو أنَّ الأزهر الشريفَ ظلَّ مُلتَقًى لطلابِ العلمِ من المسلمين في أقطار الأرض جميعًا، فحقَّقَ نوعًا من التماسك بين أطراف العالم الإسلامي، وحمى الإسلامَ من كثيرٍ من الخُرافات التي كانت نفوسُ الجماهير الإسلامية مهيَّأةً لها بسبب التخلُّفِ والجهالة الغاشية.
وأمرٌ ثالثٌ: وهو أنَّه يسَّرَ للنهضة الحديثة، بما كانَ فيه من جِدٍّ في التحصيل، وتقديرٍ للعلم أعدادًا غير قليلةٍ من الرجال الذين اعتمدت عليهم النهضةُ الحديثةُ، فقاموا بأعباءَ جسيمةٍ في ميادين الثقافة والسياسة والتمدُّن في كافَّة أنحاء المعمورة( ).
وقدَّر اللهُ للأزهر الشريف البقاءَ على منهجه القويم- رغم تلاحُقِ الأعصار بما فيها- يُحافظ عليه ويُنافح عنه، واستطاع أن يصهر ثقافات الأمة وعقولها وأمزجتها وطبائعها وألسُنَها التي اجتمعت فيه من مشارق الأرض ومغاربها في بوتقة واحدة، ونجح في أن يفيض على أصحابها منهجًا واحدًا يناسبهم جميعًا في تحصيل العلوم والمعارف، ليرجع الواحد منهم إلى قُطره وقد استنار بنور العلم عقله وقلبه، وتجافى عن مضاجع الجهل جنبه، ليتولى القضاء أو الإفتاء أو التدريس أو الخطابة، أو الولاية العامة، فتلمس الأمم والشعوب منهم الأثر الحميد ، والرأي السديد ، والحكمة العالية، وتنظر إلى علمائه ورجاله على أنهم دعاة الفضيلة، وحماة الشريعة، فتحصل الثقة من تلك الأمم والشعوب في الجامع الأزهر، فتقذف إلى الأزهر الشريف بفلذات أكبادها وهي مطمئنة، فغدا في سماء العلم هو الأوحد، الذي شهرة فضله لا تُجحَد، وأصبحَ القمرَ الأزهر، والنيِّرَ الأظهر، وواسطة العِقْدِ الأنفَس، ونتيجة المجدِ الأقْعَس.
وقبل التعرُّف على أهم المعالم التي ميَّزت الأزهر الشريف عن سائر مدارس العلم، لا بُدَّ من التعرُّفِ على تلك الأروقة الأزهرية التي استطاعت أن تستوعب طلابَ العالم وتمزج ثقافاتهم وتوحِّدهم، كما ينبغي التعرُّفُ على أعداد طلاب العلم الذين قصدوا التعليم في الأزهر الشريف عبر الأعصار، وهذا ما سنتناوله في الصفحات الآتية إن شاء الله تعالى.

شاهد أيضاً

شاهد الشيخ مختار الأزهري..حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر