الثلاثاء , سبتمبر 29 2020
الرئيسية / منهاج الدعوة / الذكر..العبادة المتحررة من أطر الزمان والمكان

الذكر..العبادة المتحررة من أطر الزمان والمكان

ذكر الله هو العبادة الوحيدة التي لا تختص بمكان دون مكان، ولا بزمان دون زمان، ولا بهيئة دون هيئة، ولا بحال دون حال. والمتأمل في عبادات الإسلام كلها يجدها موقوتة بمواقيت الزمان، أو مأطورة بأُطُر المكان، ويتقيد أداؤها بحركات وسكنات محددة.. إلا ذكر الله، فإنه يستغرق الزمان كله والمكان كله والأحوال والهيئات كلها..
فالحج مثلا موقوت زمانا بأشهر معينة هي أشهُر الحج، ولا يجب في العمر إلا مرّة، ومأطور مكانا؛ فلا يجوز أداؤه خارج ما حدده الشرع الشريف من أماكن مقدسة في بلد الله الحرام، والصيام لا يفرض في العام إلا في رمضان، إضافة إلى الكفارات والنذور، ويَحرُم في يومي العيد وأيام التشريق، ويُكره في بعض الأوقات، والزكاة لا تجب في الحول إلا مرة، ويكره إخراجها إلى خارج بلد المزكِّي ما دام في بلده من يستحقها، والصلاة لا تجب في اليوم إلا خمس مرات، ويكره أداؤها في الأرض المغتصَبة، ولا يجوز في الأرض التي أصابتها نجاسة.. ولا تجب الجمعة إلا مرة كل أسبوع، ولا تنعقد إلا في مكان مختص بأوصاف معينة.. وهكذا.
فكل عبادات الإسلام مأطورة موقوته، ومرتهنة بقوله تعالى ” فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ”. أما الذكر فهو العبادة الوحيدة التي يُشترط لها الكثرة في الأداء؛ ومن هنا أضيفَ وصفُ “الكثرة” لكل أمر بالذكر في القرآن، فنقرأ قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا”، “… وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”. بل إن “القِلَّة” في الذكر من علامات النفاق، كما ذكر القرآن في أوصافهم: “يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا”. أي أن المنافقين أيضا يذكرون الله لكن يذكرونه قليلا!، والفصل في القضية أن المؤمن الحق الذي أُشبِع قلبه بحب الله ورسوله دائما يلهج بذكر الله والصلاة والسلام على رسوله  ، لأن ثمرات الذكر تحصل بكثرته, وباستحضار ما يقال فيه؛ تنفيذا لوصية سيدنا رسول الله  “لا يزال لسانك رطبا بذكر الله”. حتى الجُنُب والحائض والنفساء ممنوعون من عبادات كثيرة شرعا ما عدا ذكر الله، كما نص على ذلك الفقهاء، وأنهم داخلون في عموم قوله تعالى: “”الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..”.
وجعل الله عبادة الذكر بمثابة “التحلّي” بعد كبرى العبادات في الإسلام؛ فمثلا بعد أداء فريضة الحج يرشدنا الله تعالى بقوله: ” فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ”، وبعد الفراغ من أداء جميع مناسك الحج: “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا..”، وبعد الانتهاء من أداء صلاة الجمعة: ” فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، وفي معرض الحديث عن أداء الصلاة في ظروف القتال: ” فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ..”. فلا جرم أن قال الله تعالى: ” إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ”.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

في رحاب القرآن..د. عطية مصطفى ووقفة مع قوله تعالى: “فلا تجعلوا لله أندادًا”