الأحد , ديسمبر 8 2019
الرئيسية / منوعات / “حسن الخلق”..كلمة السر في إقامة الحضارات

“حسن الخلق”..كلمة السر في إقامة الحضارات

من أساسيات قيام أي حضارة من الحضارات، هو حسن تعامل أبنائها مع بعضهم البعض، وهو ما يمسى في ديننا الإسلامي بحسن الخلق، ومتى ما فقد ذلك كان ذلك مؤذناً بانهيار تلك الحضارة.
والدين الإسلامي جاء متمماً لمكارم الأخلاق فقد قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقال تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان 63.
وهذا لقمان الحكيم عندما أراد أن يوصي ابنه بوصايا عظيمة أوصاه بجوامع حسن الخلق قال تعالى على لسانه :{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} لقمان 17-19.
لقد جعل الرسول –  – تتميم مكارم الأخلاق هدفا من أهداف البعثة، فقال كما في الحديث السابق: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). ولطالما حث عليه الصلاة والسلام على حسن الخلق ورغب فيه، فعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن). وجعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – حسن الخلق دليلا واضحا على كمال إيمان العبد فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً).
ولقد أخبر النبي –  – أن حسن الخلق يقود صاحبه إلى أعلى الجنة، فعن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله –  -: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). وعندما سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أكثر شيء يدخل الجنة ذكر أنه حسن الخلق. فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سئل رسول الله –  – عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق).
وحسن الخلق من الأمور التي تثقل ميزان العبد يوم القيامة، فعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء). ليس ذلك فسحب بل إن حسن الخلق ليعدل الصلاة والصوم فعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة). إن الأخلاق الحسنة لتجعل صاحبها محبوباً عند الله والناس؛ بل إنها لتقرب العبد من النبي –  – في يوم القيامة فعن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله –  – قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً. وأن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون). والثرثار: هو كثير الكلام تكلفاً. والمتشدق هو: المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه.
إن حسن الخلق سبب عظيم في دخول كثير من غير المسلمين دين الله -عز وجل- فعن أنس – رضي الله عنه – قال: كنت أمشي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذ بردائه حبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء). وهذا يدل على سعة صدر النبي – صلى الله عليه وسلم – وحلمه الشديد على الجاهل. وكم حدثت مواقف شبيهة بذلك فكان حلم النبي –  – ورفقه وسعة صدره سببا لإسلام كثير من الناس. وما انتشر الدين في مشارق الأرض ومغاربها إلا بحسن الخلق، فلقد كان المسلمون يذهبون للتجارة في بلاد الكفار والعجم فيرون أخلاق المسلمين ووفائهم وتواضعهم فيكون ذلك سبباً في إسلامهم.
ولقد أمر النبي –  – ببعض الأخلاق خاصة؛ قال رسول الله –  -: (إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) ، وحث عليه الصلاة والسلام على التجاوز والسماح والعفو عن الآخرين فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي –  — قال:( كان تاجراً يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه).
ونهى النبي  أن يحقر أحد من المعروف ولو شيئاً يسيراً فعن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله –  -: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجه طلق). وقد يصنع رجل معروفاً بسيطاً يكون سبباً في دخوله الجنة فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:(مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحّينّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة). ومن حسن الخلق أن يكون الإنسان رفيقاً غير غليظ فعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – عن النبي –  – قال: (من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير). ومن مكارم الأخلاق مقابلة الإحسان بالإحسان والجميل بالجميل وهذا ما حث عليه المصطفى –  – فعن ابن عمر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (… ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا الله له حتى تروا أنكم قد كافأتموه).
ومن حسن خلقه اختياره لأحسن الألفاظ للتعامل مع الآخرين فعن عائشة – رضي الله عنه – أن يهود أتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: السام عليكم فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله و غضب عليكم. قال: مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ).
فالخُلق هو الدين، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وإن الله سبحانه ما شرع العبادات إلا لتمام الأخلاق وتقويم السلوك، لتتحد الشعائر مع المشاعر في مشهد يغرّد فيه الكون بتمجيد الفضائل، لترفرف عليه رايات الرضا من الله.

عن Mohamed Elwardany

شاهد أيضاً

تعرف على “ﺧﻮﻟﺔ ﺑﻨﺖ ﺛﻌﻠﺒﺔ” ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺰﻟﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺠﺎﺩﻟﺔ

ﻛﺎﻧﺖ ﺧﻮﻟﺔ ﻣﻦ ﺭﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﻼﻏﺔ ﻭﺍﻟﻔﺼﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﻭﻋﺎﺷﺖ ﻣﻊ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺣﻴﺎﺓ ﻓﻘﻴﺮﺓ ﻣﻌﺪﻣﺔ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ …